تداعيات قضية الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة على أمريكا

شفقنا-فيما يُتهم بنيامين نتنياهو وقادة الجيش الصهيوني الآن بانتهاك العديد من الاتفاقيات، بما في ذلك الإبادة الجماعية المستهدفة والقتل الجماعي لأهالي غزة، والتطهير العرقي، والعقاب الجماعي، والجرائم ضد الإنسانية، وعدم توافق العمل العسكري مع أهداف الحرب؛ فإن عدم فصل الجنود عن المدنيين في هجمات الجيش الإسرائيلي تعد جريمة حرب في غزة، وهي الجرائم التي وقعت بدعم كامل وغير مشروط من الولايات المتحدة.

وبعد قرار المؤقت للمحكمة العدل الدولية، يتعين على أمريكا الآن أن تتخذ إجراءات أكثر جدية حتى يمكن تبرئتها من التواطؤ في الإبادة الجماعية التي تقوم بها اسرائيل. ونظرا لعزم جنوب أفريقيا رفع دعوى قضائية ضد الولايات المتحدة بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، فإن إهدار الوقت بسياسات غير شفافة من الولايات المتحدة لم يعد يجدي نفعا. وهنا لن تكون الجهود الأميركية المضللة لإجراء مناقشات ثانوية بين الحكومتين حول مستقبل غزة أو إطلاق سراح السجناء وقف إطلاق النار على المدى القصير مفيد بعد الآن. وبدلا من ذلك، فإن التوقف السريع للصراع والجرائم في غزة هو وحده القادر على إخراج أمريكا من هذا الوضع الذي صنعته بنفسها.

منذ أن قدمت جنوب أفريقيا قضية موثقة من 80 صفحة إلى محكمة العدل الدولية ادعت فيها أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، نفت إسرائيل مرارا وتكرارا هذه الاتهامات وادعت أن أفعالها في غزة هي دفاع عن نفسها، وكان من الواضح أن تشكل هذه الشكوى بشأن “جريمة الإبادة الجماعية” مشكلة كبيرة لإدارة بايدن.

خاصة وأن إسرائيل، باعتبارها حليفا وثيقا للغرب، تتلقى نحو 4 مليارات دولار مساعدات عسكرية وأمنية من الولايات المتحدة وحدها. رد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن كان رفض القضية باعتبارها لا قيمة لها، ولا أساس لها من الصحة. كما أكد البيت الأبيض أنه لم يقم بإجراء أي تقييم مشروع لسلوك إسرائيل في غزة أو سوء استخدام الأسلحة الأمريكية، وهو عذر أسوأ من الشعور بالذنب.

وكما كتبت “زها حسن”، المحامية في مجال حقوق الإنسان والخبيرة في مؤسسة كارنيغي، فإن المسؤولين الأميركيين لم يعبروا عن رأي سلبي أو إيجابي حول ما قامت به جنوب افريقيا في لاهاي، واكتفوا بالتصريح بأنهم لم يجروا بعد تقييما مفصلا لاستخدام إسرائيل الأسلحة الأمريكية في هذه الحرب. لكن إدارة بايدن لا يمكنها أن تتجاهل ما يحدث في غزة، لأن طائرات التجسس الأمريكية بدون طيار تحلق فوق غزة منذ بداية الحرب، ويعرف محللو الاستخبارات الأمريكية أن إسرائيل تستهدف “المدنيين والبنية التحتية المدنية” في غزة بالذخائر الأمريكية.

سمعة أميركا العالمية

ولذلك، ينبغي على بايدن أن يشعر بالقلق إزاء سمعة أميركا العالمية، التي ستتضرر بسبب استمرار مساعدات الأسلحة لإسرائيل. خاصة وأن التقارير العديدة لمراسلي الأمم المتحدة والأونروا واليونيسيف وبرنامج الغذاء العالمي وهيومن رايتس ووتش قد أكدت على جرائم إسرائيل. وبسبب قبول “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها”، يتعين على الولايات المتحدة التوقف عن تزويد هذه الحكومة بالسلاح إذا تمت إدانة إسرائيل في لاهاي. بالإضافة إلى ذلك، فإن قانون الكونغرس المعنون “منع الإبادة الجماعية” الذي تمت الموافقة عليه في يناير 2019 يلزم وزارة الخارجية الأمريكية بـ”مراقبة الأحداث العالمية وإعداد تقارير سنوية حول الإجراءات التي تتخذها لمنع الإبادة الجماعية”.

رغم أن إثبات الإبادة الجماعية في لاهاي قد يستغرق وقتا طويلا، إلا أن محكمة لاهاي الآن اعتبرت ممارسات إسرائيل في غزة إبادة جماعية محتملة، وبناء على ذلك، أصدرت إجراءات مؤقتة، بما في ذلك إرسال مساعدات إنسانية إلى غزة. لا يمكن للولايات المتحدة أن تقول إنها لم تقم بتقييم دقيق لممارسات إسرائيل. والآن، مع استمرار معارضة أمريكا لوقف إطلاق النار في مجلس الأمن، واستخدام حق النقض (الفيتو) ضد العديد من قرارات وقف إطلاق النار في غزة، والموافقة على إرسال المزيد من مساعدات الأسلحة إلى إسرائيل، فمن الممكن مقاضاة أمريكا في لاهاي بتهمة “المشاركة في ارتكاب الإبادة الجماعية” في حرب غزة.

وان السؤال المطروح هو هل مازالت إدارة بايدن لا تعلم ماذا يحدث داخل غزة؟ وذلك بالرغم من المعلومات الواردة من طائرات التجسس بدون طيار التي تحلق باستمرار فوق غزة، وكذلك بيانات محللي المخابرات الأمريكية من الصحفيين الذين فقدوا حياتهم، والفلسطينيين في غزة الذي يبثون الأحداث مباشرة عبر التيك توك والانستغرام والتلغرام. فالولايات المتحدة تعرف على وجه التحديد نوع الذخيرة التي أطلقتها إسرائيل على المدن المأهولة بالسكان في غزة ومخيمات اللاجئين، لأن الولايات المتحدة هي المورد الرئيس لإسرائيل، وتعرف نوع الضرر الذي تسببه هذه الذخائر في مثل هذه المناطق.

إن العديد من التقارير الصادرة عن المقررين الخاص للأمم المتحدة، واليونيسيف، وبرنامج الأغذية العالمي، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة إنقاذ الطفولة، والمجلس النرويجي للاجئين، وغيرها، تصف علنا آثار الحرب الإسرائيلية داخل غزة، تصرح بانها تدمر المدنيين والبنية التحتية بشكل واسع النطاق وان أغلبية القتلى هم من النساء والأطفال، والقصف عشوائي وغير متناسب مع التهديد، و85% من 2.3 مليون فلسطيني في غزة مهجرون قسرا، ويتضورون جوعا، ويحرمون من الماء والعلاج الطبي. وتصرح إن الفلسطينيين يُقتلون في منازلهم وملاجئهم، ويُقتلون عندما يحاولون الفرار، ويُقتلون فيما يسمى بالمناطق الآمنة التي حددتها إسرائيل، ما لم يتوقف القصف وتصل المساعدات الإنسانية الضخمة. بهذه الاستراتيجية والتكتيكات الخاطئة لنتنياهو قد يموت أكثر بكثير من هؤلاء الفلسطينيين البالغ عددهم 28 ألفا في الأيام والأسابيع المقبلة.

لكن هذه ليست مشكلة أمريكا برمتها، بل إن أمريكا متهمة بأنها تتعمد غض الطرف عن جرائم إسرائيل في غزة حتى تتمكن إسرائيل من إنشاء منطقة عازلة في شمال قطاع غزة عن طريق نقل الناس قسرا وتقليل عدد سكان غزة.

لكن حقائق ما حدث في غزة مختلفة عن تقييم أميركا، في حين أن التقييم ضروري للوصول إلى نتيجة قانونية تلزم أميركا بالعمل على تثبيت وقف إطلاق النار. باعتبارها طرفا في اتفاقية الإبادة الجماعية، يتعين على الولايات المتحدة “منع ومعاقبة” جريمة الإبادة الجماعية. وهذا الالتزام الأميركي أصبح الآن بلا معنى، لأن أميركا تعرف جيدا أنه مع شيك بايدن على بياض لنتنياهو، فهو متهم بارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك الإبادة الجماعية لحليفه، وتتجاهل نتيجة التقييم العادل لما ارتكبته إسرائيل في غزة وهذا على حساب أمريكا بشكل عام.

الإبادة الجماعية

بالطبع، صحيح ما قاله بايدن، إن منع الإبادة الجماعية هو “واجب أخلاقي وقضية وطنية وعالمية مهمة” ولهذا السبب، لدى البيت الأبيض استراتيجية لمنع الجريمة والرد عليها، ويلزم قانون إيلي ويزل لمنع الإبادة الجماعية والقمع وزارة الخارجية بمراقبة مثل هذه الأحداث في جميع أنحاء العالم وتقديم تقارير سنوية عن الإجراءات المتخذة لمنعها.

ويتطلب القانون تدريب موظفي الخدمة الخارجية على التعرف على علامات الإنذار المبكر لمثل هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان واتخاذ نهج شامل لمنع حدوث الإبادة الجماعية. لكن اللافت للنظر أن كل هذه الإجراءات والقوانين تم تجميدها في حرب إسرائيل على غزة، حيث تقوم إسرائيل بتدمير أهل غزة من أجل القضاء على حماس.

ربما تريد أمريكا تجنب التقييم للحفاظ على ثقتها بأن إسرائيل لا ترتكب أي انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في غزة! لكن قرار محكمة العدل الدولية الصادر يوم الجمعة الماضية، والذي لاقى ترحيبا من العديد من الدول، بما في ذلك خمسين دولة على الأقل، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي والعديد من الدول الأوروبية، سيضع ضغوطا كبيرة على إدارة بايدن. 

ورغم أن الفصل في طبيعة القضية يستغرق سنوات، فإن جنوب أفريقيا طلبت أمرا مؤقتا من تسع فقرات، أولها تعليق العمليات العسكرية في غزة وضدها، وهو ما لم توافق عليه المحكمة، إلا أن طلب إسرائيل للمحكمة كما تم رفض عدم اختصاص المحكمة، وتم التأكيد على ضرورة إصدار أمر مؤقت وقضت المحكمة بأنه يجب على إسرائيل الامتثال لالتزاماتها بموجب المواد العديدة من الاتفاقية وتوفير إمكانية الوصول إلى المساعدات الإنسانية وتقديم تقرير إلى المحكمة في غضون شهر واحد.

وبهذا التصويت تستعد جنوب أفريقيا لرفع دعوى قضائية ضد الولايات المتحدة بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم إبادة جماعية، كما أن الأفعال البسيطة مثل محاولة أمريكا خداع الرأي العام وتشجيع إسرائيل على اتخاذ إجراءات معينة للمساعدات الإنسانية لم تشكل سببا مقنعا في محكمة عدالة دولية.

ولكن ليس أمام أميركا من سبيل سوى إجراء تقييم جدي وواضح لتصرفات إسرائيل في غزة والتصرف وفقا لذلك. وترتبط الخلافات بين وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض جزئيا بتصرّفات إسرائيل في غزة، ويجب على إدارة بايدن أن تتبنى مقاربة إيجابية وبناءة هذه المرة، على الرغم من استخدامات الفيتو الأربعة السابقة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

إن استمرار الأسلوب السابق وتقاعس أمريكا سيغرق المنطقة في توترات أوسع، وينشر الصراع من غزة إلى اتجاهات أخرى، بما في ذلك العراق ولبنان واليمن، ويستمر في تعريض حياة الفلسطينيين للخطر، ويزيد خطر نشوب حرب إقليمية ويعرض السلام والاستقرار للخطر. وهذا يجعل أمريكا أكثر عرضة لاتهامها بالمشاركة في الإبادة الجماعية لأهالي غزة على يد إسرائيل، ويسهل الأمر على جنوب أفريقيا والدول الأخرى التي تتابع مثل هذا الملف.

المصدر: موقع جماران

————————

المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

النهاية

 

المصدر
الكاتب:Shafaqna1
الموقع : ar.shafaqna.com
نشر الخبر اول مرة بتاريخ : 2024-01-29 05:32:36
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

Exit mobile version