ٍَالرئيسية

بن سلمان يحاصر إيران في لبنان باللغة الفرنسية..

خالد البوّاب -أساس ميديا

هل نجح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في تحميل رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون “روايته” ووجهة نظره من الأزمة في لبنان ومعه؟

قد يكون هذا صحيحاً إذا قرأنا البيان السعودي الفرنسي بعد زيارة ماكرون السعودية. لأنّه أعاد الحياة للعنوان السياسي المركزي الذي يشكّل عصب الأزمة اللبنانية. وهو “عدم تطبيق القرارات الدولية، والتغاضي عن سطوة حزب الله، ومن خلفه إيران، على لبنان وسياسته الخارجية والداخلية”.

نجحت المملكة العربية السعودية في إعادة تسليط الضوء إقليمياً ودولياً على هذه العناوين، بعدما كانت العناوين المعيشية والاقتصادية والمالية هي المسيطرة على “الرواية اللبنانية”، منذ انهيار المصارف ثم الاقتصاد في تشرين الثاني 2019.

انتزعت السعودية اعترافاً فرنسياً بهذا الجانب من الأزمة، الذي كانت تسعى باريس إلى تغييبه أو التغاضي عنه منذ ما قبل المبادرة الفرنسية التي طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في آب 2020. وذلك تحت وطأة استمرار تفريقها بين “جناح مدني” و”جناح عسكري” لحزب الله، وانخراطها في صفقات سياسية ومالية ونفطية مع طهران، في إيران والعراق وربما لبنان مستقبلاً.

وللبيان أهميّة استثنائية أنّه يشير إلى خريطة الطريق الواضحة التي لا بدّ من أن يسلكها لبنان ليتجاوز أزمته أو يخرج منها، وبدونها فإنّ الأزمة ستمتدّ والانهيار سيستمرّ.

يأتي البيان على وقع تحوّلات وتطوّرات إقليمية ودولية كبرى يعيشها العالم. من التوتّر بين أوكرانيا وروسيا، إلى العرقلة التي تصيب مفاوضات فيينا، وتصاعد الصراع الصيني الأميركي، وزيادة حجم الضغوط الإسرائيلية على واشنطن كي لا تذهب إلى اتفاق مع إيران يسمح لها برفع نسبة تخصيب اليورانيوم، والتطوّرات في المنطقة العربية التي تمثّلت بالموقف السعودي القطري الرافض للتطبيع مع نظام الأسد، مقابل الانفتاح الإماراتي على دمشق وطهران.

أوّلاً: التوتّر الروسي الأوكراني الذي لا تبدو واشنطن بعيدة عنه. في ظلّ التحشيد العسكري الروسي على حدود أوكرانيا في مواجهة التحشيد العسكري الأوكراني المدعوم من الأميركيين. وروسيا لم تتّخذ قراراً بالدخول إلى سوريا في أيلول العام 2015 إلا بعد خسارتها أوكرانيا ودخولها في معركة ضمّ شبه جزيرة القرم. أوكرانيا كانت خسارة هائلة لموسكو لأنّها منفذها على البحر الأسود وباتجاه أوروبا. حاولت التصعيد والردّ في سوريا من خلال الوصول إلى المياه الدافئة، حلم روسيا التاريخي الذي يعود إلى زمن الإمبراطورة كاترين الثانية. لذا قرّر بوتين الدخول العسكري إلى سوريا بعد ساعات من لقاء جمعه بالرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. حالياً يُعقد لقاء بين الرئيس الأميركي جو بايدن وبين بوتين لبحث تطوّرات أوكرانيا وغيرها من الملفّات. ومن غير المعروف كيف ستكون تداعياته، وسط تحليلات كثيرة تتخوّف من دخول روسيا في صراع عسكري مع أوكرانيا، فيما تقديرات تتوقّع عدم الخروج عن سياق المناوشات العسكرية، فيما يعتبر رأي ثالث أنّ الأزمة ستتحوّل إلى ما يشبه مصير أزمة الصواريخ الكوبية.

لكن هل يدفع التصعيد بين روسيا وأوكرانيا بموسكو إلى تقديم سياسة روسيّة جديدة في المنطقة، وتحديداً في سوريا؟

الجواب غير واضح حتى الآن، لكن لم يعد من مجال للفصل بين هذه الملفّات المترابطة. وموسكو كانت دخلت سوريا بموافقة ضمنيّة أميركية، وبدأت مراحل الإعداد لذلك منذ تخلّف الأميركيون عن توجيه ضربة إلى النظام السوري في العام 2013 بعد استخدامه السلاح الكيمياوي ونجاح روسيا في عقد صفقة بين النظام وواشنطن.

