ثقافة

«المعتقل الأحمر»: أقنعة الهوية.. وتلاطم العدم – أخبار السعودية

من «عروس المصايف»، وبستان مكة، تلك المدينة التي ترفع هامتها فوق جبال السروات لتتزين بالندى، وتفوح بأعطر الروائح، خرج لنا الأديب المتلفع بالضباب البارد، الذي اعتاد احتضان السحاب، وانساب على الورق فاخضرت به الكلمات، من البوابة الشرقية لمكة المكرمة أطل علينا نايف مهدي ببصمات مرتجفة أولًا، ثم المعتقل الأحمر؛ ليتصدّر أعلى قمة جبل غزوان بجوار أدباء وشعراء هذه المدينة العزيزة.

«المعتقل الأحمر»: أقنعة الهوية.. وتلاطم العدم

عندما نتحدث عن السرد القصصي، نستحضر أنطوان تشيخوف كمثال عالمي للأدب الإنساني والنفسي، وأنا أرى أن الأديب السعودي نايف مهدي الوجه العربي لتشيخوف.

إن القارئ المتمعن في عنوان المجموعة القصصية يجد نفسه أمام لوحة فنية ممتلئة بالعزلة والقسر وانعدام الحرية متجسّدًا في الحصار الداخلي للنفس البشرية، وبين الدماء والتضحية والدمار، وقسوة الألم متمثلًا في اللون الأحمر، الذي هو رمز للثورة والرفض.

للوهلة الأولى يشك القارئ أنه أمام عمل سوداوي بحت، ولكنه ما إن يمعن النظر حتى يجد أمامه مفتاحًا بصريًا رمزيًا يهيئ الذات للدخول لعالم سردي مشحون بالتساؤلات النفسية المفتوحة على الواقع.

اعتمد نايف مهدي في البناء السردي على الطرح السؤالي، واستخدم عناوين تنسج التخبط بين أقنعة الهوية الإنسانية، وتلاطم العدم بشتى صوره بطرح فلسفي نفسي إنساني، حيث إن الموت ميلاد حياة جديدة في نظرتي للحياة، نجد الكاتب افتتح مجموعته القصصية بالموت، معتمدًا في وصفه وكيفية خروج الروح من الطين المادي بإحدى تقنيات السرد ألا وهي الاستدعاء الزمني الماضي، ونجدها كثيرًا في مجموعته القصصية، مع اختلاف طرق استدعائها.

إن مسار المجموعة القصصية تبحث في ثلاث خطوط رئيسية، نجدها واضحة جلية:

– هل الإرادة قادرة على اقتلاع العزلة من وجودها؟ من خلال تشريح المشاعر الإنسانية في غياهب هذا العالم «المعتقل» وكيف يتحوّل الزمان والمكان لأعداء محتملين؟ وكيف يبتكر الإنسان أساليب للبقاء والتغلب على جدران هذا الجب.

– هل الذاكرة أداة للنجاة؟ إذ إنها كما نراها في السردية تشكّل استعادة الماضي، واستحضار ما يحب الإنسان من تفاصيل صغيرة كسلاح مقاومة ضد أسر المكان وانهيار النفس.

– الإسقاط الاجتماعي والسياسي، فالمجموعة القصصية لا تعزل الإنسان عن واقع المجتمع المعيش، إنما الإنسان مرآة تعكس الأزمات، وتداخل القهر الفردي مع القهر الجمعي في واقعنا.

تجلت تلك الخطوط من خلال التداعي الحر والمونولوج الداخلي الذي استجلى في بعض النصوص لصالح السرد الباطني، وللكاتب تحية على هذا، حيث انفتحت طيات النفس عبر تداعيات الخاطرة والرؤى، وكذلك فإن التكثيف والرمزية في هذه المجموعة القصصية علامة مسجلة لصالح الكاتب، إذ إنه استبدل التفاصيل المباشرة بإشارات رمزية وانزياحات منحت النص أبعادًا متعددة، وتركت له مساحة تأويلية مستقبلية، وقد منح التوازن الخلاق بين الواقعية الصلبة واللغة الشاعرية هذا البعد، مما قلل من حدة الواقع السوداوي، ومنحه بعدًا جماليًا لتكتمل لوحة نايف مهدي.

• هل جدران الجب الذي حُبس فيه الإنسان تحاصر البدن الفاني؟ أم أنها تحبس ذاكرته الروحية في وثاقه؟ فتهيم الروح في فضاءات ما وراء الحدث؟

• هل يُحكم على المرء بما يظهر منه، أم بما يتواجد في أعماقه من صراعات ومقاومات لا حد لها ولا حصر؟

• هل يحكم عليه الماضي بالإقامة فيه؟ أم أنه قادر على مغادرته؟ أم أنه يسكننا ولا يغادرنا؟

كل هذه الأسئلة وغيرها تتجلى في النصوص، ولكنها مفتوحة لا إجابة لها، للقارئ الحق في أن يشارك في بناء سردية القصة من خلال التوصل للإجابة المبنية على الرؤية الذاتية.

ختامًا:

أوجّه تحية لنايف مهدي على أنه لم يكن معالجًا ولا منظرًا بل طارحًا للقضايا الإنسانية والنفسية، وإن تضمّنت السردية القصصية الإجابات بدون تصريح ولا استعراض.

ومن “عروس المنتجعات” وبستان مكة، تلك المدينة التي ترفع رأسها فوق جبال السروات لتتزين بالندى، وتفوح بأطيب الروائح، خرج الكاتب ملفوفاً بالضباب البارد، الذي اعتاد أن يعانق السحاب، وانساب على الورق، فجعل الكلمات خضراء. ومن باب مكة الشرقي، ظهر لنا نايف مهدي ببصمات مرتجفة في البداية، ثم «الاعتقال الأحمر»؛ ليعتلي أعلى قمة جبل غزوان إلى جانب أدباء وشعراء هذه المدينة العزيزة.

“الاعتقال الأحمر”: أقنعة الهوية… وضجة العدم

عندما نتحدث عن السرد القصصي، نستحضر أنطون تشيخوف كمثال عالمي للأدب الإنساني والنفسي، وأرى أن الكاتب السعودي نايف مهدي هو الوجه العربي لتشيخوف.

يجد القارئ اليقظ لعنوان المجموعة القصصية نفسه أمام لوحة فنية مليئة بالعزلة والإكراه وغياب الحرية، متجسدة في الحصار الداخلي للنفس الإنسانية، وسط الدماء والتضحية والدمار، مع قسوة الألم المتمثلة في اللون الأحمر رمز الثورة والرفض.

للوهلة الأولى، قد يشك القارئ في أنه أمام عمل قاتم تمامًا، لكنه عندما يتعمق أكثر، يجد أمامه مفتاحًا بصريًا رمزيًا يهيئ الذات للدخول في عالم سردي مشحون بأسئلة نفسية مفتوحة حول الواقع.

اعتمد نايف مهدي في بنيته السردية على نهج التساؤل، مستخدما عناوين تنسج البلبلة بين أقنعة الهوية الإنسانية وضجيج العدم بكل أشكاله، مقدما خطابا فلسفيا ونفسيا وإنسانيا. في نظري للحياة، الموت هو ولادة حياة جديدة؛ فنجد الكاتب يفتتح مجموعته بالموت، معتمدا على وصفه وطريقة خروج الروح من طين المادة باستخدام إحدى تقنيات السرد، ألا وهي استحضار الزمن الماضي، الذي نجده كثيرا في مجموعته، مع اختلاف أساليب الاستحضار.

يستكشف مسار المجموعة القصصية ثلاثة خطوط رئيسية واضحة وواضحة:

– هل قوة الإرادة قادرة على اقتلاع العزلة من وجودها؟ من خلال تشريح المشاعر الإنسانية في أعماق هذا العالم “المعتقل” وكيف يمكن أن يتحول الزمان والمكان إلى أعداء محتملين؟ وكيف يخترع الإنسان أساليب البقاء والتغلب على جدران هذه الحفرة؟

– هل الذاكرة أداة للبقاء؟ كما نراها في السرد، فهي تشكل استرجاعاً للماضي، واستحضار ما يحبه الإنسان من تفاصيل صغيرة كسلاح مقاومة ضد أسر المكان وانهيار الذات.

– الإسقاط الاجتماعي والسياسي. فالجمع لا يعزل الفرد عن واقع المجتمع الحي، بل الفرد مرآة تعكس الأزمات، وتشابك القهر الفردي مع القهر الجماعي في واقعنا.

وتجلت هذه السطور من خلال الارتباط الحر والمناجاة الداخلية التي ظهرت في بعض النصوص لصالح السرد الداخلي، ويستحق الكاتب الثناء على ذلك، حيث انفتحت طبقات الروح من خلال تشعب الأفكار والرؤى. كما أن الكثافة والرمزية في هذه المجموعة تشكل علامة مسجلة لصالح الكاتب، إذ استبدل التفاصيل المباشرة بإشارات وتحولات رمزية منحت النص أبعادا متعددة، وتركت له مساحة تفسيرية مستقبلية. وقد وفر التوازن الإبداعي بين الواقعية الصلبة واللغة الشعرية هذا البعد الذي خفف من حدة الواقع الكئيب ومنحه بعدا جماليا لتكتمل لوحة نايف مهدي.

• هل جدران الحفرة التي يُسجن فيها الإنسان هي التي تحصر الجسد الفاني؟ أم يسجنون ذاكرته الروحية في أغلالها؟ بحيث تتجول الروح في فضاءات ما بعد الحدث؟

• هل يُحكم على الإنسان بما يظهر منه، أم بما يكمن في أعماق كيانه، من صراعات ومقاومات لا نهاية لها ولا حدود لها؟

• هل يحكم على الماضي بأنه يقيم فيه؟ أم أنه قادر على تركها؟ أم أنه يسكننا ولا يغادرنا؟

كل هذه الأسئلة وغيرها تتجلى في النصوص، لكنها تبقى مفتوحة بلا إجابات؛ ومن حق القارئ أن يشارك في بناء سرد القصة من خلال الوصول إلى الإجابات المبنية على الرؤية الشخصية.

ختاماً:

أتوجه بالتحية إلى نايف مهدي، فهو ليس مجرد معالج أو منظّر، بل هو مطرح للقضايا الإنسانية والنفسية، وإن كانت الرواية القصصية تحتوي على أجوبة دون إعلان أو عرض.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.okaz.com.sa

تاريخ النشر: 2026-11-06 01:09:00

الكاتب: سهيلة آل حجازي – شاعرة وناقدة مصرية

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.okaz.com.sa
بتاريخ: 2026-11-06 01:09:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى