البيجر: يومَ ربحَ الموساد المعركةَ وخسرَ الحرب
انفجرت الأجهزةُ في الأيدي، فظنّوا أنّهم فجّروا الإرادة... لكنّ الإرادةَ لا تُصنَعُ في مصنعٍ لِتُفخَّخَ في مصنع.

🔴 البيجر: يومَ ربحَ الموساد المعركةَ وخسرَ الحرب
#انفجرت الأجهزةُ في الأيدي، فظنّوا أنّهم فجّروا الإرادة… لكنّ الإرادةَ لا تُصنَعُ في مصنعٍ لِتُفخَّخَ في مصنع.
#المقدمة
قبلَ عامين، في السابعَ عشرَ من أيلول، فجّرَ العدوُّ آلافَ أجهزةِ النداءِ في أيدي عناصرِ المقاومةِ وبينَ المدنيين، فسقطَ شهداءُ وجرحى بينَهم أطفال. راهنَ الموساد على أنّها الضربةُ القاضية، وأنّ الاختراقَ التقنيَّ الأعمقَ في تاريخِ الحربِ سيُسقِطُ التنظيمَ ويكسرُ روحَه. وبعدَ عامين، والحربُ لا تزالُ مشتعلة، يحقُّ لنا أن نُحاكمَ الرهانَ بميزانِ نتائجِه لا بضجيجِ إعلانِه: هل ربح؟
#أولاً: الهدفُ الفعليُّ من الضربة
لم يكن هدفُ البيجرِ قتلَ بضعِ مئات، بل شلَّ الجهازِ العصبيِّ للمقاومة: ضربُ منظومةِ القيادةِ والسيطرةِ والاتصال، وزرعُ الرعبِ في كلِّ جيبٍ ويد، لِيُقالَ إنّ المقاومةَ مخترَقةٌ حتى النخاع، فتنهارُ الثقةُ ثمّ تنهارُ الإرادة. كان الرهانَ على الضربةِ القاضيةِ المعنوية، لا على عددِ الضحايا.
#ثانياً: نصرُ الاستخبارات، هزيمةُ الحرب
فلنكن دقيقين: تكتيكياً، حقّقَ الموساد اختراقاً مذهلاً وصدمةً هائلةً وإرباكاً مؤقتاً في الاتصال. لكنّ الهدفَ الاستراتيجيَّ ، كسرُ الإرادةِ وإسقاطُ التنظيم ، فشلَ فشلاً ذريعاً. الدليلُ أنّ المقاومةَ بعدَ عامين لا تزالُ تُقاتل: مرتفعٌ واحدٌ استعصى على جيشِه فصولاً كاملةً باعترافِ صحفِه، وعملياتٌ تُنهكُ قواتِه في المواقعِ التي يحسبُها تحتَ سيطرتِه. من ربحَ معركةَ الاستخبارات، خسرَ حربَ الإرادة.
#ثالثاً: أينَ أخفقَ في الحسابات؟
في مغالطةٍ واحدةٍ قاتلة: ظنَّ أنّ التقنيةَ تكسرُ العقيدة، وأنّ الصدمةَ تُلغي الإيمان. اصطدمَ رهانُه بعقيدةٍ قتاليةٍ وجوديةٍ لامركزية: لا تعتمدُ على جهازٍ، ولا على قائدٍ بعينِه، ولا على عقدةٍ واحدة؛ إذا ضُربت تكيّفت، وإذا نُزفت تجدّدت. فحتى حين تبعت البيجرَ ضرباتُ القيادةِ الكبرى، لم يأتِ الانهيارُ الموعود، بل جاءت إعادةُ التنظيمِ واللامركزيةُ وانضباطُ الأمن. الموساد قرأَ الأسلاكَ ولم يقرأِ النفوس؛ اخترقَ الأجهزةَ وعجزَ عن اختراقِ الإرادة.
#رابعاً: ماذا ستحصدُ إسرائيلُ من فعلتِها؟
حصادُها مُرٌّ على المدى الأبعد. أولاً، علّمت خصمَها درساً قاسياً في الأمنِ واللامركزيةِ جعلَه اليومَ أصعبَ اختراقاً مما كان. ثانياً، عولمت سابقةَ تسليحِ سلاسلِ الإمداد — سلاحٌ يرتدُّ خطراً على الجميع، وإسرائيلُ نفسُها ليست بمنأى عنه. ثالثاً، عمّقت العزيمةَ والالتحامَ مع المحور بدلَ أن تكسرَهما. رابعاً، وهو الأهمُّ: حين فشلت «الضربةُ القاضية» عسكرياً في نزعِ سلاحِ المقاومة، اضطُرّت إسرائيلُ إلى الذريعةِ السياسية — نزعُ السلاحِ مقابلَ الانسحاب — مستميتةً مع سلطةٍ لبنانيةٍ تمدُّ لها يدَ العون. وهذا اعترافٌ صامتٌ بأنّ البيجرَ والحربَ عجزا عمّا يُراد إنجازُه الآنَ بالحبرِ والابتزاز.
#خامساً: الحسابُ المفتوحُ وحسابُ الردّ
البيجرُ حسابٌ لم يُغلَق. واللافتُ أنّ العدوَّ الذي يزعمُ النصرَ يعودُ اليومَ ليهدّدَ بضربةٍ مماثلةٍ وأقوى — ومن يُلوّحُ بثانيةٍ يعترفُ أنّ الأولى لم تُجدِه، ومن يُخوّفُ من الردِّ يشهدُ أنّه يخشاه. التهديدُ نفسُه فضيحةُ توجّسٍ: لو كان واثقاً من أنّه كسرَ الخصمَ، لما احتاجَ إلى تخويفِه من الردّ. ولذلك فالردُّ ليس مسألةَ قدرةٍ بل مسألةَ توقيتٍ وردعٍ: يُصانُ الحسابُ مؤجَّلاً يُستوفى في التوقيتِ الذي يختارُه صاحبُه، لا في التوقيتِ الذي يتمنّاه نتنياهو لِيَجرَّ الجميعَ إلى مواجهةٍ شاملةٍ تُنقِذُه من تعادلٍ يخنقُه انتخابياً. الحكمةُ أن يظلَّ الدَّينُ معلّقاً يُثقِلُ حساباتِ العدوّ، لا أن يُصرَفَ على هواه.
#خاتمة
الخلاصةُ بعدَ عامين: انفجرت الأجهزةُ، وبقيت الإرادة. ربحَ الموساد جولةَ الاستخبارات، وخسرَ حربَ النفوس؛ وما عجزَ عنه بالبيجرِ والحربِ يحاولُ انتزاعَه اليومَ بذريعةِ «الانسحاب مقابل السلاح». وهذا وحدَه دليلُ الفشلِ الأكبر: فالغالبُ لا يجلسُ إلى طاولةٍ يطلبُ فيها سلاحَ من أخضعَه؛ إنّما يجلسُ إليها العاجزُ عن إخضاعِه.
ولبيئةِ المقاومة:
هذه ذكرى جرحٍ، لكنّها ذكرى صمودٍ أعمق. لا يُستدرَجُ الوجعُ إلى ردٍّ متعجّلٍ يُهدي العدوَّ المواجهةَ التي يبحثُ عنها؛ يُصانُ الحسابُ مؤجَّلاً للردعِ في أوانِه، وتُحرَسُ الوحدةُ والحيطةُ سياجاً، وتُقرأُ لعبةُ «نزع السلاح» بعقلٍ لا برجفة. من فجّروا أجهزتَه ولم يكسروا عزمَه، لن يكسروه بتهديدٍ جديد؛ والحسابُ المفتوحُ أثقلُ على العدوِّ من انفجارٍ مضى. والعزيمةُ التي لم تنفجرْ يومَ انفجرَ كلُّ شيءٍ في الأيدي، هي النصرُ الذي لا تبلغُه مكيدة.
قولوا يا رب
د. وسيم جابر
Https://t.me/wakalanewsOfficial
Https://www..facebook.com/wakalanewspage




