عاجل | التفكير الفلسفي – أخبار السعودية
عاجل | التفكير الفلسفي - أخبار السعودية
لعلي في البدء أؤكد بأن التفكير الفلسفي أحد مكوّنات بل أحد محركات الوعي النقدي في أذهاننا، إذ إن الوعي النقدي لا يمكن إلّا أن يكون فلسفياً.. لماذا؟ لأن قيمة التفلسف تنبع من طرح السؤال، والوقوف بدهشة أمام الأحداث، وحقائق الحياة والأشياء والمتغيّرات.. والذي يتمتع بملكة التفلسف لا يمكن أن تمر الأمور من أمامه مرور الكرام، بمعنى لابد أن يقف عندها طويلاً بتفحصٍ نقدي وتأملٍ عقلي.. تضج في جمجمته كثرة من الأسئلة وقليلٌ جداً من الأجوبة! وكما أوضح أرسطو: الدهشة هي التي تدفع بنا إلى التفلسف.. لأن الدهشة العقلية تعني يقظة العقل وتفتح الذهن وميله إلى التساؤل. وهل الدهشة الفلسفية التي هي المحك الأول للتفلسف تنحصر في تحديق العينين أو تقطيبة الجبين وامتعاضة الوجه ومن ثم الوقوف سلبياً إزاء الموجودات والمرئيات والوقائع الحياتية اليومية؟ لا ليس هذا المقصود بالطبع.. فالدهشة هنا سمة إنسانية وكل إنسان فيلسوف، وهي تعني هنا الشوق إلى المعرفة كدهشة سقراط الأولى عندما كان يسير في الطرقات ويتحدث إلى الناس يسألهم ويجادلهم ويحرّضهم ويعرف أن الآخرين أكثر معرفة منه ربما لكنهم ليسوا بأكثر جرأة وشجاعة.. وكان كلما اكتسب معرفةً جديدة تفجّرت في حدقتيه ينابيع الشوق والتحدي فيزداد قناعةً بأنه لم يعرف بعد.. فيطلق ساقيه في شوارع أثينا في بحثٍ جديد عن المعرفة.. عن الحقيقة.. والفضيلة، وقلبه يكاد ينفجر فرحاً ونشوةً.. هنا يكمن سر الفلسفة إذن.. إنها البحث الذي لا يُكل عن المعرفة وسر الوجود وضميره.
إن من علامات عدم التفلسف هو عدم الدهشة. الإنسان غير المندهش هو البليد الذي يعتقد توهماً أنه العارف كلياً، أي الإنسان المالك للحقيقة المطلقة واليقينيات الساكنة. والرأي السائد هو أن التفلسف خوض في التصورات المجردة والمفاهيم المطلقة المعلقة في السماء أو هو بحث في الماهيات والجوهريات والحقائق غير الملموسة، وهذا الرأي غير دقيق، بل أقول لقد أنزلت في القرن الماضي كل هذه التصورات والمفاهيم إلى الأرض.. إلى قاع الواقع واختُبرت في سياق الحياة اليومية وتحوّلت الكثير من المفاهيم الفلسفية والتأملات العقلية إلى أدوات لفهم الواقع وتحليله وسبر بنياته كمفهوم الشك عند ديكارت ومفهوم النقد عند كانط والتغيير عند ماركس، لقد كانت المفاهيم الفلسفية التي أنتجها هؤلاء الفلاسفة وغيرهم وهي في سعيها الحثيث لتغيير الواقع كانت تبحث في الواقع والميتا واقع، وفي الطبيعة وما وراء الطبيعة واضعة اللبنات الأولى في التكوّن والصيرورة والتغيير. إن الذهن الذي يمضي في ضوء التفكير الفلسفي هو ذهن منورٌ لا يمكن أن يقبل الأمور كما هي، كما لا يمكن أن يقبل منطق الوصاية الفكرية، يقول إيمانويل كانط: المنور هو الإنسان الخارج من حالة القصور الفكري إلى الإنسان القادر على التفكير بمعزلٍ عن الآخرين.. وهنا لا يتحدد التفكير الفلسفي فقط في الخروج من حالة القصور الذهني إزاء الوجود والحياة والكون بل يتعداها إلى تفسير هذا الوجود وكل وجود جديد وإعطاء معنى أخلاقي له.. أي البحث عن ضميره الإنساني، تفسير لمعنى الإنسان وتحليل ممكناته وقدراته متخطياً بذلك -أي التفكير الفلسفي- ضرورة التفسير والتحليل إلى ضرورة التحويل والتغيير.
لماذا يصبح التفكير الفلسفي ضرورياً لتكوين وعي نقدي؟ لأن التفكير الفلسفي يسبح في فضاءات الحرية ويخرج من ربقة المألوف والسائد.. ويحطم أغلال التأوضحيد المستحكمة.. وهذا الخروج والانطلاق الذهني في حد ذاته هو تحرر من دوغما اللحظة الفكرية الساكنة.. وهو تمرد في الآن ذاته على سكونية اللحظة الحضارية.. على اكتمالية الحقيقة.. ويقينية التاريخ وحتميته. ولأن التفكير الفلسفي، تفكير إبداعي بالضرورة.. ويجتهد في النظر إلى الوجود والمتغيّرات برؤى متعددة.. ويقلبها على كل الوجوه والاحتمالات.. أي يأخذ كل حدث وكل متغيّر في نسبيته لا مطلقيته. إنه بالضرورة أيضاً تفكير سببي لا رغبي، بمعنى أنه يبحث في جذرية الأشياء وانبثاقاتها الأولى.. إذن هو المهاد الأول للبحث العلمي وهذا واحد من أسس العقل النقدي. ولأن التفكير الفلسفي، تفكير تحليلي.. يعاين ثم يحلل.. ثم يستنبط، فهو دون شك تفكير عقلاني، والعقلانية والمأسسة إحدى سمات التفكير النقدي. إنه بالنتيجة ينفتح على التراكم المعرفي والعقلي الإنساني كله ويؤسّس عليه استنتاجاته وتصوراته، لذا فهو بالضرورة تعددي.. يقبل الآخر.. ويختلف معه، لكن يحاوره بجدالية رفيعة. كيف يصبح التفلسف ممكناً؟.. كيف تصبح الفلسفة حاجة تربوية وفكرية مجدّداً.. فاعلة ومؤثرة في حياتنا اليومية؟ هناك من يقول بانتفاء ضرورة الفلسفة في عصر الثورة المعلوماتية الذي نعيشه راهناً.. أي في عصر انتصار العلم، وبالتالي فإن الفلسفة في حراكها القديم وفي مشهد أطروحاتها الكبرى قد انتفت.. ووصلت إلى نهاياتها التاريخية، ولا حاجة للعلم لمقدمات فلسفية جديدة، ولا تحتاج الحياة لتفلسف جديد ولا تحتمل ترف التأمل العقلي في البداهات والموجودات والمتغيرات، فالعلم والإنتاج العلمي حل محل الفلسفة وألغى تلك المنطقة الوسطى بين الدين والعلم!.. فهل تصمد هذه النظرة القاتمة للفلسفة أمام الحاجة الملحة للتفلسف في عالمنا المعاصر؟ هذا الكلام قد يثير غباراً كثيفاً في حقلنا الفكري العربي، ويبدو كأنه يدحض مقولة حاجتنا الآن إلى قيمة التفلسف والإبداع الفلسفي.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألسنا -راهناً- في حالة قصور فكري بيّن؟.. أما تزال تُمارس علينا وصاية فكرية مزدوجة؟.. في تقديري أن الخروج من حالة القصور الفكري التاريخي حضارياً، لا شك تبدأ من حقلها الثقافي.. الفكري، باستئناف القول الفلسفي من جديد وباستعادة محركات الإبداع الفلسفي من جديد التي خمدت وتكلست منذ أن وضعت الفلسفة والاشتغال فيها موضع الشبهة وفي دائرة الزندقة.. ولا يتم ذلك إلا باستعادة التراث الفلسفي/النهضوي العربي برمته في محطاته العقلانية التنويرية، وضرورة قتله بحثاً، وفحصاً وهضماً، ثم تجاوزه إلى الأفق الفكري المتجدد والمنفتح على المستقبل.
اسمحوا لي أن أبدأ بالتأكيد على أن التفكير الفلسفي هو أحد مكونات، بل إحدى القوى الدافعة، للوعي النقدي في أذهاننا، حيث أن الوعي النقدي لا يمكن أن يكون إلا فلسفيا. لماذا؟ لأن قيمة الفلسفة تنبع من طرح الأسئلة، والوقوف في حالة تعجب أمام الأحداث وحقائق الحياة والأشياء والتغيرات. أولئك الذين يملكون ملكة الفلسفة لا يمكنهم أن يتركوا الأمور تمر دون تفكير؛ يجب عليهم أن يبقوا عليها بالفحص النقدي والتأمل العقلي. عقولهم مليئة بأسئلة عديدة وإجابات قليلة جدًا! وكما أوضح أرسطو: العجب هو ما يدفعنا إلى التفلسف... لأن العجب الفكري يدل على صحوة العقل، وانفتاح العقل، وميله إلى التساؤل. وهل يقتصر العجب الفلسفي، الذي هو المعيار الأول للتفلسف، على التحديق بعينين واسعتين، والعبوس، والتقشير، ثم الوقوف بسلبية أمام الموجودات والمرئيات وأحداث الحياة اليومية؟ لا، ليس هذا هو المعنى المقصود بالطبع. فالعجب هنا صفة إنسانية، وكل إنسان فيلسوف؛ إنه يدل على التوق إلى المعرفة، يشبه إلى حد كبير تعجب سقراط الأولي وهو يسير في الشوارع، ويتحدث إلى الناس، ويطرح عليهم الأسئلة، ويناقشهم، ويستفزهم، ويعرف أن الآخرين قد يكونون أكثر معرفة منه، لكنهم ليسوا أكثر جرأة وشجاعة. وفي كل مرة يكتسب فيها علماً جديداً، تتفجر في عينيه ينابيع الشوق والتحدي، مما يزيد من قناعته بأنه لم يعرف بعد ما يكفي. ثم ينطلق في شوارع أثينا بحثًا عن معرفة جديدة... عن الحقيقة... والفضيلة، وقلبه يكاد ينفجر من الفرح والنشوة. فهنا يكمن سر الفلسفة إذن... هو السعي المتواصل إلى المعرفة، وسر الوجود، وضميره.
ومن علامات نقص التفكير الفلسفي غياب العجب. فالشخص الذي لا يتعجب هو الأحمق الذي يعتقد خطأً أنه عالم كامل، أي صاحب الحقيقة المطلقة واليقين الساكن. والرأي السائد هو أن الفلسفة تنطوي على الخوض في المفاهيم المجردة والأفكار المطلقة المعلقة في السماء، أو أنها بحث عن الجواهر والمواد والحقائق غير الملموسة. وهذا الرأي غير دقيق. بل أقول إن كل هذه المفاهيم والأفكار نزلت إلى الأرض في القرن الماضي.. إلى أعماق الواقع، وتم اختبارها في سياق الحياة اليومية، وتحولت العديد من المفاهيم الفلسفية والتأملات العقلية إلى أدوات لفهم الواقع وتحليله واستكشاف بنياته، مثل مفهوم الشك عند ديكارت، ومفهوم النقد عند كانط، ومفهوم التغيير عند ماركس. إن المفاهيم الفلسفية التي أنتجها هؤلاء الفلاسفة وغيرهم، في سعيهم الدؤوب لتغيير الواقع، كانت تبحث في الواقع وما وراء الواقع، في الطبيعة وما وراء الطبيعة، وتضع الأسس الأولى للتكوين والصيرورة والتغيير. إن العقل الذي يعمل في ضوء التفكير الفلسفي هو عقل مضيء لا يستطيع أن يقبل الأشياء كما هي، ولا يستطيع أن يقبل منطق الوصاية الفكرية. يقول إيمانويل كانط: الإنسان المستنير هو الذي يخرج من حالة عدم النضج الفكري ليصبح قادرا على التفكير بشكل مستقل عن الآخرين. وهنا لا يقتصر تعريف التفكير الفلسفي على الخروج من حالة عدم النضج العقلي في الوجود والحياة والكون فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تفسير هذا الوجود وكل وجود جديد، فيعطيه معنى أخلاقيا... أي يبحث عن ضميره الإنساني، ويفسر معنى الإنسانية، ويحلل إمكاناتها وقدراتها، وبذلك يتجاوز -التفكير الفلسفي- ضرورة التفسير والتحليل إلى ضرورة التحول والتغيير.
