
في رواية (أكثر بكثير) للفنان بسّام كوسا، تتنامى أسئلة صامتة؛ تقوم على ما أنا؟ ولما أنا؟
من أبطال الرواية (مبروك) إنسانٌ ينبثق من رغبة ويتجلى في هيئة بشرية تحمل صفات الحياة في عمق الموت المطبق، وسط ضجيج المأساة البشرية التي تتطبع بصفات التمازج الحضاري.
يغدو الفراغ في العمل؛ ميزة فلسفية ترتبط بالمساحة التي يُسمح فيها للفرد بممارسة حريته، واتخاذها شكلاً من أشكال التفرد، علماً بأن الفراغ هوّة يقع فيها الإنسان باحثاً عن الهوية والتجانس والتجاوب والاستجابة والرضا والقبول والتقبل، وفي ظل غياب التوازن المجتمعي، تظهر هوية الفرد بفطرية أكبر بكثير مما يقابلها من استقرار وهدوء حذِر.
تُبنى الشخصية الإنسانية بناءً موضوعياً، عندما تمنح حريتها بشكل سوي في ظل إطار قانوني جامع، لا تمييز فيها باسم السلطة والثروة والمحسوبية؛ إنما حرية حقيقية قائمة على المساواة والعدل والحق.
يخلق النص مرتقى نطل من فوقه كي نلتقط الحالة الجمعية، ونلحظ حراك الطبيعة الفردية، فأنت تقرأ مجتمعاً حبيساً داخل شخصية (مبروك) الذي يتقن النظر إلى داخله دوماً، ولديه قدرة كبيرة على تفنيد عيوبه واستقراء خواطره، إلا أنه يعاني من احتباس التعبير، يعاني خرساً ظاهرياً يحول بينه وبين القدرة على مكاشفة نفسه نظراً لما يعتريه من ترهلات أضفى عليها نوعاً من القدسية على داخله المكتظ باللغة الخارجة عن القانون والتي بالضرورة ربما تفضي إلى موته، برغم تصالحه مع الموت وإدراكه لمكنونه إلا أنه كان يعاني خوفاً مزمناً، جعل حياته عرضة للتبذير اللا واعي واللا مسؤول.
«مبروك» لم يقرأ ليفهم، قرأ لمجرد القراءة، ليجد لنفسه ميزة تقرّبه من الآخرين، وتجعل منه محط أنظار، ونجح بذلك عندما لفت نظر الجيران الذي أثار فضولهم وحسدهم في آن، ما دفع البعض إلى قمعه ومحاربته واتهامه بالشر، بينما هناك من ذهب إلى التأكيد على أن أكثر ما جعل «مبروك» مبروكاً، هوسه بالقراءة.
وتظل ثيمة الحب الصامت، متوارية في الداخل لا ظاهراً، الحب الذي يجعله نسخة ودودة بفطرة طيبة نقية تسعى للكمال الأخلاقي، إلا أن «مبروك» يفقد فرصه في الحب، والانتماء تباعاً ابتداءً من المرأة التي أحبّ؛ وهنا يفرض قانون التنحي دائما نفسه ليظهر مبروك خاسراً، يغرق في حالة عدم الجدوى، والاكتفاء المزمن الذي ترسّخ في أعماقه منذ مراحل الطفولة المبتورة، إذ عاش لأم تقبلته في رحمها لتشبع رغبة الأبوة العقيمة في والده (غير البيولوجي) وخرج إلى مسرح الحياة ليعيش مفارقات، رغم أنه بيئة صالحة للحب الذي كان ينتجه بكثرة ويصدّره بأفعاله البسيطة ويعطي من حوله وإن لم يحظَ يوماً بالمعاملة بالمثل ما تسبّب في تضاؤل أحلامه، ووضع حداً في أرضه ليغدو ملتزماً الحياد في فضاء صاخب مكتظ باللا معنى.
فيما شخصيات الرواية في حالة خدر وحذر محدق وانتظار لا متناهٍ ورغبات خافتة تحت رماد الطموحات؛ فأضاء الكاتب على اليأس المفرط الذي يحدثه التقدّم في العمر والنظرة المجتمعية العقيمة للقيم والتاريخ والمناداة بضرورة التماهي مع الحاضر وإن خسرنا معنى أن نكون موجودين. ويحضر الكاتب في عزلة محفوفة، بالخوف والتحفّز جراء الرقيب المصطنع الدائم الذي يتربص به من وراء كل شيء.
يأتي سقوط (مبروك) برمزيّته ليؤكد أن السقوط فقدان طمأنينة؛ واستدعاء حاجة ملحة إلى وطن يتسع لأفراده المبروكين، ويمنحهم فرصة التمتع بامتيازاته، وما اهتزاز الكرسي وسقوطه إلا إشارة لفقدان ثقة وعجز عن التفكير في الغد كون أبسط الحقائق والحقوق تغدو أمنيات لا يمكن تحقيقها ولا استحضارها جرّاء السقوط المتكرر.
النص ليس إلا استقراء لحالة طارئة نستطيع تعميمها بشكل كلي على مجتمع يعاني؛ هو نص السهل الممتنع، لغته السليمة البليغة، ومفرداته مفردات يوميات البسطاء المسكونة دواخلهم بالأسئلة الوجودية والأفكار الصامتة، التي يعج بها الخوف والتوتر ويقذف بها التيار إلى العزلة اللامتناهية، ويغدو الصمت أبلغ والمأساة أكثر بكثير مما يُحكى.
في رواية (أكثر من ذلك بكثير) للفنان بسام كوسا، تطرح أسئلة صامتة؛ على أساس من أنا؟ ولماذا أنا؟
أحد أبطال الرواية (مبروك) إنسان يخرج من الرغبة ويتجلى في شكل إنساني يحمل صفات الحياة في أعماق الموت الخانق، وسط ضجيج المأساة الإنسانية التي تتشكل بخصائص التمازج الثقافي.
ويصبح الفراغ في العمل سمة فلسفية تتعلق بالمساحة المتاحة للفرد لممارسة حريته، متخذا منها شكلا من أشكال الفردية، مع العلم أن الفراغ هوة يسقط فيها الإنسان، باحثا عن الهوية والتجانس والاستجابة والقبول والتقبل. وفي غياب التوازن المجتمعي، تظهر هوية الفرد بغريزية أكبر بكثير من الاستقرار والهدوء الحذر الذي يقابلها.
إن شخصية الإنسان تبنى موضوعياً عندما تُمنح حريته بطريقة سليمة ضمن إطار قانوني شامل، دون تمييز باسم السلطة أو الثروة أو المحسوبية؛ بل هي الحرية الحقيقية المبنية على المساواة والعدالة والحقوق.
يخلق النص وجهة نظر يمكننا من خلالها التقاط الحالة الجماعية ومراقبة حركة الطبيعة الفردية. تقرأ مجتمعًا محاصرًا داخل شخصية (مبروك)، الذي يتقن دائمًا النظر إلى داخله، ولديه قدرة كبيرة على تشريح عيوبه والتأمل في أفكاره. لكنه يعاني من انسداد في التعبير، ويعاني من صمت ظاهر يمنعه من مواجهة نفسه بسبب الترهل الذي أضفى نوعا من القداسة على نفسه الداخلية المزدحمة بلغة خارجة عن القانون والتي قد تؤدي بالضرورة إلى وفاته. ورغم تصالحه مع الموت وفهم جوهره، إلا أنه يعاني من خوف مزمن، مما يجعل حياته عرضة للضياع اللاواعي وغير المسؤول.
«مبروك» لم يقرأ ليفهم؛ يقرأ ليقرأ فقط، ليجد صفة تقربه من الآخرين وتجعله مركز الاهتمام. ونجح في ذلك عندما لفت انتباه الجيران، وأثار فضولهم وحسدهم في الوقت نفسه، مما دفع البعض إلى قمعه ومحاربته واتهامه بالشر، فيما أكد آخرون أن ما جعل «مبروك» مباركا هو هوسه بالقراءة.
يبقى موضوع الحب الصامت مخفيًا في الداخل، غير ظاهر؛ الحب الذي يجعله نسخة ودودة ذات طبيعة نقية طيبة تسعى إلى الكمال الأخلاقي. لكن «مبروك» يفقد فرصته في الحب والانتماء، بدءاً من المرأة التي أحبها؛ وهنا يفرض قانون الاستقالة نفسه دائماً، فيظهر مبروك خاسراً، غارقاً في حالة من العبث والاكتفاء المزمن الراسخة فيه منذ مراحل طفولته المنقطعة. عاش لأم قبلته في رحمها ليشبع رغبة الأبوة العقيمة لدى والده (غير البيولوجي) وخرج إلى مسرح الحياة ليعيش المفارقات، رغم أنه كان في بيئة مناسبة للحب، الذي أنتجه بغزارة وصدره بأفعاله البسيطة، معطاء لمن حوله حتى ولو لم يعامله أحد، مما أدى إلى تضاءل أحلامه ووضع حد في أرضه، مما جعله ملتزما بالحياد في فضاء صاخب مكتظ بالناس. لا معنى له.
في هذه الأثناء، تعيش شخصيات الرواية حالة من الخدر والحذر اليقظ، والانتظار الذي لا نهاية له، مع رغبات مكبوتة تحت رماد الطموحات. ويسلط الكاتب الضوء على اليأس المفرط الذي تسببه الشيخوخة والنظرة المجتمعية العقيمة للقيم والتاريخ، داعيا إلى ضرورة الاندماج مع الحاضر حتى لو فقدنا معنى الوجود. يظهر الكاتب في عزلة محاطة، يملؤها الخوف والاستعداد بسبب التدقيق المصطنع المستمر الذي يكمن وراء كل شيء.
ويأتي سقوط (مبروك) رمزياً ليؤكد أن السقوط هو فقدان الطمأنينة؛ إنها تستدعي الحاجة الماسة إلى وطن يتسع لأبناءه المباركين ويمنحهم فرصة التمتع بامتيازاته. إن اهتزاز الكرسي وسقوطه ما هو إلا علامة على فقدان الثقة وعدم القدرة على التفكير في الغد، حيث تصبح أبسط الحقائق والحقوق أمنيات لا يمكن تحقيقها أو استحضارها بسبب السقوط المتكرر.
النص ليس سوى استكشاف لحالة الطوارئ التي يمكننا تعميمها بالكامل على مجتمع يعاني؛ إنه نص السهل والمراوغ، بلغته الفصيحة والصحيحة، وتعكس مفرداته الحياة اليومية للبسطاء، المليئة بالأسئلة الوجودية والأفكار الصامتة، التي يعج بها الخوف والتوتر، وتلقي بهم في عزلة لا نهاية لها، مما يجعل الصمت أكثر بلاغة والمأساة أكبر بكثير مما يروى.
نشر لأول مرة على: www.okaz.com.sa
تاريخ النشر: 2026-10-23 00:17:00
الكاتب: نادين الشاعر – السويد
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.okaz.com.sa
بتاريخ: 2026-10-23 00:17:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





