تحقيقات - ملفات

صلاة “الجنّاز” على لبنان المحتضر!

 

عماد الدين أديب -أساس ميديا

للأسف الشديد في كلّ المعادلات المتخيَّلة أو الخرافية في الداخل أو المنطقة أو العالم، فإنّ لبنان خاسر بقوّة ما دامت ثنائيّة التحالف بين عون وحزب الله قائمة.

كلّما فكّرت وتخيّلت رأيت أنّ مسار التدهور والتفكّك والتحلّل لمشروع الدولة الوطنية يتدحرج بقوّة صاروخية إلى القاع.

تعالوا نستعرض الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة:

أوّلاً: الاحتمال الإقليمي:

ترتبط الحالة اللبنانية أكثر من غيرها بتعاظم نفوذ الوضع الإقليمي عليها.

من هنا يمكن فهم أنّ قرار اللاعب المحلّي اللبناني شبه معدوم، ويبقى القرار للمشغِّل أو “المصدر” أو “المركز” الرئيسي في طهران.

لذلك تبقى المسألة كلّها رهينةً بتوصّل إيران إلى اتفاق مع مجموعة “الخمسة + واحد”.

إنّ مستقبل الاتفاق النووي له 3 احتمالات رئيسية هي:

1- التوصّل لاتفاق.

2- الوصول إلى طريق مسدود.

3- تأجيل حسم الاتفاق إلى مرحلة ما بعد انتخابات مجلسيْ الشيوخ والنواب في واشنطن أو عقب وضوح نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2024.

إذن نحن أمام الحلّ أو اللاحلّ أو التأجيل.

يُضاف إلى ذلك متغيّر آخر محتمل، وهو احتمال تغيير رأس النظام في إيران إذا ما غيّب الموت المرشد الأعلى الذي يواجه ظرفاً صحّياً صعباً جدّاً منذ سنوات.

في جميع الأحوال تبقى المعادلة خاسرة للبنان، لماذا؟

لو تمّ الاتفاق مع إيران فسوف يُسلَّم بنفوذ إيران في لبنان، وفي الغالب سوف يزداد نفوذ حزب الله في الداخل اللبناني، وسوف تقوى شوكة حلفائه (عون، حركة أمل، المردة، حلفاء النظام الأمنيّ السوري).

وفي حال عدم التوصّل إلى اتفاق، سوف يقوم “المصدر في طهران” بإعطاء الأوامر إلى الوكلاء في صنعاء وغزّة وبغداد ودمشق وبيروت بمضاعفة سياسات القوّة وتعريض مصالح حلفاء الولايات المتحدة الأميركية لمنسوب أعلى من المخاطر والأضرار بهدف تكثيف الضغط على واشنطن وزيادة ابتزازها الإقليمي في مصالحها.

أما في حال تأجيل التوصّل إلى تسوية، فإنّ المسألة سوف تكون أمام احتمالين: إمّا بقاء الحال السيّئ على حاله أو مزيد من التسخين السياسي والأمني تبعاً لتواتر الأحداث.

وفي حال استمرار نظام الرئيس بشار الأسد أو تغييره، فإنّ الاحتمالات ستكون على النحو التالي:

أوّلاً: بقاء نظام الرئيس الأسد وإعادة تأهيله سوف يؤدّيان بالضرورة إلى عودة النظام الأمنيّ السوري إلى السيطرة على مفاصل الدولة في لبنان بقوّة عبر حلفائه، وأهمّهم “حزب الله” الذي يدعم هذا النظام بقوّة في حلّ أزماته الداخلية، سواء في ما يتعلّق بموادّ الطاقة والموادّ الغذائية، أو توفير الدولار الأميركي من خلال استنزاف الاقتصاد اللبناني.

ثانياً: في حال تغيّر نظام الرئيس الأسد، وهذا احتمال ضعيف في المدى القصير،  سواء كانت السلطة الجديدة من الحرس القديم لنظام الأسد أو من قوى الإصلاح المعارِضة، فإنّ الأهميّة الاستراتيجيّة للبنان بالنسبة إلى أيّ حاكم في دمشق هي مسألة مبدئية وجوهرية بصرف النظر عن طبيعة مَن يجلس في قصر المهاجرين بدمشق، وذلك أنّ في سوريا قناعة تاريخية بأنّ لبنان، على الرغم من استقلاله الشكليّ عام 1943، هو قطعة من سوريا الكبرى، وهو الخاصرة الأمنيّة والحديقة الخلفيّة لسوريا.

 

ثانياً: التغيير الدوليّ:

في حال بقي بايدن وحزبه الديموقراطي أو جاء الجمهوريون ودعموا رئيساً جمهورياً، فإنّ الموقف الأميركي اتجاه لبنان هو فقدان الأمل في إمكانية التعاون مع الطبقة السياسية اللبنانية.

تؤكّد تقارير الاستخبارات الأميركية عن لبنان منذ عهد إدارة ترامب عدم جدوى التدخّل الأميركي في الملفّ اللبناني. وتشدّد على أنّ “الطبقة السياسية اللبنانية هي عبارة عن بقايا قيادات الحرب الأهلية السابقة، ويمارسون السياسة من قبيل السيطرة على مفاصل البلاد من أجل امتلاك القدرة على ممارسة فسادهم المالي وتقاسم النفوذ، ويؤجّرون ولاءاتهم وقدراتهم لكلّ مَن يدفع لهم”.

في حال فرنسا، فإنّ أزمة نظام ماكرون الداخلية بدءاً من الاضطرابات الداخلية وصعود تيّار اليمين وفشل الحكومة الفرنسية في إدارة ملفّ الكورونا، وخروج بريطانيا من البريكس، وتقاعد أنجيلا ميركل، كلّها عناصر تجعل تحرّكات ماكرون الخارجيّة محدودة ومرتبطة بمحاولة إحراز أيّ نجاح خارجي يضمّد جراح أزماته الداخلية.

اهتمام ماكرون الرئيس هو النفاذ من خلال أزمات الشرق الأوسط والبحث عن زبائن للسلاح والخدمات والسلع الفرنسية لإنقاذ الشركات الكبرى ومعالجة الاقتصاد الفرنسي الذي يواجه بقوّة احتمال خفض تصنيفه الائتماني من قبل مؤسسات التصنيف الدولية.

باريس ظاهرة صوتية أكثر منها طرفاً مؤثّراً في لبنان.

وأستطيع أن أؤكّد، على “مسؤوليّتي”، أنّ باريس طلبت من السعودية تنشيط دورها في لبنان تحت مظلّة فرنسية، لكن من خلال إجراءات تقوم الرياض وحدها بتمويلها!

وأؤكّد أنّ الرد السعودي كان واضحاً، ومَن يسعى لدور عليه أن يدفع ثمنه، بمعنى أنّ السعودية لن تنفق على مشروع فرنسي يقوم في نهاية الأمر بتأهيل حزب الله اللبناني.

ولا يغيب عن التصوّر حلم فرنسا بإنجاز الاتفاق النووي مع إيران بسرعة حتى تعود الشركات الفرنسية إلى طهران كي تستفيد من عمليّات إعادة الإعمار هناك بعد أن يتمّ الإفراج عن الأرصدة المجمّدة.

بالنسبة إلى السعودية، فإنّ لبنان المفيد هو “ذلك الذي لا يحكم قراره الإقليمي تحالفٌ مسيحي-شيعي يتلقّى أوامره من طهران ودمشق”.

هذه المعضلة واضحة تماماً داخل خليّة الأزمة التي تدير الملفّ اللبناني في الديوان الملكي السعوديّ.

من هنا يمكن فهم أنّ استقالة وزير الإعلام الزميل جورج قرداحي لن تؤدّي إلى إصلاح العلاقات بين بيروت والرياض لأنّ المسألة أكبر من تصريحات سياسية أو مواقف عدائية أو حتى اتصال هاتفي برعاية ماكرون.

باختصار لن تتدخّل الرياض بالنفوذ والأموال والاستثمارات والسيّاح والودائع في نظام سياسي يديره رئيس جمهورية متحالف مع حزب سياسي ميليشياوي وكيل للنظام الإيراني المموِّل والمسلِّح لنظام الحوثي الذي يهدّد ليل نهار الأراضي والمطارات ومصافي النفط السعودية.

باختصار أشدّ، “عون وحزب الله حليفا الدولة التي تدعم مَن يهدّد بلادنا”.

من هنا يأتي الموقف السعودي صريحاً واضحاً: إذا أرادت إيران أن تسيطر على لبنان فإنّ عليها أن تتكفّل وحدها فاتورة كلّ احتياجات لبنان.

خلاصة القول لن تموِّل السعودية مشروعاً إيرانياً في لبنان.

يبقى في النهاية الاحتمال المحلّي:

سواء تمّت الانتخابات التشريعية أم لم تتمّ، وسواء مدّد الرئيس عون ولايته الرئاسية أم لم يمدّد، فإنّ جميع المؤشّرات تؤكّد أنّ تحالف التيار الوطني الحرّ والثنائي الشيعي وأنصار النظام الأمنيّ السوري هو القابض على مفاصل الحكم أمنيّاً أو الحاصل على الأغلبيّة العدديّة.

يتمّ ذلك كلّه في ظلّ إحباط سنّيّ غير مسبوق ينذر بخطر عظيم على مستقبل السُنّة السياسي.

كلّ الاحتمالات المحلية، الإقليمية، الدولية، كما سبق، تؤكّد أنّ لبنان الذي كنّا نعرفه سابقاً لن نعرفه كما كان أبداً!

لبنان، للأسف، مريضٌ لا شفاء له ولا دواء لمرضه العضال!

لبنان الذي عرفناه مفقود، مفقود، مفقود يا ولدي!

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى