أنقرة – دمشق: دومينو “الترسيم” يسرّع “التفاهمات”

 

د. سمير صالحة -أساس ميديا

إلى أين تسير العلاقات بين أنقرة ودمشق؟

سؤال يبحث أكثر من لاعب محلّي وإقليمي عن إجابة له منذ سنوات. والأجوبة عليه قد تأخذنا إلى “الغاز” السوري، الذي تفتّحت على روائحه الشهوات السياسية، الإقليمية والدولية، خصوصاً بعد الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل، وتوجّه إدارة بايدن إلى “ركن” التيمّم بالسياسة، حين يختلط غاز المتوسّط بأمواجه.

في الشكل، تبدو الطاسة ضائعة بين الاستراتيجية والتكتيك في سوريا، ويختلط الحابل بالنابل في ملفّ ملتهب قَلَب حسابات اللاعبين المحلّيين والإقليميّين، وانتقلت البنادق أكثر من مرّة من كتف إلى أخرى لحماية المكتسبات ومواكبة المتغيّرات في موازين القوى ومتطلّبات المرحلة.

فقد لعب الصراع على الثروات الغازيّة في منطقة شرق المتوسّط الدور الأكبر في رسم وتشكيل خريطة تحالفات إقليمية جديدة سيكون لها تأثيرها في دفع أنقرة نحو تبنّي سياسة سوريّة مغايرة.

ستكون المواجهة بعد الآن من أجل الغاز السوري واستخراجه ونقله إلى الخارج، بعد خارطة ترسيم الحدود البحرية اللبنانية الإسرائيلية التي خرجت منها واشنطن وباريس وطهران أوّل الرابحين. ليس مستبعداً أن تتضمّن صفقة التفاهمات التركية السورية التي ترعاها موسكو دعم خطط استخراج ونقل الغاز السوري إلى الخارج عبر تركيا. لا يمكن فصل مسار ونتائج الحرب في أوكرانيا بعد الآن عن تموضع إقليمي جديد حول آبار الطاقة في شرق المتوسط.

شروط أميركا السياسية

تردِّد الخارجية الأميركية أنّها ستكون واضحة ضدّ دعم أيّ جهد باتجاه التطبيع مع بشار الأسد أو إعادة تأهيله، وأنّها لن ترفع العقوبات عن النظام، ولن تغيّر موقفها المعارض لإعادة إعمار سوريا، حتى يتمّ إحراز تقدّم حقيقي في الملفّ السياسي والمرحلة الانتقالية.

ما حدث في اتفاقية ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل يقول إنّ واشنطن جاهزة لتغيير رأيها عند بروز معادلات وفرص سياسية واستراتيجية أهمّ ممّا تعلنه. باتت المسألة منفتحة على نقاش الغاز السوري مقابل التطبيع مع دمشق. لكن مع من سيكون هذا التطبيع؟ مع تركيا أم مع إسرائيل؟ هل تفرض موسكو اتفاقية سياسية على دمشق مصحوبة بصفقة غازيّة مع تركيا ردّاً على اتفاقية ترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية التي تُسجَّل في خانة أميركا بدعم إيراني عبر وكلاء طهران في بيروت؟ أم تكون دمشق قادرة على مقاومة الضغوط الروسية وترجيح عرض إيراني على دمشق يشابه ما حقّقته طهران عبر حزب الله في لبنان، يحمل النظام في سوريا نحو حالة إقليمية جديدة تُرضي واشنطن وتقرّب أكثر بين طهران والغرب وتُجلس سوريا أمام منصّة غاز شرق المتوسّط السباعية؟

قد تدفع أنقرة وموسكو ثمن الاستخفاف بواشنطن وقدراتها الإقليمية على إحداث اختراقات في اللحظة الأخيرة كما فعلت أخيراً على خطّ بيروت – تل أبيب. تريد إدارة بايدن الاحتفاظ بالورقة الكردية في سوريا، وتريد أن تقول ما عندها عن الغاز السوريّ، ما دامت التفاهمات التركية الروسية لا تأخذ بما تقول ولا تراعي مصالحها هناك. وقد يكون الداعم من وراء الستار تل أبيب وطهران هذه المرّة لتكون “الثالثة ثابتة”.

عندما يُقال “الثالثة ثابتة” في المثل الشعبي اللبناني فالمقصود هو أنّ المحاولتين الأولى والثانية قد فشلتا، وأنّ النجاح سيكون في الثالثة. فهل تكون الثالثة السوريّة ثابتة من خلال تقارب تركي – سوري بدعم روسي، أم تقارب سوري – إسرائيلي بدعم إيراني؟

 

الانتخابات التركية سورياً

يصعب على متتبّع سياسات حزب العدالة والتنمية في تركيا الخروج باستنتاج أنّ الرئيس رجب طيب إردوغان وحزبه ما زالا على مواقف ثابتة في التعامل مع ملفّات وقضايا داخلية وخارجية أساسية بالنسبة إلى أنقرة. تتغيّر لعبة التحالفات والاصطفافات ورسم السياسات حسب المصالح وتغيُّر مواقف الأطراف الأخرى المعنيّة أيضاً، وهذا ما تردّده القيادات التركية منذ أشهر.

يعود أصل الحكاية إلى العام 2011. هناك نظام بشّار الأسد الذي لا يأخذ بالنصائح. وفي المقابل هناك فرصة إقليمية سانحة يدعمها لاعبون دوليون، فلماذا لا تقف أنقرة إلى جانب خيار إزاحة نظام حان موعد رحيله؟

بعد 11 عاماً كانت خسائر سوريا البشرية والاقتصادية والسياسية لا تُحصى. خسائر أنقرة أيضاً لا يمكن الاستخفاف بها على أكثر من صعيد. النتيجة هي 4 عمليات عسكرية واسعة في شمال سوريا في مواجهة مخاطر محلّية وإقليمية تهدّد الأمن القومي التركي ووحدة سوريا، ومليارات الدولارات من الأعباء المادّية، ومئات الآلاف من اللاجئين السوريين، ومنصّات إقليمية ودولية ترصد مسار الأزمة من دون تسجيل أيّ اختراق يُذكَر.

الامتحان الحقيقي هو حزيران المقبل ونتائج الانتخابات التركية وارتداداتها، حيث سيكون للموضوع السوري بكلّ تفرّعاته حصّته الكبيرة في رسم معالم النتائج وتقديم الاحتمالات والسيناريوهات المقلقة. وبالتالي فإنّ الالتقاء في منتصف الطريق عند خارطة تفاهمات ترضي أنقرة ودمشق حتميّ، لأنّه الخيار الذي يدعمه الداخل التركي اليوم، وما بقي تفاصيل فحسب.

 

الحوار السوري – التركي

بعد أقلّ من شهر على لقائهما الأخير خلال اجتماع قمّة شنغهاي في سمرقند، تتوجّه الأنظار نحو قمّة مفاجئة وعاجلة بين الرئيسن التركي والروسي في آستانة. اجتماع اليوم، الذي يُعتبر الرابع من نوعه خلال 4 أشهر، هو رقم قياسي في اللقاءات بين إردوغان وبوتين، وستكون الأزمة الأوكرانية في قلب المحادثات، لكنّ الأولوية قد تكون أيضاً للملفّ السوري مع احتمال الوصول إلى إجابات على تساؤلات تتعلّق بنتائج المفاوضات الحاصلة بين جهازَيْ الاستخبارات التركية والسورية برعاية روسية منذ أسابيع، وشكل المرحلة المقبلة من التفاوض، وإمكان الانتقال إلى عقد طاولة ثلاثية علنيّة بين الأطراف تحمل معها العديد من المفاجآت.

في حزيران 2016 دخلت أنقرة وروسيا في لعبة تفاهمات جديدة تتعلّق بالملفّ السوري، بعدما تبدّلت خارطة التحالفات الإقليمية والدولية هناك. هذا التنسيق التركي الروسي قابله دعم أميركي علنيّ لقوات سوريا الديمقراطية وتفرّعاتها في شرق الفرات، وهو ما مكّن واشنطن من الجلوس فوق مخازن الطاقة والزراعة والمياه في سوريا. حتماً هناك علاقة بين هذه الوضعية الجديدة وبين ما أشار إليه وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو قبل يومين وهو يذكِّر بأهداف أنقرة في سوريا ويلمّح إلى مسائل أساسية بالنسبة إلى تركيا تدفعها إلى الجلوس مع نظام الأسد ومحاورته:

– وقف هدر المزيد من الدماء في الاقتتال الحاصل بين السوريين.

– دعم الحوار والتفاهم بين النظام وقوى المعارضة السورية لدفع عمليّة السلم والاستقرار هناك.

– تخفيف الأعباء التي تتحمّلها تركيا جرّاء ارتدادات الملفّ السوري.

– تحييد المجموعات المحسوبة على حزب العمال الكردستاني ومن ينسّق معها في سوريا.

– استكمال وضع الدستور الجديد، وإجراء انتخابات حرّة ومستقلّة، وتسهيل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

الأسباب التركية الداخلية

لكنّ هناك أسباباً وأهدافاً أخرى لم يتوقّف عندها شاووش أوغلو ونوقشت أكثر من مرّة في الداخل التركي، ومن بينها:

– ارتدادات ملفّ الأزمة السورية على الداخل التركي اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وعلى حزب العدالة والتنمية في الحكم وهو يستعدّ لامتحان انتخابات برلمانية ورئاسية مقبلة بعد 9 أشهر.

– إجماع تركي في صفوف الحكم والمعارضة على أنّ الوقت قد حان للجلوس إلى طاولة حوار والتفاوض مع النظام في دمشق لفتح الطريق أمام تسويات سياسية وأمنية تقود نحو الحلحلة بعد الانسداد الإقليمي والدولي في التعامل مع ملفّ الأزمة السورية.

– نسف خطة بناء كيان كرديّ على حدود تركيا الجنوبية برعاية أميركية على حساب غالبيّة الأتراك.

– مواصلة التنسيق مع روسيا في الملفّ السوري والتمسّك بآليّة “سوتشي” وقراراتها.

– تأثيرات التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة والمتغيّرات السياسية والعسكرية ونقلات التقارب والتباعد الحاصلة في لعبة الاصطفافات والتموضع الجديد.

وهي كلّها عوامل تدفع أنقرة ودمشق نحو تليين المواقف وتسهيل الحوار والبحث عن صيغ التقاء مشترك في تسويات ثنائية وإقليمية بين الطرفين.

 

موقف المعارضة السورية

يستبعد رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض سالم المسلط احتمال حدوث حوار سياسي بين أنقرة والنظام في دمشق. فـ”الانتقال السياسي ممكن إذا توافرت الرغبة الدولية، ولا بدَّ من تجاوز روسيا التي عطّلت العملية السياسية”. ويؤكّد المسلط أهميّة مواصلة الدول العربية عزل نظام الأسد وعدم الانخراط في شرعنته أو إعادة تأهيله أو قبوله في الجامعة العربية، إذ إنّ “القبول به يعني تمكين إيران من وضع مندوبها على مقعد سوريا في جامعة الدول العربية”.

إنّه موقف سياسي مهمّ لقوى المعارضة السورية، لكنّ هناك مؤشّرات أخرى تقول إنّ إعلان الخارجية الروسية دعمها تنظيم لقاء بين وزيرَيْ خارجية تركيا وسوريا، بقولها “نحن نتحدّث عن إقامة اتصالات سياسية بين الجانبين، بعد الاتصالات الحالية على المستويين العسكري والاستخباراتي”، هو الذي سيُبحث في قمّة آستانة التركية – الروسية للردّ على أكثر من تموضع أميركي إقليمي جديد يُغضب أنقرة ويُقلق موسكو في شرق المتوسّط واليونان وقبرص ولبنان وسوريا.

هناك أيضاً من يربط في سوريا وتركيا على السواء بين التغييرات الدبلوماسية الحاصلة أخيراً في الفريق المسؤول عن الملفّ السوري بالخارجية التركية، وبين خطوة تعيين نائب وزير الخارجية السوري بشار الجعفري سفيراً لدمشق في موسكو، وتزامن هذه القرارات مع التحوّل المحتمل في سياسات الطرفين. فهل يكون كلّ ذلك مقدّمة لترجمة ما أعلنه نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف من أنّ “الجانب الروسي يشارك بنشاط في حوار مع الشركاء بشأن اقتراح توفير منصّة لاجتماع وزيرَيْ خارجية سوريا وتركيا”، لكن بروح جديدة؟

Exit mobile version