المسؤوليّة عند شغور رئاسة الجمهوريّة

 

محمد المشنوق* -أساس ميديا

الدّستور هو ركيزة لِما وصل إليه “اتفاق الطائف” الذي أنهى حالة الحرب في لبنان ورسم طريق النهوض والاستقرار بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسامات. وهو يتضمّن بنوداً تأسيسية وبنوداً تحدّد الصلاحيّات وبنوداً إجرائية تعكس ما وصل إليه ميثاق الطائف من أهداف وغايات.

وسط الاحتقان السياسيّ الرّاهن، يبدو موضوع المسؤوليّة عند حصول الشّغور في رئاسة الجمهوريّة عنصر تجاذب بين القوى السياسيّة، ويحتاج كالعادة إلى تفسير وحجج دستوريّة حول كلّ بند وكلمة، وينتهي بوجود معسكرين يختلفان تحت مظلّة الدّستور من دون أيّ شعور بالمسؤولية الوطنية وبمصلحة لبنان في هذه الظروف الحرجة.

سوء فهم روح الدّستور

لا يمكن اليوم أن نبحثَ في ما يقوله الدّستور عن موضوع انتخاب رئيس الجمهوريّة والمسؤوليّات المتوجّبة على السّلطتين التشريعيّة والإجرائيّة فحسب، بل علينا أن نتدخّل بتفاصيل البنود لنحدّد بموضوعيّة مقاصد النّص الدستوريّ والتّوقّف عند ما يعتبره البعض غامضاً بالتعبير ومفسحاً بالمجال أمام تأويل هنا وتأويل هناك، وحدَّةٍ في الدفاع عن هذا البند أو ذاك استناداً إلى دراسات رجال القانون والدّستور.

المشكلة هي في سوء فهم روح الدّستور والأسباب التي دفعت المشرّعين إلى صياغة تعتمد أحياناً حسن النيّة في اختصارها الكلمات وعدم شرح البنود حيث يجب. ولذلك سأبدأ هذا الحوار معكم بالتركيز على ما يقوله الدّستور حول المسألتين الأساسيّتين اليوم، أي تشكيل الحكومة الجديدة وشغور رئاسة الجمهوريّة.

في 24 أيار 2014 انتهت ولاية الرّئيس الثاني عشر للجمهورية اللبنانيّة كما بدأت، إذ لم يتسلّم الرّئيس ميشال سليمان الرئاسة من سلفه، وغادر قصر بعبدا من دون أن يسلّمها لخلفه. ومع شغور المنصب الأوّل في الدّولة اللبنانيّة دخل لبنان في مسار سياسيّ ودستوريّ عنوانه الشّغور الذي يشبه ما سيحصل بعد أسابيع قليلة ولا يستطيع أحد أن يتكهّن بكيفيّة الخروج منه أو بطول مرحلته القائمة والنتائج التي قد تنتج عنها.

الفراغ والضغوط

عرّفت المادّة 49 من الدّستور اللبناني رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة بصفته “رئيس الدّولة ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدّستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدّستور”. وعلى الرغم من الطابع الرمزي لهذا التوصيف، يتمتّع رئيس الجمهوريّة بأهمية رئيسية في النّظام السياسيّ اللبناني. هو رأس الدّولة، لكنّه أيضاً يمثّل الطائفة المارونيّة في التوزيع الميثاقي والطائفي القائم في لبنان. وهذا ما يمنحه موقعاً سياسيّاً متقدّماً. لقد أدّى الانقسام السياسيّ آنذاك إلى عدم تأمين نصاب الجلسات وعدم القدرة على التوافق على مرشّح يكون مدعوماً من أكثريّة وازنة. وهكذا تعطّل مسار العملية الدّيمقراطيّة وانتقل لبنان إلى شغور في رئاسة الجمهوريّة استمرّ سنتين ونصفاً وحمل صفة الفراغ. وعلى الرغم من الأجواء المشحونة والظروف الصعبة التي مرّ بها لبنان استغلّت بعض القوى الفراغ ومارست ضغوطاً كبيرة بأمل إيصال مرشّحها في حال حصلت تسوية مع ضوء أخضر عربي وإقليمي. وأشير هنا إلى أنّنا في حكومة الرّئيس تمّام سلام صمدنا وتجاوزنا ضغوطاً وإشكالات عدة ممّن اعتقدوا أنّهم باتوا رؤساء للجمهورية وحاولوا تعطيل مجلس الوزراء.

من أجل فهم أعمق للظروف السياسيّة والإطار القانوني اللذين أوصلا لبنان إلى لحظة الفراغ المتمثّلة بشغور منصب رئاسة الجمهوريّة، لا بدّ لنا من تناول مسألة صلاحيّات رئيس الجمهوريّة وتطوّرها ودراسة الآليّات الدستوريّة التي تحكم عمليّة انتخاب الرّئيس.

تحول دور الرئيس

منذ استقلال لبنان في العام 1943 حتى التعديلات الدستوريّة التي تلت اتفاق الطائف للعام 1989، تمتّع رئيس الجمهوريّة بصلاحيّات واسعة جعلت منه المنصب الأبرز في الدّولة. ومع انعقاد اتفاق الطائف وتوقيع ورقة الوفاق الوطني “اتفاق الطائف” التي شكّلت القاعدة السياسيّة للتعديلات الدستوريّة – وهنا أستذكر الجهود التي بُذلت للوصول إلى اتفاق الطائف في العام 1990 – تعدّل النّظام السياسيّ اللبناني وتراجعت بشكل كبير صلاحيّات الرّئيس لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً. كما أصبح “لمجلس النواب ومجلس الوزراء حقّ اقتراح القوانين، ولا ينشر قانون ما لم يقرّه مجلس النواب”. وبعد التعديلات أصبح “لرئيس الجمهوريّة، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، أن يدعو إلى العقود الاستثنائية”.

أمّا بالنسبة إلى دور رئيس الجمهوريّة في تشكيل الحكومة فالمادّة 53 تسمح له “بتسمية رئيس الحكومة المكلّف، بالتشاور مع رئيس مجلس النواب، استناداً إلى استشارات نيابية ملزمة، يُطلعه رسميّاً على نتائجها”. كما أصبح على رئيس الجمهوريّة أن “يصدر، بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء أو إقالتهم”.

هنا تبرز الصلاحيّة الأساسيّة لرئيس الجمهوريّة لأنّه يبقى المرجع الوحيد والنهائي الذي يحسم موضوع تأليف الحكومة. فهو يوقّع مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم التشكيل. وإذا كان الرّئيس المكلّف يستطيع اقتراح عشرات التشكيلات فعليه أن يعود إلى رئيس الجمهوريّة للموافقة على تشكيل الحكومة وتعيين الوزراء في مناصبهم.

هنا أيضاً نتوقّف أمام بنود الدّستور، وهو الذي تستند إلى مضمونه الدّولة في نشأتها وكيانها وفي نظام حكمها وطبيعة السلطات والعلاقات في ما بينها وصولاً إلى تحديد حقوق المواطنين كأفراد وجماعات.

الدستور وتفسيراته

صحيح أنّ الدّستور اللبناني لم يتوسّع في شرح بعض البنود الأساسيّة، واكتفى في مواضيع أساسيّة بأسطر قليلة جدّاً وبصياغة تحتاج أحياناً إلى شرح وربّما إلى تفسير.

لن أدخل في كيفيّة تعديل الدّستور، وهو يحتاج إلى قرار من مجلس النواب بأكثريّة الثلثين. لكن أودّ أن أشير إلى أنّ روح الدّستور إيجابية في الصياغة وفي تعدّد ذكر بعض البنود وكأنّها تأتي إمّا لشرح الغاية أو للتأكيد عليها في الدّستور. هنا أتوقّف للتأكيد على أنّ الدّستور يحتاج إلى التزام كامل من جميع اللبنانيين كمواطنين أو كمسؤولين وفي السلطات كافّة. وإذا كان هذا الدّستور لم يجد اهتماماً وطنياً شاملاً فإنّه يحرص على إيجاد حلول لأيّ إشكالات مثل شغور المناصب أو إجراء الانتخابات على مختلف مستوياتها أو كيفيّة استمرار السلطات في مهامّها في سبيل المصلحة العامّة.

نعطي مثلاً على ذلك أنّ بند الصلاحيّة في مسألة تشكيل الحكومة يأتي ضمن سلسلة إجرائية واضحة. فعند استقالة أيّ حكومة يحرص الدّستور على تكليف رئيس الجمهوريّة بإجراء استشارات ملزمة في نتائجها لتحديد اسم الرّئيس المكلّف بتشكيلها. ويحدّد الدّستور أنّ على رئيس الجمهوريّة أن يعرض نتائج الاستشارات ويتشاور بها مع رئيس مجلس النواب، ثمّ يكلّف الرّئيس الذي اختارته الأكثريّة النيابية لتشكيل الحكومة. هذا يعني أنّ هذا البند يحمل فيه رئيس الجمهوريّة مسؤولية إجرائية لقرار صادر عن المجلس النيابي بهدف تشكيل الحكومة الجديدة.

الرئيس ورئيس الحكومة

هنا ينقسم اللبنانيون بين مَن يعطي الرّئيس المكلّف سلطة إجراء الاستشارات النيابية وتشكيل الحكومة ثمّ القيام بإصدارها وتوقيع مرسومها مع رئيس الجمهوريّة. وأصحاب هذا الرأي يستندون إلى أنّ هذه الصلاحيّة للرئيس المكلّف واردة ومستقلّة في البنود المتعلّقة بالسلطة الإجرائية. أمّا دور رئيس الجمهوريّة فهو التفاهم على إصدار المراسيم لهذه الحكومة. أمّا الذين يعارضون فيعتبرون أنّ رئيس الجمهوريّة يشارك رئيس الحكومة في اختيار الوزراء وفي إصدارها ويربطون بين هذا الدور في موضوع تأسيس الجمهوريّة الثانية والصلاحيّات التي احتفظ بها رئيس الجمهوريّة. المشكلة هنا هي أنّ رئيس مجلس الوزراء يحمل مسؤوليّة الحكومة وتشكيلها أمام المجلس النيابي، وهذا يبدأ بإعطائها الثقة، وتجري متابعته بمراقبة أعمال الحكومة طوال مدّة بقائها. أمّا رئيس الجمهوريّة فلا يتحمّل أيّة مسؤولية مقابل الشراكة التي يريدها البعض، والتي تشمل تسمية وزراء له، وهي عملية يحاول البعض أن يحوّلها إلى عرف.

تبدو المشكلة أكبر عندما نقرأ بنداً يقول إنّه يحقّ لرئيس الجمهوريّة إذا حضر مجلس الوزراء أن يرأس الجلسة المنعقدة من دون أن يكون له حقّ التصويت. فإذا كان الدّستور واضحاً في منعه من الإدلاء بصوته داخل مجلس الوزراء، فهو حتماً لا يسمح لرئيس الجمهوريّة باختيار وزراء ليقوموا بالمهمّة عنه. وهنا نحن نؤكّد أنّ صلاحيّات رئيس الجمهوريّة قبل اتفاق الطائف انتقلت كلّها إلى مجلس الوزراء مجتمعاً كسلطة إجرائية، وهذا لا يعني أنّ من خرج من الباب يستطيع أن يدخل من الشبّاك.

إنّني أدرك طبعاً أنّ هذا الكلام سيقف اللبنانيون أمامه منقسمين، لكن لا يجوز في الوقت نفسه خوض هذا النقاش العقيم إذا كان المشاركون فيه يريدون مصلحة الوطن.

الحكومة وشغور الرئاسة

يشدّنا هذا الكلام إلى المسؤولية عند شغور رئاسة الجمهوريّة لأنّ هذا النص واضح في الدّستور الذي جعل صلاحيّات رئيس الجمهوريّة وكالةً عند مجلس الوزراء مجتمعاً.

أمّا القول إنّ الحكومة المستقيلة لا تستطيع أن تحمل هذه المسؤولية فهو كلام ينتقص من روح الدّستور الذي يحرص دائماً على استمرار المسؤولية في حال الشّغور بما يمنع الفراغ في أيّ قضية أساسية. فكيف إذا كانت شغوراً في رئاسة الجمهوريّة؟!

إنّ الحكومة المستقيلة تحمل مسؤولية أعمالها إلى حين صدور مراسيم الحكومة الجديدة. وهذا ما جعل قبول استقالة الحكومة بمرسوم أوّل ذي توقيع منفرد من رئيس الجمهوريّة، ثمّ تكريس تعيين رئيس الحكومة بمرسوم آخر من رئيس الجمهوريّة، ثمّ تشكيل الحكومة بمرسوم ثالث وبتوقيع الرّئيسين.

لقد كان الدّستور وما زال حريصاً على عدم تغييب المسؤولية، بل يؤكّد على استمرارها مهما كانت صفاتها. وإذا أردنا أن نكون منصفين أكثر فإنّ الحكومة التي تدير البلاد وهي كاملة التشكيل والثقة بها، لا تختلف مسؤوليّتها عن الحكومة المستقيلة. وهنا أقول من خلال التجربة على مدى سنتين ونصف من شغور منصب رئيس الجمهوريّة: لقد حرص الرّئيس تمّام سلام ومعظم أعضاء الحكومة على عدم المساس بدور رئيس الجمهوريّة والامتناع عن ممارسة صلاحيّاته إيماناً بالميثاقيّة والتزاماً بروح الدّستور الذي يفرض التعجيل بانتخاب رئيس الجمهوريّة.

في هذا الواقع الذي نعيشه اليوم أعتقد أنّ هناك صراعاً قاسياً بين قوى سياسيّة تشعر بتراجع شعبيّتها في الوطن، وهي تفقد احتمال وصول رئيس من تيّارها فتضع كلّ العراقيل أمام حكومة جديدة همّها مواكبة انتخاب رئيس للجمهورية ستستقيل بعد انتخابه وسيقوم بمشاورات لإنتاج حكومة العهد الجديد.

قد يتساءل البعض: هل تعني كلّ هذه العراقيل أنّ انتخاب رئيس جديد للجمهورية سيبقى يجرجر معنا شهوراً وسنوات كما حصل سابقاً، أم يستفيق نواب لبنان ويعيدون للدستور مكانته ويعيدون للمواطنين الوطن الذي يريدون…

* نصّ كلمة الوزير السّابق محمّد المشنوق في النّدوة التي عُقِدَت في مقرّ “جمعيّة مُتخرّجي المقاصِد الإسلاميّة في بيروت” يوم الخميس 29 أيلول 2022 لمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين لتوقيع وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باتفاق الطائف.

Exit mobile version