الحدث

ماذا بين “خميس الغضب” و15 أيار؟

اندريه قصاص Andre Kassas

ما بين “خميس الغضب” (13 كانون الثاني) واليوم الإنتخابي الطويل في 15 ايار مسافة زمنية قصيرة نسبيًا، وإنما لهذه المسافة رمزيتها بما يُفترض أن تحمله من تطورات يجب أن تصبّ نتائجها في صناديق الإقتراع عندما تدّق ساعة الحساب والحقيقة معًا.

فنتائج فرز الأصوات بعد الإستفتاء الإنتخابي يجب أن تكون على قدر الآمال المعلّقة على إمكانات التغيير المطلوب على مستويين: الأول على المستوى الشعبي، إذ أن مندرجات الوضع المعيشي المزري للناس تحتّم عليهم التصويت صحّ هذه المرّة. فهذه الفرصة لن تتكرّر. وإذا لم تأتِ النتائج على مستوى المعاناة وحجمها الكبير فإن ما بعد 15 أيار لن يعود ملك الشعب، لأنه يكون قد أدلى بدلوه في هذا اليوم التاريخي، الذي لم يُحسن الإفادة منه وتثميره في المجال التغييري المطلوب.

وعلى رغم كل المحاولات الخبيثة من قبل أحزاب السلطة لجعل “جبل” الإنتفاضة يلد فأرًا بعد تمخّض طويل وعسير، فإن الآمال لا تزال معلّقة على وعي الناس وحسن إختيارهم بما يتناسب وحجم التطلعات الكبيرة.
أمّا على المستوى الثاني من التغيير المطلوب، سواء نجح التغيير بمستواه الأول أم فشل، فيتعلق بمدى قدرة القوى السياسية الممثلة بالسلطة الحاكمة، وبالأخص في السلطتين التشريعية والإشتراعية، على التجاوب مع المطلب الدولي كشرط اساسي لمدّ يد المساعدة للبنان. فمن دون إصلاحات جذرية إدارية ومالية فإن لبنان سيُترك لأقداره، وهذا يعني المزيد من الغرق في أوحال الفساد والعقم السياسي.
فمن دون هذين المسارين في مسيرة التغيير، سواء أكان من القاعدة عن طريق الإنتخابات النيابية، أو من خلال إقتناع أحزاب السلطة بالتغيير التلقائي والإرادي، فإن الأمور ذاهبة إلى المزيد من الفوضى، وخصوصًا على المستوى الأمني، بإعتبار أن ثمة أطرافًا كثرًا يتربصون في الخفاء للتدّخل على خطّ الخربطة الأمنية وإحداث قلاقل أمنية في غير منطقة لبنانية، وذلك تنفيذًا لإجندات خارجية لها علاقة بالصراع القائم في المنطقة، من خلال إستخدام لبنان ساحة لتنفيس الإحتقانات الإقليمية.
فما حصل في “خميس الغضب”، في حال لم “يقرّش” في صناديق الإقتراع، يبقى بمثابة “فشّة خلق” ليس أكثر. وهذا ما يراهن عليه الذين لا يزالون يعتبرون أن الحراك الشعبي لم يؤدِّ في السابق إلى أي نتيجة ملموسة، وأن قطع بعض الطرقات وإطلاق بعض الشعارات لن يحقّق الغايات المرجّوة.
صحيح أن الأوضاع المعيشية لم تعد تُطاق، وهي قد أصبحت أكبر من قدرة اللبنانيين على الإحتمال، خصوصًا مع تفلّت سعر الدولار وتأثيره على أسعار حاجيات الناس اليومية. وصحيح أيضًا أن البلد مأخوذ رهينة من قبل بعض الذين يرفضون إعطاء فرصة لمن لا يزالون يؤمنون بإمكانية الإنقاذ، ولو بشقّ النفس.
ولكن الصحيح ايضًا أن الحلول لن تأتينا على طبق من فضّة. فإذا لم يبادر اللبنانيون، والمقصود جميع اللبنانيين، من خلال “حكومة معًا للإنقاذ”، إلى أخذ العبر وترك “حكومة الفرصة الأخيرة” تعمل وفق ما يقوله الدستور والقوانين المرعية الإجراء، ووفق ما يفرضه المنطق السليم والطبيعي، فإن الآتي سيكون عظيمًا. فالأولوية حاليًا هي لإنقاذ ما تبقّى من مؤسسات لا تزال قائمة، ولإطفاء الحريق الآخذ في التمدّد قبل قبل أن يأتي على كل شيء. وهذا ما دعا إليه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في أول كلمة له بعد تكليفة تشكيل الحكومة، حيث حدّد الأولويات قبل أي شيء آخر. وهذه الأولويات تفرض على الجميع الإنخراط في مسيرة الإنقاذ.
فقبل أي حوار، وهو ضروري في اي مرحلة مفصلية، عودوا إلى المؤسسات وأتركوا ما للقضاء للقضاء وما للسياسة للسياسة.
المصدر: خاص “لبنان 24”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى