ٍَالرئيسيةمقالات

إيران تشعر بأنها محصّنة، لكنها ارتكبت خطأً كبيراً في مواجهة إسرائيل

إيران تشعر بأنها محصّنة، لكنها ارتكبت خطأً كبيراً في مواجهة إسرائيل
تاريخ المقال
25 أبريل 2024
الشؤون الاستراتيجية والعسكرية
المصدر
قناة N12
المؤلف
تامير هايمن
ما الذي جرى لنا في السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟

قامت “حماس” بشنّ هجومها المفاجئ في الجنوب في عيد “سمحات هتوراة”، وارتكبت “مجزرة جماعية”، ووجد مقاتلو الحركة أمامهم فرقة أمنية روتينية لم تكن مستعدة لمثل هذا السيناريو. وعلى الرغم من أن ما حدث لم تنفّذه فرقة كوماندوس إيرانية بصورة مباشرة، فإن العقيدة الهجومية والتسليح كانا إيرانيَين، كما أن المعلومات الاستخباراتية المتوفرة زوّدها بها حزب الله، بالتنسيق مع إيران، وبإيحاء منها.
إن الدعم الذي قدمته طهران قادر على تفسير ثقة “حماس” بنفسها. لقد أمر السنوار بتنفيذ الهجوم، مفترضاً أنه لا يقوم سوى بتوجيه الضربة الافتتاحية، في حين أن إيران والدائرين في فلكها هم الذين سيوجّهون الضربة الساحقة. لقد كان السنوار مخطئاً، لحسن الحظ، إيران ومَن معها يشاركون في الحملة، لكن من دون أن يجتازوا عتبة الحرب، من خلال حزب الله، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن.
1. تآكل الردع، والثقة المبالغ فيها بالنفس لدى محور المقاومة

هذا السلوك غير المتوقع فاجأ الاستخبارات الإسرائيلية مرتين (الأولى، في 7 تشرين الأول/أكتوبر، طبعاً، والمرة الثانية في 13 نيسان/أبريل، عندما قللت إسرائيل من أهمية إمكان الرد الإيراني على تصفية مهدوي)، وهذا يقودنا إلى استنتاج، مفاده أننا لا نفهم سلوك إيران وجبهة المقاومة. فمن أين تأتي ثقتهما بالنفس؟ وكيف تآكل الردع الإسرائيلي؟
إيران دولة على عتبة امتلاك السلاح النووي، نجت من الضغوط القصوى التي مارستها أميركا عليها: فتراجُع الأخيرة عن الاتفاق النووي أوصل إيران إلى عتبة التسلح النووي. والواقع اليوم، هو أن إيران تفهم بصورة ممتازة جداً أن العالم بأسره عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، يعترفان بحقها في تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 60%، وما دامت لم تقُم بتخصيبه إلى المستوى العسكري 90%، فالوضع على ما يرام. لقد تمكنت إيران من تحقيق هدفها الاستراتيجي: على ما يبدو، لقد خططت للوصول إلى الحالة الراهنة، وعدم شقّ الطريق بأكملها نحو القنبلة النووية، ومثل هذه المكانة توفّر لإيران ثقة كبيرة بالنفس، وتتيح لها أن تكون أكثر جرأةً، حتى على مستوى الهجوم بالأسلحة التقليدية.
إن ردّ دول الغرب على خروق الاتفاق النووي (نعم، هذا الاتفاق لا يزال قائماً رسمياً) كان كناية عن معركة اقتصادية وسرية. وانهارت هذه المعركة بصورة تامة قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين باعت إيران النفط بنسبة تصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً. هذه الكمية توازي حجم التصدير الإيراني للنفط في فترة إعفاء إيران من العقوبات الاقتصادية في وقت كان الاتفاق النووي في أفضل حالاته. بمعنى أن إيران لم تعد أيضاً ملزمة بالمعاهدة، كما أنها لا تدفع ثمن ذلك. وكما هو معروف، فإن سبب رفض الحكومة الإسرائيلية العودة إلى الاتفاق النووي، أن رفع العقوبات سيؤدي إلى انتعاش الاقتصاد الإيراني، بحيث يتم توجيه المال إلى بناء قدرات عسكرية و”إرهابية”. وفعلاً، هذا ما حدث أيضاً من دون الاتفاق. لقد أدى الأمر إلى بناء القدرات “الإرهابية” لدى كلٍّ من حزب الله و”حماس”. وفي نهاية المطاف، هكذا وجدت إسرائيل نفسها مكشوفة من جميع الجهات. إنه إخفاق تام!
2. نجاح برنامج مراكمة القوة المتعدد السنوات لدى الميليشيات الشيعية:

حزب الله: منذ نهاية حرب لبنان الثانية، قررت إيران إعادة ترميم القدرات العسكرية للتنظيم المرابط على حدودنا الشمالية، وخصصت الموارد لذلك. وتم نشر البرنامج على عدة سنوات. وعلى الرغم من الضغط الاقتصادي، فإن إيران نجحت في استكمال مخططها. تعتبر إيران أن حزب الله تمكّن من امتلاك القدرات المطلوبة لمحاربة إسرائيل، كمّاً ونوعاً.
سورية والعراق: نجحت الميليشيات الشيعية، بقيادة الجنرال قاسم سليماني في تحقيق النصر العسكري في الحرب ضد “داعش”. وفي إطار كون هذه الميليشيات عناصر غير رسمية من القوات التي قاتلت “داعش”، نجح كلٌّ من إيران واليمن في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحوثيين من جهة، والسعودية والإمارات من جهة أُخرى في سنة 2020. إن الحوثيين الذين حافظوا على سيطرتهم في أهم مناطق اليمن، استغلوا الهدوء للعودة إلى بناء قدراتهم العسكرية وتقويتها بمساعدة من إيران، التي قامت بتسليح المتمردين الحوثيين لمحاربة إسرائيل (صواريخ ومسيّرات طويلة المدى، وصواريخ أرض – بحر قادرة على ضرب مسارات الملاحة في مضيق باب المندب).
في غزة: استغلت إيران فترة الهدوء الناجمة عن التهدئة بين إسرائيل و”حماس” من أجل بناء قوة “حماس”. وعلى مدار فترة بلغت عامين ونصف العام، والتي تلت حملة “حارس الأسوار”، نجحت إيران في بناء قدرات هائلة في غزة، شهدنا على قوتها، للأسف، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
كما نجحت إيران في بناء شبكة من الميليشيات الشيعية في جميع أرجاء الشرق الأوسط، وهي الميليشيات نفسها التي تحارب إسرائيل اليوم.
خلاصة القول، إن إيران نجحت في بناء حلقة من الميليشيات التي تحاصر إسرائيل لتركيعها، وفق تصوّرها. إن استكمال بناء هذه الحلقة النارية يوفر لإيران ثقة بقدرتها على مواجهة إسرائيل.
3. السيطرة العملية على جميع الدول المحيطة بإيران: سعت إيران لاستنساخ النموذج اللبناني في دول شرق أوسطية أُخرى، تتمثل الفكرة في السيطرة على الدول من وراء الكواليس، من خلال بناء قوة عسكرية تهدد الحكومة وتسيطر عليها. لقد تكرر هذا النموذج في سورية والعراق. أمّا في اليمن، فإن الوضع أكثر تعقيداً، لكن حتى هناك، يتم الحفاظ على التنسيق مع إيران.

  1. بناء جبهة المقاومة ودور نصر الله: أدى اغتيال قاسم سليماني إلى فراغ قيادي في رأس “فيلق القدس”. وخليفة سليماني، إسماعيل قاآني، الرجل الضعيف وغير البارز، أضعف مكانة الفيلق الذي يسيطر، عملياً، على شبكة المقاتلين الإيرانية بأسرها: شبكة الميليشيات الشيعية. هذا الفراغ القيادي يملأه اليوم حسن نصر الله. إذ تحول الرجل إلى الشخصية الأكثر قوةً في “فيلق القدس”، والمستشار الأقرب إلى زعماء إيران. إن أمين عام حزب الله، بعكس سليماني، يعرف “منظمات المقاومة الفلسطينية” بصورة جيدة. وهذه المعرفة تتيح له ربط تنظيم “حماس” السّني بمحور المقاومة الشيعي: وهو يدرك مدى قدرة الحركة على إلحاق الأذى بإسرائيل. يشارك حزب الله حركة “حماس” في المعلومات الاستخباراتية والعقيدة القتالية، وهو يقوم، عملياً، باستنساخ فكرة الاجتياح الواسع لأراضي إسرائيل.

  2. تحوُّل إيران إلى جزء من الكتلة التي تشكل النظام العالمي الجديد: يشهد العالم منافسة بين الغرب (الذي يقوم على القوانين)، والشرق (الذي يتحدى هذه القوانين). تحتل إيران في هذه المنافسة مكانة عالية: فهي تقوم ببيع الوسائل القتالية لروسيا، والنفط للصين. كما أن إيران، بصفتها قوة آسيوية عظمى، تملك أهمية جيوسياسية بالنسبة إلى الصين وروسيا. هذا يعني أن إدراك إيران أنها عضو في المحور العالمي الجديد الناشئ، مقارنةً بالمحور الغربي “المنحط والمحتضر والآيل إلى الزوال” (في نظر الإيرانيين)، يولّد لديها شعوراً بالنصر وتحقيق الإنجازات.

أخطاء إيران

ضُعف قيادة “فيلق القدس” لا يتيح للفيلق السيطرة الفعالة على الميليشيات. يحدث هذا عندما يقوم الحوثيون، على سبيل المثال، بإطلاق النار على السفن الصينية، وعلى الرغم من انعدام رغبة إيران في توريط الولايات المتحدة في الحرب، فإن الميليشيات في العراق تواصل مهاجمة القواعد الأميركية.
وبالعودة إلى ما سبق من أحداث، فمن المرجّح أن يستنتج المرشد الأعلى في إيران أن إطلاق النار على إسرائيل هذا الشهر كان خطأً: لقد ساهم الهجوم في تحسين “الشرعية العالمية لإسرائيل” للحظة قصيرة، لكن مصيرية، وبالذات في توقيت كانت شرعية إسرائيل تردّت إلى أسوأ مرحلة، وبالذات عندما كان اجتياح رفح على وشك الخروج من حيز التنفيذ بصورة تامة. في تلك اللحظة بالذات، وفّرت طهران للقدس الحق في تحويل ردّها الحاد، والمبرَّر ضدها، إلى ردّ رمزي يحفظ لها الشرعية الدولية للتحرك نحو رفح.
المخاطرة الكبرى لا تزال أمامنا، وهناك حاجة إلى التغيير

تعتبر إيران أن إسرائيل فقدت تفوّقها العسكري، وهذا تقدير خطِر. إن إيران تقوم بتفسير الأحداث الماضية، لكن يوجد سؤال متعلق بالمستقبل: هل استمرار الاحتكاك المباشر بين إسرائيل وإيران غيّر ميزان الردع؟
لا يمكن قياس الردع، الذي لا يقاس إلا بفشله. حين يقوم العدو بالهجوم، هذا يعني أن ردعك فاشل، وحين لا يهاجمك، قد تتوفر أسباب كثيرة لذلك غير نجاحك في ردعه. ومهما يكن من أمر، فمن المعقول الافتراض أن ما سيحدث في الأيام المقبلة سيقدم لنا الإجابة. فإذا امتنعت إسرائيل من مهاجمة قوات إيرانية في سورية، فسيكون من الممكن الافتراض أن القدس مردوعة. وإذا تحرّكنا في سورية، وامتنعت إيران من الرد، فربما يمكننا الافتراض أن طهران مردوعة، لكن، كما أسلفنا سابقاً، علينا التذكر بأن الامتناع من الرد ليس إثباتاً قاطعاً على توفّر الردع.
مشكلة إسرائيل الحقيقية مع إيران هي أننا لا نملك استراتيجيا تضمن تحسين التوازن الاستراتيجي في مواجهة الجمهورية الإسلامية. إن سياسة القدس تجاه طهران تشبه، حتى الآن، سياسة الولايات المتحدة: “لا معاهدة ولا حرب”. قد تكون هذه الاستراتيجيا جيدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، فهذا أسوأ ما يمكن حدوثه.
إن إيران، من دون معاهدة نووية، هي دولة رادعة على عتبة التسلح النووي، وهي قادرة، إذا ما قررت ذلك، على التوصل إلى القدرة النووية في غضون أشهر قليلة. فإيران من دون تهديد أميركي محقق، تشعر بأنها محصّنة ضد أي هجوم عسكري. والنتيجة هنا تتمثل في تأجيل انهيار النظام والثورة الاجتماعية في إيران. تتيح هذه المهلة الزمنية لإيران تعزيز سلطتها وسيطرتها على مواطنيها، وهي تعزز اقتصادها، وتثبت لشعب الجمهورية أن سياسة المرشد الأعلى ناجحة.
خلاصة القول إن الحرب لم تنتهِ بعد، ومن المحتمل أن يتطلب إنهاؤها حرباً مع حزب الله أيضاً، الأمر الذي سيقلب الموازين كلها. فإن لم يحدث ذلك، فلا بد من تغيير السياسة المعمول بها تجاه إيران. وينبغي لهذه السياسة أن تتناول الدروس الإيرانية المستفادة من الحرب، ومن المقبول الافتراض أن هذه الدروس ستشمل ثلاثة مكونات تُعتبر خطِرة بالنسبة إلى إسرائيل:
ستقوم إيران بتعميق حضورها كدولة على العتبة النووية، مع تعزيز قدرتها على التوصل إلى القنبلة النووية خلال جدول زمني قصير.
ستعزز طهران قدراتها التقليدية، سواء من ناحية تحسين دفاعاتها الجوية، أو قدرتها على الهجوم المباشر على إسرائيل.
ستعمل الجمهورية الإسلامية على تعزيز قدرات حزب الله، وتعيد ترميم قدرات المنظمات الفلسطينية.
سيتعين على إسرائيل تبنّي سياسات معاكسة للسياسات المعمول بها حالياً: إمّا التوصل إلى اتفاق نووي يعيد القدرات الإيرانية إلى الوراء، وإمّا هجوم يؤدي إلى القضاء على التهديد النووي الإيراني. إن الشرط الأساسي لمثل هذه الاستراتيجيا يتمثل في الدعم الأميركي القوي، والتحالف الإقليمي الفعال. لا يمكن لإسرائيل البقاء وحيدة في مواجهة مثل هذا التحدي. هناك حاجة إلى تصوّر أمني يرى في التحالف، والاتفاقيات الأمنية، وعقد التحالفات الدفاعية، مكونات أساسية من مكونات الأمن القومي الإسرائيلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى