يأتي لقاء رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، وزير الأمن الإسرائيلي، بني غانتس، بطلب من الأخير، في ظرف إقليمي ضاغط، يتطلّب من تل أبيب تركيز مواردها واهتماماتها على تهديدات استراتيجية ذات طابع وجودي، وبالتالي السعي للتهدئة في ساحات أخرى أقلّ إثارة للتهديد، وإن كانت مصدراً للإيذاء، كما هو الوضع حالياً في الأراضي المحتلّة، التي تشهد موجة عملياتِ مقاوَمة، في ظلّ تضعضع مكانة السلطة ومحدودية قدرتها على المناورة. وفي خضمّ هذه الأوضاع، تجد إسرائيل نفسها أمام جملة تحدّيات، تتزاحم بمواجهتها المصالح الخاصة والعامة، الأمر الذي تُجلّيه إشكالية «معاداة» رام الله طلباً لرضى الجمهور الذي يزداد يمينيةً، وفي الوقت نفسه التعاون معها بوصْفها واحدة من أهمّ أدوات الاحتلال لمنْع التهديدات الأمنية عنه، خصوصاً أن السلطة بلغت في إخلاصها لوظيفتها هذه، حدّاً لم يَدُر في مخيّلة الإسرائيليين أنفسهم في تسعينيات القرن الماضي، من دون أن يتأثّر أداؤها هذا حتى بالإمعان في التضييق عليها وإذلالها. ومن هنا، يجد السياسيون الإسرائيليون منفذاً واسعاً لإطلاق المزايدات في ما بينهم بخصوص رام الله، والتَّفنّن في محاصرتها، ليس من بوّابة قضايا المسيرة التفاوضية التي ماتت و«شبعت موتاً» فحسب، بل وأيضاً في عوامل بقائها على قيد الحياة.
قد يرى البعض في التوصيف المُتقدّم مبالَغة، لكنّ هذه هي الحقيقة التي لا تفتأ تتأكّد يوماً بعد يوم. لكن مع ذلك، تَظلّ لِلقاء غانتس – عباس، بعد طول قطيعة، دلالة خاصة، تشي بأن الأمور بلغت، بالنسبة إلى إسرائيل، خطّاً أحمر يستلزم منها التحرّك، إذ تُواجه تل أبيب خطرَين داهمَين، متمثّلَين في احتمال انهيار السلطة، والهَبّة الأخيرة في الضفة الغربية، إضافة إلى التهديد المتأتّي من قطاع غزة، وما يستتبعه كلّ ذلك من تداعيات على الأمن الإسرائيلي، فضلاً عن انشغال تل أبيب بتهديدات ذات طابع استراتيجي – وجودي، في مقدّمها البرنامج النووي الإيراني، وتعاظُم قدرات أعدائها، في ظرف دائم التَّغيّر ومتشعّب العوامل وغير واضح المآلات. وإذ باتت السلطة الفلسطينية ضعيفة على المستويَين الشعبي والسياسي، ومأزومة على المستوى الاقتصادي، فإن العمليات التي تُنفّذ في الأراضي المحتلّة يمكن أن تشكّل خطراً عليها نفسها، وتَدْفع في اتجاه تعميق أزمتها.
لكن بالنسبة إلى إسرائيل، فإن أيّ تَحرّك لإنقاذ السلطة وتمكينها من البقاء، باعتبارها أهمّ وسيلة دفاعية عن الاحتلال في وجه المقاومين، يبقى محكوماً بـ«لاءَيْن»: لا عطاءات عبر «المسيرة السياسية» والمفاوضات، ولا خطوات من شأنها الدفع نحو الانهيار التامّ. تُفسّر اللاء الأولى سبب امتناع رئيس حكومة العدو، نفتالي بينت، عن لقاء «أبو مازن»، إذ إن لقاءً من هذا النوع قد يحمل إشارات تفاوضية، كما سيستدعي حتماً هجوماً يمينياً عليه كونه «خان التطرّف». ومن هنا، تُوكَل مهمّة اللقاءات إلى وزير الأمن، الأقلّ يمينية (محسوب على الوسط)، والذي توحي صفته بأن ما يقوم به متّصل بشؤون أمنية فحسب. أمّا على مستوى اللاء الثانية، فإن اجتماع غانتس – عباس، يمثّل محاولة في اتّجاه امتصاص الغضب الفلسطيني الضاغط على السلطة حتى تُقدِم على فعْل ما لا تريده ولا تقوى عليه؛ واستشراف ما يمكن تقديمه لها للتخفيف من أزمتها، وهو ما برز في الإعلام العبري عن طريق الحديث عن تسهيلات وقروض وتخفيف ضرائب وأذونات عمل؛ والأهمّ الالتفاف على الضغط الأميركي الذي تبدّى بشكل واضح خلال زيارة مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جايك سوليفان، لتل أبيب، حيث جرى التشديد على ضرورة التمسّك بوجود السلطة ووظيفتها.
إذاً، ما بعد اللقاء هو استمرار لما قبله: تسهيلات اقتصادية تُعطَى للسلطة، في مقابل تعزيز التنسيق الأمني بوجه تصاعُد الفعل المقاوِم في الضفة، والذي من شأنه تشديد الضغوط على رام الله، وكذلك على تل أبيب، وإشغال الأخيرة عمّا هو أكثر أهمّية إقليمياً. وإذ لا تبدو نتيجة الشطر الأوّل من المعادلة مضمونة في ظلّ انفلات الغضب الفلسطيني على السلطة، فإن الشطر الأخير يَظهر حتميّ الوقوع، نظراً إلى تحوّل السلطة إلى جزء لا يتجزّأ من ماهية الاحتلال وهُويّته، بحيث إن ما يضرّها يضرّه هو، وبالتالي فإن المقاومة عدوّ طبيعي لها، وهو ما لا يفتأ يثير إعجاب إسرائيل واندهاشها.