فجأة، قرّرت الولايات المتحدة مقاطعة أولمبياد بكين الشتوي ديبلوماسياً (من دون أن يشمل القرار الرياضيين)، مُعلِنةً أنها لن ترسل ممثّلين رسميين لحضور حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية التي تنطلق اليوم وتستمرّ حتى العشرين من الشهر الجاري، لتحذو حذوَها دول أخرى كأستراليا وبريطانيا وكندا، فيما كان لافتاً رفْض فرنسا السير على خطاها. السبب المُعلَن للمقاطعة الأميركية هو «مواصلة جمهورية الصين الشعبية الإبادة والجرائم ضدّ الإنسانية في إقليم شينغ يانغ والانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان»، فيما الأسباب الحقيقية يبدو أنها متّصلة بالجهود المبذولة، على المستويات كافّة، لمحاصَرة بكين. تدرك واشنطن أن استضافة العاصمة الصينية، للمرّة الأولى في التاريخ، دورة ألعاب أولمبية شتوية بعد أُخرى صيفية (2008)، وحضور 3000 آلاف رياضي من مختلف أرجاء المعمورة إليها، سيجعلانها محطّ أنظار العالم. كما تُدرك أن التنظيم الصيني الفائق، والذي أظهره تجهيز ثلاث مدن (هي بكين وتشانغجياكو ويانكينغ الجبليتان شمال غربي العاصمة) بأفضل المنشآت والبنى التحتية المطلوبة والصديقة للبيئة، سيبهر الجميع مجدّداً، بعد أن احتضنت بكين أفضل دورة ألعاب أولمبية على الإطلاق عام 2008، باعتراف خصومها (بلغ عدد الرياضيين المشاركين في الأولمبياد آنذاك، حوالي 11 ألفاً). ومن هنا، لا يبدو غريباً أن تسعى الولايات المتحدة إلى ضرْب صورة الصين أمام الرأي العام العالمي، كما التشويش على أولمبيادها الذي يَعِد بالكثير، خصوصاً أن الأخيرة احتلّت عام 2008 صدارة الدول من حيث حصْد الميداليات، وهي ليست بعيدة من هذا الإنجاز اليوم، بالتالي الاقتراب من أرقام واشنطن التي تتصدّر اللائحة حالياً، ومن ثمّ دخول نادي الثلاثة الأوائل.
على أن السلوك الأميركي تجاه بكين ليست يتيماً؛ فقبل سنوات، حاولت واشنطن ممارسة اللعبة نفسها مع موسكو، بهدف إيقاف زحف الرياضيين الروس، الذين يحتلّون المركز الثاني من حيث عدد الميداليات الأولمبية، نحو منصّات التتويج، من دون أن تنجح في ذلك عملياً، وإن استطاعت إثارة الغبار حول الرياضة الروسية. وبالعودة إلى الوراء، وتحديداً إلى ما قبل أولمبياد سوتشي الشتوي في روسيا عام 2014، بدأت واشنطن اتّهام رياضيين روس بتعاطي المنشّطات، وهو ما لاقى تفاعلاً إعلامياً كبيراً، قبل أن يبلغ الأمر ذروته عام 2016، وتحديداً عندما أصدر المحقّق الكندي، ريتشارد ماكلارين، تقريراً أُعّد بطلب من «الوكالة الدولية لمكافحة المنشّطات» (وادا)، يتّهم الدولة الروسية بتطبيق برنامج منشّطات على نطاق واسع، ما بين عامَي 2011 و2015، في سياق سعي الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، «لإنجاح رياضييه وإعطاء صورة قويّة للدولة»، بحسب الاتهامات الأميركية لموسكو. وعلى ضوء هذا التقرير، حظرت «وادا» على الرياضيين الروس المشاركة تحت علم بلادهم في البطولات الأولمبية، كما فرضت غرامة على روسيا وصلت قيمتها إلى 15 مليون دولار. وفيما شارك هؤلاء في أولمبياد ريو دي جانيرو تحت العلَم الروسي بعد استبعاد عدد منهم، لم يُسمَح لهم بالمشاركة في ألعاب بيونغ تشانغ في كوريا الجنوبية عام 2018، إلّا تحت العلم الأولمبي، وتمّ إعطاؤهم صفة خاصة هي «الرياضيون الأولمبيون من روسيا»، كما مُنع رفْع علَمهم الوطني في الحفل الختامي، بل وحتى على أبواب غرفهم. وانسحبت الحال نفسها على أولمبياد طوكيو الأخير، ومن المفترض أن تستمرّ حتى نهاية 2022.

على أن جانباً من الخطّة الأميركية كان انكشف باكراً، وتحديداً في عام 2016، عندما هرب المدير السابق للمختبر الروسي لمكافحة المنشّطات، غريغوري رودتشنكوف، إلى الولايات المتحدة بدعوى أن «أمنه الشخصي مهدَّد»، بعدما اتّهم بوتين «بإعطاء أوامر لبدء برنامج التنشيط للرياضيين الروس»، ليتبيّن لاحقاً أن رودتشنكوف نفسه كان يعطي اللاعبين الروس موادّ على أنها فيتامينات ومتمّمات غذائية، ومن ثمّ يقوم بالإبلاغ عنهم بتهمة تعاطي المنشّطات. وعلى رغم انكشاف تلك الحقيقة، إلّا أن الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، عمد في كانون الثاني 2020 إلى توقيع قانون «غريغوري رودتشنكوف لمكافحة المنشّطات»، والذي يسمح للمحاكم الأميركية بإصدار أحكام جنائية بتهمة تعاطي المنشّطات في الأحداث التي يشارك فيها الرياضيون الأميركيون. وعلى خلفية ذلك، اعتبرت المتحدّثة السابقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن «واشنطن نصّبت نفسها مجدّداً على أنها الحَكم الرئيس على جميع الرياضات العالمية»، فيما علّق وزير الخارجية، سيرغي لافروف، بالقول إن «الولايات المتحدة لا تستطيع أن تهزمنا في معركة عادلة»، واصِفاً الاتهامات التي وُجّهت إلى الرياضيين الروس بأنها «نوع من المنافسة الوقحة، والولايات المتحدة هي التي دبّرت هذا الأمر في الخفاء لاستعادة المركز الأوّل في الرياضة». وفي مقابل توارُد الأدلّة على التسييس الأميركي للرياضة، لم تتّخذ «اللجنة الأولمبية الدولية» أيّ إجراء لحماية المجال بشكل عام، والرياضيين الروس بشكل خاص، وهو ما يتكرّر اليوم مع الصين، وسيبقى يتكرّر في المستقبل.