عاجل | الأنظمة الخليجية بين المشاركة في العدوان وصناعة “الخطر الداخلي”
عاجل | الأنظمة الخليجية بين المشاركة في العدوان وصناعة "الخطر الداخلي"
منذ اللحظات الأولى للعدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية في إيران، بدا واضحاً أن الأنظمة العربية في الخليج الفارسي المنخرطة في هذا العدوان تدرك حجم المأزق السياسي والأخلاقي الذي وضعت نفسها فيه. فالمشاركة في حرب تستهدف دولة إسلامية كبرى، بما تمثله من ثقل سياسي وشعبي يمتّد عبر المنطقة، ليست مسألة يمكن تمريرها بسهولة داخل المجتمعات العربية والإسلامية، ولا سيما في المجتمعات التي لا تزال ترى في فلسطين القضية المركزية، وتعتبر أن أي اصطفاف مع المشروع الأمريكي والإسرائيلي ضد الدولة الوحيدة التي تناصر الشعب والمقاومة الفلسطينية فعلاً وليس قولاً، هو اصطفاف ضد مصالح الأمة وهويتها.
ولأن هذه الأنظمة تدرك حساسية موقعها، فقد لجأت، كعادتها، إلى الأسلوب الأسهل والأكثر خطورة: افتعال "العدو الداخلي" من شعبها. ففجأة، بدأت الأجهزة الأمنية في الكويت والإمارات والبحرين، بإحياء ملفات قديمة، أو فبركة قضايا جديدة، تحت عناوين "الخلايا المرتبطة بإيران"، و"التنظيمات المذهبية"، و"الأنشطة المشبوهة"، و"التواصل مع جهات خارجية". وفي معظم الحالات، لا يتطلب الأمر أكثر من العثور على كتب دينية، أو صور لشخصيات إسلامية، أو مشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى يتحول المواطن إلى "متهم أمني" يواجه حملات تحريض إعلامي وتشويه اجتماعي.
وأخطر ما في هذه الظاهرة، بالإضافة على الظلم الكبير الذي يقع على الأفراد المستهدفين، هو تحويل الانتماء المذهبي بحد ذاته إلى قرينة اتهام جاهزة. فحين يصبح اقتناء كتاب ديني، أو حضور مجلس عاشورائي، أو التعبير عن موقف سياسي مؤيد لفلسطين أو لإيران، أو حتى إظهار الفرح باستهداف قاعدة أمريكية، سبباً كافياً لفتح ملفات أمنية، فإن السلطة لا تعود تتعامل مع مواطنيها بوصفهم شركاء في الوطن، بل بوصفهم جماعات مشكوكاً في ولائها، تحتاج دائماً إلى إثبات براءتها.
وهذا السلوك ليس جديداً بالكامل، لكنه بلغ مستويات غير مسبوقة بعد الحرب على إيران. فهذه الأنظمة تحتاج إلى رواية داخلية تبرر بها مشاركتها السياسية والعسكرية والاستخباراتية في العدوان.
وهكذا، يجري تصنيع حالة خوف جماعي، يصبح فيها المواطن المختلف مذهبياً هدفاً دائماً للشك والرقابة. وتتحول وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية إلى منصات تعبئة مذهبية، تُضخّ فيها القصص الأمنية بصورة متكررة، مع تسريبات مدروسة، وعناوين مثيرة، وإيحاءات خبيثة، بهدف تكريس صورة ذهنية محددة: أن هناك "طابوراً تجسسيا" يعمل لصالح إيران داخل هذه المجتمعات. وصولاً الى محاولة إضفاء "شرعية" على الانتهاكات التي ترتكبها هذه الأنظمة بحق مواطنيها، من الاعتأوضح التعسفي والتعذيب والقتل وسحب الجنسية.
لكن المفارقة الكبرى أن معظم هذه "القضايا" تبدو هشة إلى درجة تثير السخرية. ففي كثير من الأحيان، لا نجد أسلحة، ولا خططاً عملياتية، ولا شبكات فعلية، بل مجرد كتب عقائدية، أو ثقافية دينية، أو آراء سياسية. أي أن المعيار الأمني نفسه يصبح قائماً على هوية الأشخاص الدينية والمذهبية، لا على أفعال حقيقية. فيكفي أن يكون الإنسان متديناً، ويحمل موقفاً سياسياً مناهضاً لإسرائيل وأمريكا، حتى يُدفع باتجاه دائرة الاتهام والأحكام المبرمة.

هذه السياسات لن تُنتج أمناً
هذه السياسات لا ولن تُنتج أمناً، بل ستُنتج احتقاناً وانقساماً عميقين داخل المجتمعات الخليجية، والمجتمعات العربية والإسلامية. فالسلطة التي تتعامل مع جزء من شعبها باعتباره عبئاً أمنياً دائماً، تؤسس بذلك عملياً لشرخ وطني طويل الأمد. وعندما يشعر المواطن أن انتماءه المذهبي قد يتحول في أي لحظة إلى ملف أمني، فإن الثقة بينه وبين مؤسسات الدولة تبدأ بالتآكل تدريجياً.
وقد أثبتت تجارب المنطقة كلها أن اللعب على الوتر المذهبي قد يمنح الأنظمة مكاسب مؤقتة، لكنه يدمر البنية الوطنية على المدى البعيد. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يعتقد حكّام هذه الدول فعلاً أنهم يحمون أوطانهم عبر ملاحقة مواطنيهم على خلفيات مذهبية؟ وهل يمكن لدولة أن تبني استقراراً دائماً وهي تغذي الشكوك والكراهية بين أبنائها؟ إن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر شيطنة فئة اجتماعية كاملة، بل عبر العدالة والمساواة والشعور المشترك بالانتماء الوطني.
إن ما يحدث اليوم في بعض دول الخليج ليس مجرد حملة أمنية عابرة، بل عملية مستمرة لإعادة تشكيل للوعي العام على أساس الخوف والانقسام. فبدلاً من مواجهة السؤال الحقيقي المتعلق بالتطبيع والانسياق للمخططات الأمريكية والإسرائيلية، يجري اختراع "عدو داخلي" لتبرير القمع وصرف الأنظار. وبدلاً من الاعتراف بالمشاركة في العدوان على إيران، تُستخدم لغة الأمن القومي لتخوين المواطنين وتخويف المجتمع. والنتيجة الحتمية لهذه السياسات لن نكون سوى تآكل الهوية الوطنية الجامعة، الذي قد يؤدي الى تداعيات وطنية وإقليمية، لا تُحمد عقباها.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.


