ٍَالرئيسية

2021: لبنان ساحة الأزمات والتدخلات الأمريكية!

على مشارف انتهاء العام الحالي 2021، كانت الساحة اللبنانية محمّلة بالأحداث السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تستلزم التوقف عندها نظراً لما تركته من تداعيات جديّة على البلد والشعب، ولما لها من تداعيات مستمرة للعام القادم 2022.

1.على المستوى الأمني

كان الحدث الأمني الأبرز في العام 2021 هو “مجزرة الطيونة” يوم الخميس 14 تشرين الاول التي ارتكبها حزب القوات اللبنانية عن سابق تخطيط وتصميم في رسم كمين محكم للمتظاهرين المدنيين أثناء عودتهم من أمام قصر العدل، ما أدى الى استشهاد 7 من بينهم امرأة ووضع البلد عند حافة حرب أهلية جديدة بسبب تنفيذ رئيس الحزب سمير جعجع لأجندات خارجية أرادت العبث بالسلم الأهلي للبلد وتشويه صورة حزب الله المقاومة عبر جرّه نحو استخدام سلاحه في الداخل، كلّفت المجزرة جعجع استدعاءً قضائياً للتحقيق على خلفية تورط القوات في تدبير الكمين لكنه رفض الادلاء بشهادته ومرّر الأمر بوساطات المرجعيات المسيحية السياسية، كما فضحت أعماله، فيما لا يزال الثنائي حزب الله وحركة أمل الذي نزل سلمياً الى الشارع للتعبير عن رأيه ضد استنسابية القاضي طارق البيطار في التحقيق في انفجار مرفأ بيروت ينتظر التحقيق القضائي الشفاف للكشف عن ملابسات المجزرة.

كان قد سبق المجزرة كمين لـ “عشائر عرب خلدة” في منطقة خلدة الجنوبية آواخر شهر تموز، استهدف تشييع الشهيد علي شبلي، وأدى الى استشهاد أربعة مدنيين وجرح 7 آخرين، حمّل حزب الله مسؤولية الكشف عن الفاعلين والمدبرين واتخاذ القرارات القضائية المناسبة بحقهم للدولة اللبنانية وأجهزتها، فيما كانت أيضاً محاولة لإيقاع البلد في فخ الفتن الطائفية والمذهبية.

الجبهة الجنوبية

أمّا من ناحية الجبهة مع الكيان الإسرائيلي، فقد أقدم جيش الاحتلال، مطلع شهر آب، على قصف جوي لأول مرة منذ حرب تموز عام 2006، استهدف مناطق مفتوحة وطريق معبّدة عند الحدود، لكن المقاومة بادرت الى الرد السريع عبر إطلاق 19 صاروخاً أصاب مناطق مفتوحة في فلسطين المحتلّة، فكانت معادلة الردع “الرد المناسب والمتناسب مع حجم الاعتداء الإسرائيلي”، لتؤكد المقاومة انه لا تلهيها الملفات الداخلية عن الجهوزية الدائمة لهدفها الرئيسي: التصدي للكيان.

 وأثناء عودة مجاهدي حزب الله مروراً من أحياء بلدة شويا الجنوبية، اعترض طريقهم مجموعة من شباب البلدة واعتدوا عليهم، في حدث ايضاً وصف بالمدبّر مسبقاً، لكن تدخلت المرجعيات الدرزية لحل القضية. 

2. على المستوى السياسي

 شهد عام 2021 العديد من التعقيدات السياسية بدأت بالشلل الحكومي الذي رافق البلد لأشهر منذ إعادة تعيين سعد الحريري للمرة الثانية بعد استقالة الرئيس السابق حسّان دياب ثمّ الفراغ الطويل الذي استمر حوالي 9 أشهر بسبب امتناع الحريري عن التشكيل بحجج وعُقد مختلفة منها ما كان داخلياً ومنها بسبب ارتباطات الحريري الخليجية، ليعتذر الحريري عن التشكيل بما طرح العديد من علامات الاستفهام حول انكفاء ما يعرف بـ “الحريرية السياسية” عن البلد. وبعد جولة من التشاور وطرح الأسماء، كلّف الرئيس الحالي نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة اللبنانية الحالية التي تسلّمت مهامها بتاريخ 20 أيلول بعد منحها الثقة في المجلس النيابي.

لكنّ هذه الحكومة، ومع شهورها الأولى، تعرّضت للكثير من المطبات التي كادت ان تطيح بها قبل نهاية هذا العام، فأزمتي القاضي طارق البيطار والمفتعلة سعودياً عطّلت جلساتها الوزارية ووضعت ميقاتي عند حافة الاستقالة.

أولاً، ان الأسلوب الاستنسابي والمسيّس الذي اتبعه المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت باستدعاء نواب ووزراء من فريق واحد بشكل متعمّد دون آخرين، فكان قرار الثنائي حزب الله وحركة أمل مقاطعة الجلسات الوزارية، بما لا يفقد قرارات الحكومة “الميثاقية”، واعتبرت الخطوة نوعاً من الاحتجاج السياسي على أداء القاضي بيطار.

السعودية والوزير قرداحي

ثانياً، افتعلت السعودية أزمة في العلاقات الدبلوماسية التي قطعتها مع لبنان على خلفية إعادة نشر تصريح لوزير الاعلام جورج قرداحي، قبل توليه منصبه الوزاري، يصف فيه العدوان السعودي على اليمن المستمر لحوالي السبع سنوات بـ “الحرب العبثية”، رفض القرداحي الرضوخ للضغوطات الخليجية وتقديم استقالته، ما صعّد من الضغوطات الخليجية على البلد وعلى الرئيس ميقاتي، حتى قبل القرداحي الاستقالة لمصالح وطنية وضمان استمرار الحكومة اللبنانية دون تعديل في موقفه عن الحرب السعودية على اليمن. لكنّ امتثال الدولة اللبنانية لضغط الخليج كان له التداعيات السلبية على سيادة لبنان حيث ان السعودية التي تدعي انكفاء – ولو ظاهرياً- عن لبنان لم تقدّم مقابل الاستقالة أي ضمانات سياسية أو مالية. 

وكان ايضاً تحديد موعد الانتخابات النيابية في 15 أيار من العام المقبل استحقاق سياسي فتح الأبواب لإعادة الحديث حول المشهد السياسي في البلد، وشكل التحالفات بين القوى الأساسية، وبلورتها قبل الموعد المحدّد، ولا يزال المشهد الانتخابي ضبابياً.   

2. على المستوى الاقتصادي والاجتماعي

عاش لبنان خلال هذا العام تفاقماً حاداً للأزمات المالية والاقتصادية التي بدأت تظهر عملياً في العام 2019 نتيجة سوء إدارة وهدر وفساد متراكم لعقود ماضية في مؤسسات الدولة.  

وتصدّر مشهد الاقتصادي للعام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتعاميمه، حيث انقطع الدعم عن المواد الأولية والاساسية ومنها النفطية والطبية، ليُترك الشعب اللبناني في طوابير أمام محطات الوقود والمراكز الطبية والأفران، بالإضافة الى الاحتكارات الواسعة التي زادت من المعاناة، وكلها كانت تتم بطريقة مخطط لها وممنهجة. بالإضافة الى التعاميم المصرفية التي أفقدت المودعين اللبنانيين أكثر من 75% من أموالهم في المصارف.

أما ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية الذي كان بداية العام حوالي 8900 ليرة للدولار الواحد ليختتم العام متجاوزاً عتبة الـ 28 ألف ليرة للدولار الواحد، مسجلاً ارتفاعاً سنوياً بحوالي الـ 20 ألف ليرة، لم يكن الا بفعل التلاعب الممنهج بسعر الصرف من الحاكم وبعض القوى المشاركة في إدارة الأزمة خدمة لأجندات خارجية لا سيما الأمريكية، مما أفقد المواطن قدرته الشرائية، وجعل الحد الأدنى لتأمين المستلزمات الأساسية يحتاج الى مبلغ قدره حوالي الـ 4 الى 8 مليون ليرة شهرياً، في وقت بقى فيه الحد الأدنى للأجور في البلد على المبلغ القديم وفق سعر صرف 1500 ليرة للدولار الواحد.

كما شهد لبنان بسبب فقدان المشتقات النفطية، أزمة في قطاع الكهرباء – القطاع الذي عانى مشاكل قديمة – كما انقطعت “مولدات الاشتراك الخاصة” عن تغطية العجز في التيار الكهربائي، ما أغرق البلد في فترة طويلة امتدت لأشهر في شبه الظلام الكامل، وهدّد انهيار العديد من القطاعات لا سيما المستشفيات.  

ولا بد من الإشارة الى ان السفارة الامريكية كانت شريكة أساسية في الإمعان بمعاناة الشعب اللبناني على كافة المستويات بسبب الحصار الأمريكي الذي تمارسه مقابل ابتزار سياسي بالحصول على تنازلات من الجانب اللبناني خدمة لمصالحها ومشروعها في المنطقة.

4. حزب الله

أطلق حزب الله هذا العام سياسة “التخفيف عن الناس”، فكان قرار الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله استقدام المشتقات النفطية ولا سيما مادة المازوت من الجمهورية الاسلامية الإيرانية عبر سوريا تحدياً وكسراً للحصار ولسياسات واشنطن وادواتها في البلد، مما ساهم في إعادة توفير مادة المازوت في الأسواق اللبنانية وبأسعار مقبولة، ومجانية للبعض حسب تصنيف الأولويات، مما أنهى أزمة انقطاع المولدات الكهربائية، وكانت السفن نوعاً من المواجهة المباشرة مع الإدارة الامريكية وحتى مع الكيان الإسرائيلي حيث أعلن السيد نصر الله ان السفن النفطية القادمة ستكون ارضاً لبنانية، واستهدافها يعني الرد الحتمي المناسب.

وعلى إثرها سارعت السفيرة الأمريكية دوروثي شيا الى “إعطاء الضوء الأخضر” لاستجرار الغاز المصري الى لبنان عبر الأردن وسوريا، ما كان تأكيداً على ان الولايات المتحدة كانت تمنعه عن لبنان في إطار ممارسة حصارها، لكن استقدام الغاز عاد ليعرقل بسبب شروط أمريكية تعجيزية، وقد تلقت السفيرة شيا عقب القرار توبيخاً من إدارة بلادها على انفرادها وتسرعها بالخطوة.

 5. التدخلات الامريكية

ربما يعتبر العام 2021، عام التدخّل الأمريكي العلني بالشأن الداخلي اللبناني بامتياز، فطالت أيادي واشنطن عمق الدولة اللبنانية ومؤسساتها من المالية الى القضائية والسياسية. كما شهد العام كثافة في نشاطات السفيرة شيا التي لم تتوقف عن زيارة المسؤولين السياسيين والعسكريين متجاوزة كل الأعراف والاتفاقيات الدبلوماسية! بالإضافة الى قيامها بفعاليات في الشارع اللبناني من استعراضات توزيع كمامات واستقدام اللقاح.

وشهد هذا العام أيضاً توسيع السفارة الامريكية في عوكر وافتتاح مبنى جديد بمساحة 174 ألف متر مربع، ليكون “بمثابة مركز قيادة عمليات عسكرية وأمنية تنسق الوجود الأميركي العسكري والاستخباري في لبنان وسوريا والمنطقة”، بحسب مصادر خاصة “للخنادق”.

ومما كان لافتاً هذا العام أيضاً، كثرة زيارة الوفود الدولية الى لبنان وأكثرها كانت وفود أمريكية ومن أهمها الوفد من نواب الكونغرس الأمريكي، وادعت الوفود مناقشة الوضع الراهن في البلاد، ورعاية المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ولعب دور الوساطة مع الكيان الإسرائيلي في مسألة ترسيم الحدود البحرية التي حظيت باهتمام خاص هذا العام حيث كانت الملف المنتظر من لبنان ان يقدّم فيه تنازلات. بالإضافة الى لقاءات الوفود على المجموعات غير الحكومية التي تعتبر أداة أمريكية – في التمويل والقرارات – ستخوض الانتخابات النيابية القادمة.

لبنان 2022؟

وسط كل هذه التعقيدات الداخلية على المستويات كافة، تضاف اليها أيادي العبث الخارجية، تطرح علامات الاستفهام حول المشهد السياسي والاقتصادي للعام المقبل، فمن المرتقب ان تكون الانتخابات ونتائجها أو احتمالية تطييرها، أدوات لخلط كل الأوراق في البلد. فيما تبقى الأسئلة الجدية حول سيادة لبنان وصونه من وظائف الدولة ومسؤوليها أمام الانتهاكات الخارجية وخاصة الأمريكية والخليجية، واتخاذ الخطوات الجديّة للتخفيف من حدّة الانهيار الذي أنهك المواطن ووضع مستقبله ومستقبل البلد على حافة الهاوية!


الكاتب:الخنادق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى