خطّة التعافي الماليّ: تقصّ أجنحة مصرف لبنان.. و”الحاكم”

 علي نور الدين

خطّة التعافي الماليّ: تقصّ أجنحة مصرف لبنان.. و”الحاكم”

منذ حصول الانهيار المالي في لبنان، كان لدى صندوق النقد الدولي موقفه الواضح من مسألة الإصلاحات المتعلّقة بإعادة هيكلة المصرف المركزي. هنا لا يرتبط الحديث عن إعادة الهيكلة بفجوات الميزانيّات وطريقة معالجتها، بل بالأدوار التي منحها قانون النقد والتسليف لمصرف لبنان، وبالصلاحيّات الواسعة التي جرى منحها لحاكم المصرف المركزي.

من حيث المبدأ، وبحسب المعايير التي وضعها الصندوق، لم يكن من المنطقي أن يتمّ الإبقاء على حجم الصلاحيّات الواسعة الممنوحة لمؤسسة واحدة، هي مصرف لبنان، والتي تجمع ما بين التنظيم والمراقبة والمحاسبة في ما يخصّ المصارف، ووضع السياسات النقديّة، ورفع السرّيّة المصرفيّة، ناهيك عن الإشراف على إصدارات الدين السيادي وإدارتها. وجميع هذه الصلاحيّات، بحسب الصندوق، تنطوي على تضارب في الأهداف والمصالح سمح بحصول أخطاء كبيرة في الماضي ساهمت في إنتاج الأزمة التي نعيشها اليوم.

 

لكلّ هذه الأسباب، جاءت بصمات الصندوق من هذه الناحية واضحة في خطّة التعافي المالي، التي وضعتها الحكومة في ضوء جولات المباحثات المتكرّرة مع بعثات الصندوق، التي شملت ما يمكن تسميته بـ”قصّ أجنحة مصرف لبنان”. ستحتاج هذه الإصلاحات عمليّاً إلى تشريعات كبيرة من شأنها تعديل أسس قانون النقد والتسليف، الذي وضع إطار عمل المصرف المركزي منذ العام 1963.

تقييد السياسة النقديّة.. والذهب

في خطّة توزيع الخسائر المصرفيّة، تمّ الإقرار باستخدام الذهب على المديَيْن المتوسّط والبعيد، عبر تسييله واستخدام عائدات بيعه لإنشاء ما يشبه “مجلس النقد”، الكفيل بضمان استقرار العملة المحليّة. تقوم فكرة “مجلس النقد” من حيث المبدأ على تكوين كميّة معيّنة من الاحتياطات بالعملات الأجنبيّة، ثمّ حصر كميّات النقد التي يتمّ خلقها بالعملة المحلّيّة بحسب كميّة الاحتياطات المتوفّرة لدى “مجلس النقد”. وبهذه الطريقة، تصبح قيمة العملة المحلّيّة شبه ثابتة، ما دامت كمّيّة السيولة المتوفّرة بالليرة مربوطة بكمّيّة العملة الصعبة الموجودة في الاحتياطات، وهذا يعني أنّ قيمة العملة المحليّة مربوطة بقيمة العملات الأجنبيّة.

من الناحية العمليّة، سيعني “مجلس النقد” تجريد مصرف لبنان من سلاح وضع السياسة النقديّة وفقاً لأهداف السياسات الماليّة والاقتصاديّة المحليّة. باختصار، لن يملك المصرف المركزي ترف تحديد كميّة النقد المتداول في السوق، ولا القدرة على امتصاصه أو خلقه أو ضخّه، ولا حتّى القدرة على التحكّم بسهولة بسعر الصرف، ما دامت جميع هذه المسائل مقيّدة بمعادلة حسابيّة واضحة تربط كلّ هذه المؤشّرات بحجم الاحتياطات الموجودة. وفي خلاصة الأمر، سيكون لبنان قد ضحّى بالذهب، على طريق إعادة صياغة نظامه النقدي.

يُشار إلى أنّ فكرة مجلس النقد تتعرّض منذ فترة لانتقادات كبيرة، نظراً لقسوتها في تجريد الدولة من سلاح السياسة النقديّة، وربطها لمؤشّرات السوق بتحوّلات معدّلات الفوائد في الأسواق العالميّة.

 

تجريد “المركزي” من صلاحيّاته

بحسب مندرجات الخطّة، ثمّة مجموعة صلاحيّات وأنشطة محصورة بمصرف لبنان حاليّاً سيتمّ فصلها عنه، منها على سبيل المثال:

– ضمان انسحاب المصرف المركزي من جميع الأنشطة غير الأساسيّة، أو بلغة أوضح، تلك التي لا تتّصل بمهامّه البديهيّة كمصرف مركزي، ومنها على سبيل المثال امتلاكه لمحفظة عقارات كبيرة لفترة طويلة من الزمن، ومساهماته المباشرة وغير المباشرة في شركات طيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان ومحفظة استثمارات شركة أنترا وغيرها.

– تجريد مصرف لبنان من الصلاحيّات شبه القضائيّة، التي تعطيه مهمّة محاسبة المصارف المخالفة، والتي يملكها حاليّاً من خلال الهيئة المصرفيّة العليا التي يرأسها حاكم مصرف لبنان نفسه. ترتبط هذه المسألة باعتقاد صندوق النقد بوجود تضارب مصالح أو مهامّ، ناشئ عن تكليف المصرف المركزي بتنظيم ومراقبة القطاع، وإعطائه في الوقت نفسه مهامّ المحاسبة لاحقاً (عبر الهيئة المصرفيّة العليا).

– تجريد مصرف لبنان من صلاحيّاته المتّصلة بمكافحة تبييض الأموال، والتي يملكها من خلال هيئة التحقيق الخاصّة، ويرأسها أيضاً حاكم مصرف لبنان. وينبع إصرار الصندوق على هذا البند من اعتقاده بوجوب تسليم هذه الصلاحيّات إلى جهة محايدة، غير منخرطة في عمليّات تنظيم القطاع وإدارته، كحاكميّة المصرف المركزيّة، لضمان عدم تأثّرها بأيّ مصالح أو حسابات مرتبطة بالقطاع نفسه.

– تجريد مصرف لبنان من صلاحيّاته المتّصلة بهيئة الأسواق الخاصّة، التي لا ترتبط بشكل مباشر بعمل القطاع المصرفي أو المالي.

– تجريد الحاكم من هامش الصلاحيّات الواسع الممنوح له في إدارة المصرف المركزي، وإعادة تقييده بهيكليّة جديدة تفرض رقابة معيّنة على قراراته، بالإضافة إلى تقييده “بآليّات صناعة قرار توافقيّة” في الإدارة التنفيذيّة للمصرف المركزي.

– تقييد مصرف لبنان بقواعد وقيود قانونيّة جديدة تكفل معايير واضحة في كلّ ما يرتبط بآليّات التعيين والتوظيف في المصرف، وضبط كلّ ما من شأنه التسبّب بتضارب مصالح داخل المصرف.

– إجبار مصرف لبنان على اعتماد المعايير المحاسبيّة الدوليّة عند إعداد الميزانيّات والتقارير الماليّة وعرضها، وهو ما يعني تجريد الحاكم من صلاحيّة وضع التنظيمات المحاسبيّة بشكل استنسابي وبمعزل عن هذه المعايير (كما حصل في مسألة إخفاء الخسائر وتقييدها كموجودات).

تقييد “إقراض الدولة”

بالإضافة إلى كلّ ما سبق، لن يُسمح لمصرف لبنان بإقراض الحكومة في حال السير بخطة التعافي المالي، بصيغتها الحاليّة، وسيتمّ ذلك بموجب قيود قانونيّة واضحة. بذلك، سيكون على الحكومة ضبط معدّلات العجز في ميزانيّتها طوال الأعوام المقبلة، ولا سيّما أنّها تعلم أنّ المصارف المحلّيّة لا تملك السيولة أو الملاءة اللازمة لإقراضها، في حين أنّ أسواق المال الدوليّة ستكون مقفلة في وجهها، بانتظار استعادة ملاءة الدولة الائتمانيّة.

باختصار، سيكون المصرف المركزي، في حال تطبيق الخطّة، إدارة ذات طابع نقدي ومالي بدور محدود، وبموجب تعديلات تشريعات ستطول أبرز بنود قانون النقد التسليف، وهو ما سينهي ظاهرة “إمبراطوريّة المصرف المركزي” التي عُرِف بها لبنان تاريخيّاً، والتي نشأت عن مراكمة الصلاحيّات بشكل تدريجي في يد المصرف.

 

في النتيجة، سيكون لبنان أمام إدارات جديدة بصلاحيّات موزّعة، في حين أنّنا سنشهد تعديلات وازنة في توزّع مراكز النفوذ داخل المصرف نفسه. أمّا الأكيد فهو أنّ الحاكم الجديد، بمعزل عن هويّته، لن يكون “الحاكم بأمره” كما كان الحال سابقاً.

Exit mobile version