ثانياً: التباعد بين إيران وأميركا في مفاوضات فيينا، التي أُجِّلت إلى جولة جديدة. لدى واشنطن متّسع من الوقت لأنّ إدارة بايدن ستبقى ثلاث سنوات أخرى في الحكم، فيما طهران هي التي تستعجل عقد الاتفاق. وهذه قاعدة منقلبة عمّا كان عليه الوضع أيّام إدارة أوباما. الطرفان يريدان الاتفاق، وبغية الوصول إليه سيكونان محكومين بتقديم تنازلات متبادلة على الرغم من استخدام لعبة حافّة الهاوية.

ثالثاً: تتركّز السياسة الأميركية في هذه المرحلة على ضرورة مواجهة الصين، منذ انسحابها من أفغانستان، وتعزيز العلاقة مع الهند، ومحاولة استقطاب إيران. هذا الصراع الكبير ستكون له تداعيات كثيرة على واقع المنطقة.

رابعاً: الضغط الإسرائيلي الاستثنائي الذي يُمارس على واشنطن لعدم الدخول في اتفاق مع إيران، وسط زيادة منسوب العمليات العسكرية والأمنيّة الإسرائيلية ضدّ أهداف إيرانية داخل إيران أو في سوريا، لإحراج الأميركيين، وإطلاق إشارات إيجابية باتجاه بعض الدول العربية.

هنا ينقسم المشهد إلى قسمين:

– قسم من العرب والخليجيين يريد العلاقة مع سوريا.

– وقسم آخر يرفض هذه العلاقة.

دولة الإمارات مثلاً تريد تعزيز العلاقة مع النظام السوري وتصفير المشاكل مع تركيا وإيران ضمن سياسة واضحة تقوم على حفظ الاستقرار. فيما السعودية وقطر ترفضان التطبيع مع النظام السوري. انطلاقاً من العلاقة بين هذه الدول وواشنطن، قد يبدو في هذا المسار السياسي نوعٌ من توزيع الأدوار، على قاعدة أنّ بعض الدول تحاول استقطاب الأسد، ودول أخرى تبقيه منبوذاً.

 

التنسيق الإسرائيلي الروسي

يتلاقى ذلك مع زيادة التنسيق الإسرائيلي الروسي حول الملف السوري، إلى جانب ارتفاع نسبة الضربات الإسرائيلية الموجّهة ضد أهداف إيرانية في سوريا، وآخرها استهداف أحد عنابر مرفأ اللاذقية في عملية نوعية وتطوّر استثنائي في مجريات الصراع لأنّه استهداف لموقع إيراني في منطقة على الساحل السوري خاضعة لسيطرة الروس، وهو ما لا يمكن أن يحدث بدون موافقة روسية واتفاق كامل بين موسكو وتل أبيب بشأنه. الضربة هي استكمال لعملية سابقة نُفّذت قبل فترة في صافيتا، حيث عمل الإسرائيليون على تدمير موقع إيراني كبير بالكامل. تشير هذه الضربة الجديدة إلى مسار جديد تسلكه التطوّرات في سوريا من حيث زيادة الضغط على الوجود الإيراني. الرسالة الأساسية هي أنّه لا يمكن للإيرانيين أن يكونوا موجودين في المنطقة العلوية في سوريا، ولا يمكن لمثل هذا السقف الإسرائيلي أن يوضع بدون موافقة ضمنية روسية. تلك العمليات ورسائلها وإشاراتها سيكون لها المزيد من الأبعاد والتطوّرات في المرحلة المقبلة. من هنا يمكن فهم حركة بعض الدول العربية باتجاه سوريا أو حتى إيران على أنّها تخفيف لحدّة التوتّر والتصعيد وتلافٍ لِما قد يأتي لاحقاً.

الاختلاف الذي تلتقي عليه بعض الدول العربية في سوريا، يقابله موقف عربي وخليجي جامع إزاء الوضع اللبناني الذي لا بد من إصلاحه جذرياً، ومن هنا تأتي أهمية البيان الفرنسي السعودي المشترك الذي يعيد وضع السياسة في لبنان على السكّة الصحيحة، لأنّ المسألة استراتيجيّة وأبعد بكثير من اتصال هاتفي عابر.

وبالتالي لا يمكن فصل “الخطاب السعودي” العالي النبرة، داخل البيان السعودي – الفرنسي”، عن التطوّرات المذكورة أعلاه. فالحراك كلّه يتمحور حول إبعاد إيران من سوريا، وتحييد الأسد أو محاولة فكّ علاقته بإيران. وكلّ هذا يتماهى مع محاولة الإضاءة على “الاحتلال الإيراني” للبنان، ومداواة هذا الجرح العربي الكبير من خلال “قرارات الشرعية الدولية”.

إنّه نص يحاصر إيران ويفضحها في مكان ما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى