
*الحرب الثالثة على إيران: فائض القوة وأزمة القرار*
الكاتب علي جمال الدين بظت
لم تُغلق الحربان الأميركيتان–الإسرائيليتان على إيران ملف المواجهة، بل نقلتاه إلى مرحلة أكثر تعقيداً. التفوق العسكري الذي أتاح ضرب البنية النووية والصاروخية والأمنية الإيرانية لم ينتج التسوية التي أرادتها واشنطن وتل أبيب. بقي النظام، وبدأت عملية إعادة تكوين القوة، فيما وجدت إسرائيل نفسها أمام احتمال تآكل إنجازاتها قبل أن تتمكن من تحويلها إلى مكاسب سياسية دائمة. ومن هذه الثغرة تحديداً يتقدم مشروع الحرب الثالثة.
خلال الأسبوع الأخير، ارتفع مستوى الاستعداد العسكري الإسرائيلي على نحو يتجاوز متطلبات العمليات الجارية. فقد تزامنت تدريبات جوية بعيدة المدى مع إجراءات تأهب متعددة الجبهات، واستمرار تعزيز الدفاعات الصاروخية، وحضور عسكري أميركي في المنطقة. لكن هذا النشاط لم يترافق مع ما يثبت حسم قرار مشترك ببدء حرب شاملة ضد إيران. وهنا تكمن المفارقة: القدرة العسكرية متوافرة، والدافع الإسرائيلي حاضر، بينما لا تزال النتائج السياسية للحرب وكلفتها موضع حسابات معقدة.
يريد نتنياهو الذهاب أبعد مما انتهت إليه الحربان السابقتان. فقد رفع سقف المواجهة إلى إسقاط النظام الإيراني، وربط هذا الهدف باستكمال الحرب على حزب الله وإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل. وبهذا المعنى، لم تعد إيران في خطابه مجرد مصدر تهديد عسكري، بل العقبة الأساسية أمام تثبيت النتائج الإقليمية التي تسعى إليها تل أبيب.
غير أن اتساع الهدف السياسي يضاعف مأزق الوسيلة العسكرية. فإسقاط النظام لا يتحقق تلقائياً بتوسيع بنك الأهداف، ولا تضمن الضربات الجوية، مهما بلغت كثافتها، إنتاج سلطة بديلة أو منع إعادة تشكل مراكز القوة داخل إيران. وقد أظهرت المواجهات السابقة أن القدرة على التدمير لا تمنح بالضرورة القدرة على فرض النتيجة السياسية المطلوبة.
وكشفت التسريبات الغربية خلال الأسبوع عن استمرار تداول خيارات عسكرية إسرائيلية واسعة ضد إيران، وسط تحفظات أميركية على التوقيت والنتائج المحتملة. وتضاربت الروايات بشأن خطط الهجوم ومراحل إعدادها، فيما لم يظهر إعلان رسمي يثبت انتقالها إلى التنفيذ. لكن استمرار النقاش حول هذه الخيارات يؤكد أن استئناف الحرب لا يزال مطروحاً في الحسابات الإسرائيلية، وأن الخلاف يدور حول شروطها وتوقيتها وحدود المشاركة الأميركية.
في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، اتجه النشاط خلال الأسبوع نحو رفع الجاهزية والمحافظة على القدرة على إدارة مواجهة متعددة الجبهات. واستمرت التعزيزات المحدودة وإعادة تأهيل التشكيلات والتدريبات القيادية والميدانية، بالتوازي مع إجراءات استنفار مرتبطة بالمخاطر الأمنية المحيطة بالانتخابات الإسرائيلية. وتكشف هذه الحركة عن استعداد واسع للتعامل مع تطورات مفاجئة، من دون أن تقدم دليلاً حاسماً على بدء تعبئة مخصصة لحرب جديدة ضد إيران.
أما في الجو، فقد برز النشاط الإسرائيلي بعيد المدى بوصفه المؤشر العسكري الأشد اتصالاً بالمواجهة الإيرانية. وتحدثت تقارير منشورة عن طلعة واسعة شاركت فيها مقاتلات وطائرات تزوّد بالوقود باتجاه محيط إيران، مع إبلاغ واشنطن مسبقاً. وقد قُدّم النشاط باعتباره تدريباً واستعراضاً للقوة، في وقت استمر فيه سلاح الجو بتنفيذ مهماته على الجبهات القائمة والمحافظة على جاهزيته الاستراتيجية.
تحمل هذه الحركة رسالة تتجاوز البعد التدريبي. فإسرائيل تسعى إلى إبقاء القدرة على الوصول إلى إيران حاضرة في حسابات طهران، وإظهار أن انتهاء الجولة السابقة لم يؤد إلى تراجع استعدادها لفتح جولة أخرى. لكنها تخدم أيضاً الضغط السياسي على واشنطن، عبر المحافظة على احتمال الهجوم ضمن الخيارات المطروحة وعدم السماح بتحويل التهدئة إلى وضع مستقر.
وفي المقابل، لا يكفي النشاط الجوي لإثبات اقتراب ساعة الهجوم. فالتدريب بعيد المدى واستعراض القدرة والتهيؤ للعمليات الفعلية قد تتداخل في الوسائل المستخدمة، فيما يبقى الفارق الحاسم في القرار السياسي والأوامر التنفيذية. ومن هنا، فإن المبالغة في تفسير كل طلعة جوية باعتبارها مقدمة مباشرة للحرب قد تحجب طبيعة الصراع الجاري على توقيتها.
وتتصل الجاهزية الدفاعية بهذه المعادلة. فقد استمرت إسرائيل في المحافظة على استعداد منظوماتها الصاروخية متعددة الطبقات، وتعزيز حماية منشآتها الحيوية ومرافقها العسكرية والاقتصادية، بالتوازي مع تطوير قدرات الاعتراض ومواجهة المسيّرات. وتكشف هذه الأولوية عن حضور الرد الإيراني في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً بعدما أثبتت المواجهات السابقة أن التفوق الجوي لا يوفر حصانة مطلقة للجبهة الداخلية.
وتكتسب مسألة الذخائر الاعتراضية أهمية إضافية في ضوء اتساع الاعتماد الإسرائيلي على الإنتاج المحلي والشراكات الصناعية الأميركية. فالحرب الجديدة ستفرض اختباراً لقدرة الدفاعات على الاستمرار تحت الضغط، وليس مجرد نجاحها في اعتراض الموجات الأولى. ولا تكفي الجاهزية المعلنة للحكم على حجم المخزون المتاح أو المدة التي يمكن المحافظة خلالها على مستوى الاعتراض نفسه.
أما واشنطن، فقد واصلت حضورها العسكري والتنسيق الدفاعي مع إسرائيل، في ظل استمرار انتشار قواتها الجوية والبحرية في المنطقة. وقد تزامنت المشاورات رفيعة المستوى مع النشاط الجوي الإسرائيلي بعيد المدى، بما يؤكد عمق الارتباط العسكري بين الطرفين. لكن هذا الارتباط لا يلغي التباين المحتمل في تقدير كلفة الحرب أو توقيتها.
فالإدارة الأميركية معنية بمنع إيران من استعادة قدرات تعتبرها تهديداً لمصالحها وحلفائها، لكنها معنية أيضاً بحماية قواتها وقواعدها وممرات الملاحة، والمحافظة على مخزونها العسكري والتزاماتها الاستراتيجية خارج الشرق الأوسط. وهذه حسابات لا يمكن اختزالها بالرغبة الإسرائيلية في استكمال المواجهة.
وتبدو المشكلة أكثر وضوحاً عند الانتقال من أهداف الضربة الأولى إلى نتائج الحرب. تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل توجيه أضرار كبيرة إلى المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، لكن ذلك لا يضمن انهيار النظام أو منع إعادة بناء القدرات التي تتعرض للاستهداف. كما أن توسيع الحرب إلى البنية الاقتصادية والطاقة قد يرفع كلفة المواجهة على الاقتصاد الإقليمي والدولي، ويضاعف احتمالات الرد على المصالح الأميركية.
في المقابل، لا تتصرف إيران بوصفها طرفاً ينتظر اكتمال القرار الأميركي–الإسرائيلي. فقد انتقلت من استيعاب الخسائر إلى إعادة تنظيم بنيتها العسكرية والأمنية واستعادة ما تستطيع من قدراتها الصاروخية والإنتاجية. وهي تدرك أن الوقت الذي تحتاج إليه لترميم قوتها يمثل، في الحساب الإسرائيلي، سبباً إضافياً للتفكير في استئناف الحرب قبل اكتمال عملية التعافي.
وهكذا يتشكل سباق بين اتجاهين متعارضين: إسرائيل تريد المحافظة على التفوق الذي أنتجته المواجهات السابقة، وإيران تسعى إلى تقليص هذا التفوق واستعادة قدرة ردع تجعل الحرب المقبلة أعلى كلفة وأقل قابلية للحسم. ويصبح عامل الوقت جزءاً من الصراع، لا مجرد فترة فاصلة بين جولتين.
وقد دخل احتمال المبادرة الإيرانية إلى الحسابات الأمنية الأميركية والإسرائيلية، في ظل المخاوف من أن تتعامل طهران مع بعض التحركات العسكرية باعتبارها مؤشراً إلى هجوم وشيك. ولا توجد معطيات علنية حاسمة تثبت اتخاذ قرار إيراني بضربة استباقية، لكن خطر سوء التقدير يظل قائماً عندما ترتفع الجاهزية العسكرية وتتزايد التهديدات المتبادلة.
وتبقى الجبهة اللبنانية حاضرة في هذا المشهد. فقد واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية وتثبيت مواقعها في الجنوب، بالتوازي مع التشدد في شروط الانسحاب وربط مستقبل المواجهة مع حزب الله بالملف الإيراني. ولا تشير هذه السياسة إلى رغبة في إغلاق الجبهة اللبنانية، بل إلى محاولة إبقائها تحت الضغط العسكري والسياسي، ضمن تصور إسرائيلي أوسع لإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية.
وفي سوريا، استمرت العمليات الإسرائيلية في الجنوب ضمن سياسة السيطرة والتوغلات والضغط الأمني، بما يعكس المحافظة على المكاسب الميدانية والسعي إلى منع تشكل تهديدات جديدة. لكن استمرار الاحتلال والاحتكاك المحلي يفرضان على إسرائيل أعباء لا تزول بمجرد امتلاكها التفوق العسكري.
وهنا تتكرر المعضلة نفسها على امتداد الجبهات: قدرة إسرائيل على فرض وقائع عسكرية لا تقابلها دائماً قدرة مماثلة على تحويلها إلى ترتيبات سياسية مستقرة. وفي إيران تحديداً، تبدو الفجوة أكبر، لأن الهدف المعلن يتجاوز إضعاف القدرات العسكرية إلى تغيير بنية السلطة نفسها.
أما داخلياً، فيدخل قرار الحرب في حسابات الانتخابات الإسرائيلية والأميركية. فالقيادة الإسرائيلية تدرك أن مواجهة واسعة قد تفرض على الجبهة الداخلية أثماناً مباشرة، وأن نتائجها ستنعكس على موقع الحكومة ومستقبلها. وفي واشنطن، تظل كلفة التدخل العسكري واتساعه وتداعياته الاقتصادية والسياسية عوامل مؤثرة في تحديد توقيت أي حملة جديدة.
وتشير حصيلة الأسبوع إلى استمرار الاستعداد للحرب من دون ظهور ما يكفي للجزم بقرب اندلاعها. فقد حافظت إسرائيل على جاهزيتها الجوية والصاروخية، واستمرت في إدارة الجبهات القائمة، فيما أبقت الولايات المتحدة قدراتها العسكرية في المنطقة وحافظت إيران على مسار إعادة البناء والاستعداد للرد.
وعليه، لا تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية الشاملة ضد إيران الاحتمال الأرجح خلال الأيام القليلة المقبلة، وإن ظل خطر التصعيد المحدود أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً. فالاستعداد العسكري بلغ مستوى مرتفعاً، لكن قرار الحرب لا يزال محكوماً بعوامل تتجاوز الجاهزية إلى حسابات التوقيت والكلفة والنتيجة.
وقد تتراجع بعض القيود السياسية بعد الاستحقاقات الانتخابية، من دون أن يعني ذلك انتقالاً تلقائياً إلى الحرب. فالمشكلة التي لم تُحل بعد هي نفسها التي تركتها المواجهات السابقة: كيف يمكن منع إيران من إعادة تكوين قوتها، وتحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار؟
يريد نتنياهو استكمال الحرب قبل أن تستعيد إيران توازنها، وتحتفظ واشنطن بالقدرة على إسناده من دون أن تكون قد أعلنت قراراً نهائياً، فيما تعمل طهران على جعل الجولة المقبلة أكثر كلفة على خصومها.
لقد أصبحت الحرب الثالثة جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الجارية، لكنها لم تتحول إلى نتيجة حتمية. وما يعطل الانتقال من الاستعداد إلى التنفيذ هو عجز التفوق العسكري، حتى الآن، عن تقديم ضمانة بحسم سياسي لم توفره الحربان السابقتان.
https://www.facebook.com/wakalanewsPage
https://www.facebook.com/groups/WakalanewsGroup/
https://x.com/wakalanews_
https://t.me/wakalanewsOfficial
https://www.instagram.com/wakalanews?stkn=MTh1cWwyN2ZhOHAxcA==




