كيف رأى السيد نصر الله والراحل د. شلّح انتفاضتي الأقصى والقدس؟

الدكتور الراحل رمضان شلّح والسيد حسن نصر الله

ذكرت صحيفة “معاريف” العبرية في نيسان / ابريل الماضي تعليقاً على سلسلة من العمليات الفلسطينية النوعية التي ضربت عمق الداخل المحتل الى جانب تصاعد مجموعات المقاومة في الضفة والاشتباكات اليومية مع جنود الاحتلال، أن “إسرائيل” تواجه انتفاضة واحدة مستمرة منذ ما بعد حزيران / يونيو من العام 1967.

فالشعب الفلسطيني لم يتخلَّ يوماً عن خيار المقاومة المسلّحة لمواجهة الاحتلال وصدّ هجماته على الرغم من أن هذه الـ 55 سنة تخللتها فترات من “الركود” فيما تصاعدت المقاومة في مراحل أخرى مشكّلةً منعطفاً جديداً في تاريخ الصراع مع كيان الاحتلال.

كان أهم تلك المراحل انتفاضة الأقصى عام 2000، التي أوقد شرارتها الاقتحام الاستفزازي لرئيس حكومة الاحتلال آنذاك أرئيل شارون للمسجد الأقصى أثناء المناسبات اليهودية. وبعد 15 عاماً، كانت انتفاضة القدس أو انتفاضة السكاكين التي أطلقها الشاب مهند الحلبي بعد تنفيذه عملية طعن في القدس المحتلة، لتتبعها عشرات العمليات.

أولاً: كيف وصّف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله انتفاضة الاقصى؟

في كلمته عام 2000 بعد الانسحاب الإسرائيلي التام من جنوب لبنان، توجه السيد نصر الله الى الشعب الفلسطيني بالقول إن “طريق فلسطين، يا شعب فلسطين، إن طريقكم إلى الحرية، هو طريق المقاومة والانتفاضة، المقاومة الجادة والانتفاضة الحقيقية، لا الانتفاضة في إطار أوسلو، ولا الانتفاضة في خدمة المفاوض المتنازل في ستوكهولم.. الانتفاضة والمقاومة التي لا ترضى إلا بالحق كاملاً”.

السيد نصر الله: لدعم الانتفاضة بالمال والسلاح

وعند اندلاعها، دعا السيد نصر الله الدول وزعماء العرب الى التجرّد من مصالحهم ومن الخروج من المربّع الأمريكي والتطبيعي، والى دعم هذه الانتفاضة الفلسطينية التي “تثقل على إسرائيل” بالمال والسلاح. وقد جاءت هذه الدعوة قبل انعقاد القمة العربية عام 2002، وحينها اعتبر السيد نصر الله أن “أي بيان يغيب عنه دعم الانتفاضة والمقاومة هو بيان خطّ بحبر أمريكي كتبته أصابع عربية ليس أكثر”. وحث قادة الأنظمة العربية بألا يسهموا في إسكات صوت الانتفاضة الفلسطينية”.

كما شدّد السيد نصر الله أن “أوجب ما يجب أن يقدمه العرب والمسلمون، كل رجل وكل امرأة وكل صغير وكل كبير للشعب الفلسطيني ولقواه الجهادية هو المال، وكلنا قادر على ان يقدم المال. إن المال القليل من هنا وهناك كقطرات الماء التي يمكن أن تصنع سيلاً أو بحراً أو محيطاً”. موجهاّ نداءه الى “كل المؤسسات وكل اللجان وكل الأحزاب وكل المبادرات الفردية والجماعية لجمع المال على امتداد العالمين العربي والإسلامي وفي أي مكان من العالم وإيصال المال إلى الفلسطينيين. وهل تستطيع إسرائيل أن تمنع وصول المال إلى الفلسطينيين؟ هذا المال يمكن أن يصل”.

من ناحية دعم حزب الله في لبنان للانتفاضة والشعب الفلسطيني، اعتبر السيد نصر الله أن “كل ما يتهمنا به الصهاينة من دعمنا للانتفاضة سواء صحيحة أو لا، نعتبر ذلك مفخرة وأوسمة شرف على صدورنا وعلى جباهنا وسوف نكمل تحمل هذه المسؤولية وحاضرون لمواجهة كل التبعات التي يمكن أن يتصورها أحد من خلال وجودنا في هذه الساحة”.

الانتفاضة حق مشروع وقانوني

رفض السيد نصر الله في خطاباته تسمية الاعمال العسكرية الفلسطينية خلال الانتفاضة بـ “الإرهاب” (حسب التصنيفات الغربية والإسرائيلية). فـ”المقاومة في فلسطين حالة دفاع، الفلسطينيون لم يعتدوا على أحد، لم يذهبوا إلى روسيا وأوكرانيا وبولندا ولا إلى أثيوبيا ليقتلوا اليهود هناك، وإنما هؤلاء الصهاينة جاوؤا من كل أنحاء العالم ليغتصبوا أرض الآخرين ومقدساتهم ومدنهم وقراهم وحقولهم، وكل ما يفعله الشعب الفلسطيني من العمليات الاستشهادية بكل استهدافاتها هي أعمال مشروعة شريفة قانونية إنسانية أخلاقية لأنّها تريد إزالة الظلم والاحتلال والشر والسرطان والفساد”. وأضاف ” إن من يقدم السلاح للمقاومة الفلسطينية ليس إرهابياً”.

الانتفاضة لم تخضع للتسويات

” في فلسطين، رجال ونساء لن يتراجعوا ولن يضعفوا”، هذا ما رآه السيد نصر الله في جيل الانتفاضة الثانية الذي لن يجعل من مسار التسوية مصيراً لانتفاضته، وقال “هذه الانتفاضة كما كانت المقاومة، لقد قدر لهذه الانتفاضة منذ اللحظة الأولى أن تنطلق باسم الله وببركة الدماء الزكية التي سفكت في المسجد الأقصى وشهدائها طلاب الله وعشّاق لقاء الله لا يمكن أن يفت من عضدهم شيء ولا يوهن في عزمهم شيء، لذلك هي انتفاضة الظفر والتحرير وصنع المعجزة في زمن أقل مما يتوقعه العالم”.

وأضاف “لقد راهنت الأمّة على الانتفاضة في فلسطين وكان رهانها صحيحا وها هي الانتفاضة تنتصر بالشهادة وبالدموع والدماء، ها هو مجتمع العدو يزداد مأزقه يوما بعد يوم. يبقى أنّ الانتفاضة تراهن على الأمة ويجب أن يكون رهانها صحيحا ويجب أن تثبت الأمّة للانتفاضة أن رهانها صحيح”.

 الانتفاضة: مأزق الاحتلال

حول تداعيات انتفاضة الأقصى على الاحتلال مع كلّ ما حملته من تطوّر للعمل العسكري الفصائلي وموقف شعبي موحّد يرفض استمرار الاحتلال، قال السيد نصر الله أن “انتفاضة فلسطينية عارمة تقاتل بالحجر والسكين والرصاص وأشلاء الاستشهاديين وتدخل العدو في مأزق تاريخي استراتيجي وجودي لم يشهد مثله منذ قيامه”.

وتابع إن هذه “الانتفاضة أوصلت المجتمع الإسرائيلي وجنرالات إسرائيل إلى المحل الذي بات فيه واضحاً أنهم في مأزق أمني، وأن لا حل أمني لمشكلتهم مع الفلسطينيين. أهم الأحزاب في حكومة شارون تناقش في داخل الحكومة: “ما هو جدوى بقائنا في قطاع غزة؟ لماذا نضع آلاف الجنود لحماية مئات من المستوطنين؟” وهذه الأصوات ستكبر كلما قويت واحتدمت ساحة المواجهة.. عندما تستمر الانتفاضة سيرتفع هذا الصوت عالياً وعالياً”. وقد أدت الانتفاضة وأحداثها فعلاً الى انسحاب الاحتلال من قطاع غزّة واعتباره أول أرض فلسطينية محرّرة منذ قيام هذا الكيان عام 1948.

ثانياً: ماذا رأى الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور الراحل رمضان شلّح في انتفاضة القدس؟

انتفاضة القدس، كان وقعها أيضاً شديداً على الاحتلال وقد خلطت الأوراق في الساحة الفلسطينية ولا سيما في القدس والضفة الغربية حيث عانى الشعب الفلسطيني من سياسة التنسيق الأمني للسلطة ومن انقسامات داخلية وحالة إقليمية وعربية أصابت المقاومة ببعض “الخمول”.

اعتبر الراحل د. شلّح أن “ما يجري في القدس، هو الفرصة الأخيرة لنا في هذا الصراع، لإثبات أننا أمة ما زالت على قيد الحياة. ما يجري في القدس هو اختبار لنا (للشعب الفلسطيني) في ديننا، ومروءتنا، وأخلاقنا، وإنسانيتنا”. بعد أن “صارت أوطاننا مسرحاً للعبة الأمم، وصار ديننا في خطر من شدة ما ألصق به من فظائع، بل وصلنا إلى حال لم تعد فيه إسرائيل هي العدو.. أصبحنا نخترع لبعضنا البعض أعداء من داخل أمتنا، وصار البعض يرى أن قتال الطرف الآخر، مهما كان حجمه وتوصيفه، أولى وأوجب من قتال الصهاينة في فلسطين”.

 “هذا هو فقدان البوصلة وفقدان الاتجاه، بل هو التّيه والضّياع بعينه، من هنا، تأتي أهمية الانتفاضة في فلسطين، انتفاضة القدس، التي فاجأت العالم، وأحرجت كثيرين، وأعادت الاعتبار لفلسطين، بعد أن أدار الجميع ظهره لها أو كاد. لعلها تُسهم في تصويب الاتجاه، وإعادة القاطرة إلى السِّكة الصحيحة باتجاه فلسطين والقدس”.

وقد أوصلت “رسالة للعالم كله تقول أنا فلسطين، أنا القدس، غير قابلة للنسيان أو التجاهل. انشغلوا بأي قضية، وبأي مشكلة، فستدور العجلةُ لتعودوا إلى نقطة الصّفر، وتكتشفوا أنّكم أمام مشكلة العصر، مشكلة فلسطين ومأساتها ومِحنتِها وقضيّتها”.

توجّه د. شلّح الى الأنظمة العربية التي “تركض باتجاه إسرائيل لتحميها في ظل الوضع المضطرب أو الملتهب في المنطقة”، رسالة الانتفاضة أن “إسرائيل التي تظنون أنها يمكن أن تحميكم لا تستطيع أن تحمي نفسها اليوم من سكين وأدوات المطبخ التي يدافع بها شعب فلسطين عن نفسه بشبابه وشابّاته في انتفاضة القدس”.

وأضاف إن إسرائيل “تستطيع أن توقّع سلاماً مع الأنظمة والحكومات، تستطيع أن تفتح سفارة أو قنصلية، أو أن ترفع علماً في هذه العاصمة أو تلك، لكنها لن تنال شرعيةَ ووضعيةَ الوجود الطبيعي في هذه المنطقة”.

فلسطين اليوم ليست بعيدة عن الانتفاض أمام الاحتلال مرّة، وأمام سلطة الرئيس محمود عبّاس مرّة ثانية، اذ تتكامل الجبهات ومقدرات كلّ ساحة، بين القدرات العسكرية المتطوّرة للفصائل في قطاع غزّة ومعادلات الردع التي قلبت موازين القوّة مع الاحتلال، وبين شعب نهض من جديد في القدس والضفّة مُتبرأً من خيار “أوسلو”، الى جانب جيل لم يتأثّر بمحاولات الأسرلة وطمس الهوية الفلسطينية في أراضي الـ 48، ستدقّ “وحدة الساحات” آخر مسمار في نعش وجود الاحتلال على أرض فلسطين.


الكاتب: مروة ناصر-الخنادق

 

Exit mobile version