طهران | تستضيف العاصمة الإيرانية، طهران، اليوم، قمّةً تضمّ قادةَ كلّ من إيران وروسيا وتركيا، في إطار ما يُعرَف بـ«مسار أستانة». وكانت المرّة الأخيرة التي زار فيها الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب إردوغان، طهران للمشاركة في اجتماع حول سوريا، في أيلول 2018. إلّا أن إردوغان عاد وقام بزيارة أخرى للعاصمة الإيرانية في نيسان 2021، حين كانت البلدان الثلاثة تتموضع في اتجاهَين متقابلَين في ما يخصّ الحرب السورية؛ فطهران وموسكو تدعمان الرئيس السوري بشار الأسد، فيما تساند أنقرة، القوى المعارضة. وعلى الرغم من أن ديناميات الأزمة في سوريا قد تراجعت في الوقت الراهن إلى حدٍّ كبير، مقارنةً بسنوات الحرب الأولى، لكن يبدو أن اجتماع هذه البلدان اليوم سيكون له وقْع كبير لجهة إرساء الاستقرار في هذا البلد. وتُعدّ زيارة إردوغان للعاصمة الإيرانية، الأولى له بعد تولّي إبراهيم رئيسي الرئاسة، فيما تتواصل التهديدات التركية بشنّ عملية عسكرية جديدة في مناطق نفوذ الأكراد، شمالي سوريا. وإذ تقول طهران إنها «تتفهّم القلق التركي»، فهي تؤكد أن الحوار يمكن أن يسهم في تسوية الخلافات بين أنقرة ودمشق.
وعلى رغم أن سوريا تشكّل عنواناً لقمّة طهران، بيدَ أن هناك الكثير من القضايا الأخرى التي ستَجري مناقشتها، بما ستكون لنتائجه انعكاسات تتخطّى حدود المنطقة. وفي هذا الإطار، تحوز لقاءات بوتين المنفصلة مع كبار المسؤولين الإيرانيين، بمَن فيهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، والرئيس إبراهيم رئيسي، اهتماماً خاصّاً. وتُعدّ زيارة اليوم، هي الثانية للرئيس الروسي إلى خارج روسيا، منذ بدء الحرب في أوكرانيا في شباط الماضي، والتي تقول إيران إنها تعارضها، لكن من دون التنديد بها، فيما تحمِّل الغرب و«الناتو»، مسؤوليتها. وعلى وقْع هذه الحرب، تتمظْهر أهمية قمّة طهران، خصوصاً أن أوكرانيا تَستخدم الترسانة التركية من مسيّرات «بيرقدار» في مواجهة القوات الروسية، فيما تقول الولايات المتحدة إن إيران تخطّط لتوفير المسيّرات الحربية لموسكو، وتَعتبر أن التعاون الروسي – الإيراني يشكّل «خطراً محدقاً بالعالم». وبحسب ما ذكّرت طهران أخيراً، فإن تعاونها مع موسكو «يعود إلى ما قبل الحرب»، وإنه «لم يطرأ أيّ تطور جديد ومهمّ».

وتذهب مصادر قريبة من السلطة في إيران إلى القول إن إرسال المسيّرات إلى روسيا، يُعدّ مؤشّراً إلى تقدُّم الصناعات العسكرية الإيرانية. ووفق صحيفة «جوان» القريبة من الحرس الثوري، فإن هذه المسيّرات يمكن أن تساعد في إزالة «مكامن الضعف» في الهجوم الروسي على أوكرانيا. وبغضّ النظر عمّا إذا كان سيتمّ تسليم موسكو «الدرونز» الإيرانية أم لا، فالحقيقة هي أن التقارب بين البلدَين، قد ازداد منذ تولّي رئيسي سدّة الرئاسة، إذ التقى الرئيس الإيراني الحالي، بنظيره الروسي هذه السنة مرّتَين، الأولى في شباط في موسكو، والثانية في حزيران في عشق أباد. وبحسب رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني، فإن التخطيط لتطوير التعاون الاقتصادي بين إيران وروسيا، يحتلّ أولويّة في المحادثات بين الرئيسَين، بعدما جعلت العقوبات الأميركية والأوروبية على روسيا، هذه الأخيرة في حاجة ماسّة إلى التعاون الاقتصادي مع الجمهورية الإسلامية. لذلك، يمكن لزيارة اليوم أن تمثّل – من الناحية الرمزية -، محاولة لاستعراض هزيمة سياسة العزلة التي يمارسها الغرب على البلدَين. وكانت الحكومة الإيرانية أعلنت، بعد تولّي رئيسي منصبه العام الماضي، أن تَوجّهها شرقاً، يشكّل محور سياستها الخارجية. والجدير ذكره، هنا، أن حجم التبادل التجاري بين موسكو وطهران يبلغ أربعة مليارات دولار، فيما تخطّط الدولتان للوصول به إلى 10 مليارات، كما تقومان بصياغة اتفاقية للتعاون الاستراتيجي بينهما تمتدّ على عشرين عاماً.

ومن جهة أخرى، فإن زيارة بوتين لإيران، تأتي بعد بضعة أيام من جولة الرئيس الأميركي، جو بايدن، في الشرق الأوسط، وهي يمكن أن تكون مؤشّراً إلى محاولات الكرملين تثبيت قدمه في مضمار اللعبة الإقليمية في الظروف التي تنهمك فيها روسيا في الحرب الأوكرانية. وفي الوقت الذي قيل فيه إن أحد أهمّ أهداف جولة بايدن تمثّل في تشكيل تحالف أمني إقليمي جديد محوره الولايات المتحدة وإسرائيل، بمشاركة دول الخليج، لمواجهة ما يسمّى «التهديد الإيراني»، فإن استضافة طهران، بوتين، يمكن أن تكون بمنزلة ضرب من التصدّي لتلك الجولة. ويرى عبد الرضا فرجي، سفير إيران السابق لدى النروج، في مقالة في صحيفة «شرق» الإصلاحية، أن «النفوذ الجيوسياسي الروسي في أوروبا والولايات المتحدة وبعض دول شرق آسيا … قد توقّف فعليّاً بعد الحرب في أوكرانيا. إن روسيا باتت الآن بصدد توسيع نطاق نفوذها في الشرق الأوسط، حيث المركزية لإيران».