لماذا يصبح التفكير الفلسفي ضروريا لتشكيل الوعي النقدي؟ لأن التفكير الفلسفي يسبح في مساحات الحرية، متحرراً من قيود المألوف والسائد... محطماً قيود التأوضحيد الراسخة. وهذا الخروج والانطلاق العقلي، في حد ذاته، تحرر من عقيدة اللحظة الفكرية الساكنة.. وهو في الوقت نفسه تمرد على ركود اللحظة الحضارية.. ضد كمال الحقيقة.. ويقينيات التاريخ وحتميته. ولأن التفكير الفلسفي هو بالضرورة تفكير إبداعي.. فهو يسعى إلى النظر إلى الوجود والتغيرات من زوايا متعددة.. يقلبها من كل الزوايا والاحتمالات.. أي أنه يأخذ كل حدث وكل تغير في نسبيته، وليس مطلقته. وهو بالضرورة أيضًا تفكير سببي، وليس تفكيرًا بالتمني؛ أي أنه يبحث عن جذور الأشياء وانبثاقاتها الأولية... فهو الأساس الأول للبحث العلمي، وهذا أحد أسس العقل النقدي. ولأن التفكير الفلسفي تحليلي.. يلاحظ ثم يحلل.. ثم يستنتج، فهو بلا شك تفكير عقلاني، والعقلانية والمأسسة من خصائص التفكير النقدي. وفي نهاية المطاف، فهو ينفتح على مجمل تراكم المعرفة والفكر الإنساني، ويبني عليه استنتاجاته وتصوراته؛ ولذلك فهي بالضرورة تعددية.. تقبل الآخر.. وتختلف معه، ولكنها تدخل في حوار رفيع المستوى. كيف تصبح التفلسف ممكنة؟... كيف تصبح الفلسفة ضرورة تربوية وفكرية مرة أخرى... فعالة ومؤثرة في حياتنا اليومية؟ يقول البعض إن ضرورة الفلسفة انتهت في عصر ثورة المعلومات التي نعيشها حاليا.. أي في عصر انتصار العلم، وبالتالي أصبحت الفلسفة بحركاتها القديمة وفي مشهد طروحاتها الكبرى بالية.. إذ بلغت غاياتها التاريخية، ولم يعد العلم بحاجة إلى مقدمات فلسفية جديدة، ولا الحياة تحتاج إلى فلسفة جديدة، ولا تستطيع أن تتحمل ترف التأمل العقلي في الواضح والموجود والمتغير، كما العلم والعلم لقد حل الإنتاج محل الفلسفة وألغى تلك الوسطية بين الدين والعلم!... فهل هذه النظرة القاتمة للفلسفة تصمد أمام الحاجة الملحة إلى التفلسف في عالمنا المعاصر؟ قد يثير هذا القول غبارا كثيفا في حقلنا الفكري العربي، ويبدو أنه يدحض فكرة حاجتنا الحالية إلى قيمة التفلسف والإبداع الفلسفي... لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألسنا حاليا في حالة عدم نضج فكري واضح؟... هل ما زالت هناك وصاية فكرية مزدوجة تمارس علينا؟... في رأيي أن الخروج من النضج الفكري التاريخي حضاريا، يبدأ بلا شك من مجاله الثقافي... الفكري باستئنافه. الخطاب الفلسفي من جديد وبإحياء محركات الإبداع الفلسفي التي اشتعلت وتجمدت منذ أن وضعت الفلسفة والانخراط فيها في دائرة الشك والهرطقة... وذلك لا يتم إلا باستعادة كامل التراث الفلسفي/النهضوي العربي في محطاته العقلانية التنويرية، وضرورة بحثه وفحصه واستيعابه بدقة، ومن ثم تجاوزه إلى الأفق الفكري المتجدد والمفتوح نحو المستقبل.
نشر لأول مرة على: www.okaz.com.sa
تاريخ النشر: 2026-07-24 00:16:00
الكاتب: أحمد بوقري
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.okaz.com.sa بتاريخ: 2026-07-24 00:16:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




