عاجل عاجل | فيفا يفرض عقوبات على المكسيك على خلفية الهتافات المعادية للمثليين
عين على العدو

“إسرائيل” وقلق التفاهم الأميركي مع إيران: بين الهرم المقلوب وتآكل السحر

خشية إسرائيلية متصاعدة من تفاهم أميركي ـ إيراني يعيد ترتيب أولويات المنطقة بعيداً عن منطق الحرب والحسم العسكري، ويؤجل ملفات تعتبرها "تل أبيب" جوهرية، وفي مقدمتها النووي الإيراني والصواريخ وحركات المقاومة.

يمكن فهم الصراخ الإسرائيلي من التفاهم الأميركي – الإيراني الجاري الحديث عنه، والذي يُفترض أن يشكّل إطاراً أولياً لمفاوضات أكثر تفصيلاً، من خلال ثلاثة سياقات مترابطة تُفسّر حجم الخيبة والارتباك اللذين ظهرا في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيليين، عقب الأنباء عن اقتراب التوصّل إلى تفاهم يخفّف منسوب التوتر العسكري في المنطقة.

لكن قبل عرض هذه السياقات، لا بد من التذكير بأن المقاربة الإسرائيلية الحالية تنطلق من افتراضات مختلفة عمّا يجري تداوله أميركياً، إذ إن “إسرائيل” لم تُخفِ يوماً رغبتها في استئناف الحرب مع إيران، وهي عارضت أصلاً وقفها، كما تعاملت مع وقف إطلاق النار في لبنان بوصفه تنازلاً فرضته اعتبارات الإدارة الأميركية أكثر مما عكس رغباتها الاستراتيجية.

وتستند هذه المقاربة إلى تحوّل في التفكير الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، حيث باتت المؤسستين السياسية والأمنية- العسكرية تتحدّث عن الانتقال ممّا تسميه سياسة “الاحتواء” إلى منطق الحسم العسكري، بما يعني تحويل الحرب من أداة ضمن أدوات السياسة إلى “بارديغم” تفكير مرجعي، ومحدِّد رئيس في إدارة ملفاتها وأزماتها. ومن هذا المنطلق، يُنظر داخل “إسرائيل” إلى أي تفاهم يؤدي إلى تهدئة طويلة أو إعادة فتح المسارات التفاوضية بوصفه تعطيلاً لمسار الضغط الذي كانت تراهن عليه لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية فقط عبر منطق القوة العسكرية.

“الهرم المقلوب”

يتمثل مصدر القلق الإسرائيلي الأول في ما تعتبره “تل أبيب” انقلاباً في ترتيب الأولويات داخل المقاربة الأميركية. فالإدارة الأميركية، بحسب القراءة الإسرائيلية، تسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي سريع يخفف اضطراب أسواق الطاقة ويمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، وهو ما يمنح الرئيس ترامب مكسباً داخلياً قبل أي حسابات أخرى. إلا أن هذا المنطق يقلب، من وجهة النظر الإسرائيلية، سلم الأوليات رأساً على عقب، إذ تبدأ التفاهمات بوقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز وتقديم تسهيلات اقتصادية لإيران، بينما يُؤجَّل النقاش في جوهر الأزمة إلى مرحلة لاحقة.

وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن المقترح المدعوم أميركياً يتضمن “تمديد” وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، وتخفيف القيود الاقتصادية على طهران، وتهدئة الساحة اللبنانية، على أن تُستأنف لاحقاً المفاوضات حول البرنامج النووي من النقطة التي توقّفت عندها. وهنا تحديداً يظهر الاعتراض الإسرائيلي، إذ ترى “تل أبيب” أن الملف النووي يتحوّل من شرط مسبق إلى بند تفاوضي مؤجّل، فيما تبدو ملفات الصواريخ الباليستية ودعم حركات المقاومة خارج جدول الأعمال الأميركي المباشر. ولذلك يُنظر إلى هذه المقاربة داخل “إسرائيل” باعتبارها “هرماً مقلوباً” يُعالج ويؤجل التعامل مع الأسباب.

“تآكل سحر نتنياهو”

لفترة طويلة، رُوّج داخل “إسرائيل” وخارجها لفكرة وجود علاقة استثنائية بين نتنياهو وترامب، قوامها قدرة الأول على التأثير في قرارات الثاني عبر ما وُصف أحياناً بـ”الكيمياء الشخصية” أو “السحر السياسي”.

واستند هذا التصور إلى سلسلة من التقاطعات السياسية وإلى صورة نتنياهو بوصفه زعيماً قادراً على مخاطبة عقل ترامب القائم على الصفقات وتحقيق الإنجازات السريعة، حتى بدا في بعض المراحل وكأنه يمتلك قدرة خاصة على توجيه القرار الأميركي أو الحد الأدنى التأثير فيه.

غير أن مسار التفاهمات الحالية المتبلورة مع إيران أعاد فتح التساؤلات حول حدود هذا السحر. ومعرف أن نتنياهو يدفع باستمرار نحو إبقاء خيار الحرب الشاملة والضغط الأقصى قائماً على أساس أن مزيداً من الاستنزاف سيقود إلى “إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه”. إلا أن المؤشرات الأخيرة أوحت بعكس ذلك، من الحديث عن توتر في التواصل بين الطرفَين، إلى تقليص الدور الإسرائيلي في المفاوضات، وصولاً إلى رسائل أميركية تفيد بأن القرار النهائي يُصاغ وفق الحسابات الأميركية لا الإسرائيلية. وهكذا تحوّل ما كان يُقدَّم بوصفه نفوذاً شخصياً إلى اختبار عملي كشف حدود القدرة الإسرائيلية على توجيه خيارات واشنطن.

“العبد والسيّد”

ثمة ملامح جدل إسرائيلي لا يتعلق بمضمون التفاهمات فحسب، بل بمكانة “إسرائيل” نفسها داخل عملية صنع القرار. فمع تصاعد الحديث عن اتفاق قد يُبقي على النظام الإيراني ويؤجل الحسم العسكري، بدأت تظهر انتقادات داخلية تعتبر أن الحكومة الإسرائيلية فقدت القدرة على فرض أولوياتها، وأن القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والتهدئة وإدارة الجبهات باتت تُتخذ خارج “إسرائيل”.

وفي هذا السياق، عبّر وزير الحرب الأسبق أفيغدور ليبرمان عن هذا الاتجاه بأوضح صيغه، حين اتهم نتنياهو بالتنازل عن هامش القرار الإسرائيلي وربط خيارات “الدولة” بالكامل بالإرادة الأميركية. وبحسب ليبرمان، لم تعد “إسرائيل” شريكاً يفرض شروطه، بل طرفاً ينتظر تحديد الإيقاع من واشنطن ثم يتكيّف معه. وبلغت الانتقادات حدّ القول إن نتنياهو نقل “إسرائيل” من موقع “الدولة” التي تتباهى باستقلالها الاستراتيجي إلى موقع أقرب إلى “جمهورية موز” تدير أزماتها وفق السقف الأميركي. وبينما قد تبدو هذه اللغة جزءاً من السجال السياسي الداخلي، فإنها تكشف في العمق عن قلق إسرائيلي متزايد من أن تكون لحظة التفاهم المرتقبة مع إيران قد كشفت حدود القوة الإسرائيلية وحدود نفوذ نتنياهو معاً.

الكاتب: هاني فحص

25 ايار 2026

المصدر: قسم الشؤون الاسرائيلية في الميادين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى