اللبنانيّون يودّعون جهنّم

 

زياد عيتاني – أساس ميديا

لن نلوّح بأيدينا صغاراً وكباراً، شباباً وشيوخاً، نساءً ورجالاً مودّعين جهنّم التي وعدنا بها الجنرال. لن نذرف في تلك اللحظة دمعة الفراق، وما سيراه العالم في عيوننا المغروْرقة المتعبة ما هو إلا تعبير عن الفرح والغبطة والنشوة ونهاية رحلة العذاب، كي لا نقول الابتهاج بالانتصار.

 

حين تلعثم الجنرال

لم يكذب علينا، ولم يخطئ بحرف واحد. الجنرال نفسه أعلمنا مبشّراً أنّنا ذاهبون إلى جهنّم. سياحتنا باتت هباء منثوراً ومستشفياتنا حزينة مكسورة. جامعاتنا لوّحت بأيديها باكية مودّعة نُخبها محاضرين وطلّاباً كنّا نراهن عليهم كي نُعيد أيّام البحبوحة. شوارع مدننا وقرانا بفعل انقطاع الكهرباء باتت كـ”وادي سقر”* المذكور في الكتب المقدّسة أنّه مكان للخطّائين الفاسدين على أرض المعمورة.

حَلَمنا حتى بات الحُلم أمنية، بلحظة وداع جهنّم طوال ست سنوات. حُلمنا لم يكن في آخر العهد ولا في وسطه، ولا عندما انهار كلّ شيء من حولنا على رؤوسنا أغنياء وفقراء. حُلمنا كان نبوءة منذ البداية حين وقف الجنرال متلعثماً متعثّراً بكلماته يلقّنه الرئيس نبيه بري خطاب القسم بعد مسرحية جلسة الانتخاب.

لا وداع ولا عناق، فهذه طقوس الأحبّة والرفاق. هل من عاقل يحبّ جهنّم والنيران؟!

 

سطل ماء

سيحمل كلّ واحد منّا بيمناه المباركة “سطلاً بلاستيكياً” (دلو بلاستيكي)، كما نسمّيه نحن البيارتة، متعدّد الأشكال والألوان، أحمر أبيض أزرق وأخضر أو فسفسياً كما كانت جدّتي رحمها الله تصف الغريب من الألوان.

بحرّية سيختار كلّ منّا لون سطله الخاصّ، وسنملؤه بالماء من الشركات الخاصّة لتعبئة المياه (نسلة، تنّورين، صحّة، أو مياه الجواد…). كلّ وفقاً لإمكانيّاته المادّية بعدما بات غالون المياه عبئاً في الحياة.

لن يملأ أحد دلوه من “حنفيّات” شركات مياه لبنان، أو ماء الدولة كما نسمّيها في عهد الجنرال، فقد أتت عليها نيران جهنّم. ما عرفت يوماً طريقها إلى منازلنا وخزّاناتها على أسطح المباني والعمارات.

سنرمي جميعاً بكلّ طوائفنا ومذاهبنا وهلوساتنا منتصف ليل 31 تشرين الأول على عتبات منازلنا سطل الماء. الماء وحده كفيل بإخماد النيران. عادة توارثناها عن الأجداد تعبيراً عن رحيل ضيفٍ ثقيل أو نهاية عهد لئيم أو عن الفرح والخلاص والرجاء أن يكون ما حصل معنا خاتمة الأحزان.

نعود بعد ذلك إلى منازلنا بينما المياه التي رميناها تنسال حرّة على هواها في الأزقّة والطرقات. نقفل أبواب المنازل على عوائلنا، فمن حقّهم الغرق بالنوم بسعادة بعد طول عذاب انتظار، ونأوي سريعاً إلى فراشنا كي يأتي الصباح بدوره سريعاً. ننام ملء جفوننا قريري العين. النوم كفيل بتسريع مرور الساعات والدقائق واللحظات، كي نستيقظ سريعاً في اليوم التالي محتفلين بيومنا الأوّل خارج جهنّم بعد رحيل الجنرال.

 

حقوق المسيحيين

لا أعلم عندما وصلت بالكتابة إلى هذه الفقرة كيف استحضرت مُخيّلتي آية قرآنية تقول: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا. إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (سورة النساء، الآيات 97 و98 و99). انتهيت من الآية فتذكّرت متلازمة العهد “أغنية جهنّم” عن حقوق المسيحيين المستضعَفين التي أتت نيرانها على المسيحيين وحقوقهم ووجودهم المتين. ثمّ نظرت إلى مكتبتي فلمحت رواية الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز التي تحمل عنوان “الجنرال في متاهته” فقفزت إلى مكتبتي الصغيرة كمن اكتشف أمراً عظيماً. أمسكت الرواية، وعدت للمرّة الخمسين إلى قراءتها مجدّداً.

الرواية تتحدّث عن حياة الجنرال سيمون بوليفار حين بدأ يعدّ لرحلته من كارتاخينا دي إندياس متّجهاً إلى أوروبا، وذلك بعدما تخلّى عن منصبه كرئيس لكولومبيا العظمى إثر سيلٍ من الاحتجاجات الشعبية، إلا أنّ سخرية القدر جعلت رحلة خروجه لوحة معبّرة عن نهاية كلّ مستبدّ، وكلّ عصر للاستبداد. في المحطّة الأولى لمسار رحيله بمدينة أوندا نُظّم احتفال على شرفه لمدّة ثلاثة أيّام. في المحطة الثانية في مدينة بوريتو ريال أصابته الهلوسة. فقد رأى الجنرال امرأة تغنّي، لكنّ مساعديه والحرّاس لم يجدوا أيّ امرأة تغنّي. ووصل إلى محطته الأخيرة مدينة مومبوكس، وهناك لم يتعرّف عليه أحد من رجال الشرطة في البداية وطلبوا منه جواز سفره، لكنّه لم يكن يمتلك واحداً آنذاك.

لم ينجح الجنرال بالرحيل أبداً عن أميركا الجنوبية. انتهت رحلته في مدينة سانتا مارتا وصحّته متدهورة. مات فقيراً وهو المحرر للقارة اللاتينية “بعيد الشبه”. الناس تنسى كلّ شيء وتقف عند ما أصابها من استبداد.

*وادٍ في قعر جهنّم

Exit mobile version