هل تنهي استقالة “قرداحي” الأزمة بين لبنان والسعودية؟

لا يبدو أن الأزمة في طريقها للحل السريع حتى بعد استقالة قرداحي- جيتي

عربي21- قدامة خالد

قدم وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، الجمعة، استقالته من منصبه، وهو ما كانت تطالب به السعودية وبعض دول الخليج، ردا على تصريحات صرح بها لبرنامج على موقع يوتيوب قبل استلام منصبه وصف بها حرب السعودية في اليمن بالعبثية.

وكانت قد نشبت أزمة دبلوماسية بين السعودية ودول خليجية أخرى من جهة ولبنان من جهة أخرى على أثر هذه التصريحات، وقامت هذه الدول بسحب سفرائها من بيروت، وطالبت باستقالة الوزير اللبناني.

وشاعت أخبار خلال الفترة الماضية بأن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، سيقوم خلال جولته الحالية في المنطقة ببحث ملف الأزمة السعودية اللبنانية، سعيا لإنهائها ولبحث دعم لبنان المنهك اقتصاديا وسياسيا.


خطوة في الاتجاه الصحيح ولكن..

 
ويبقى السؤال هل فعلا ستنهي هذه الاستقالة الأزمة، وما احتمالية أن يتمكن ماكرون من إقناع دول الخليج بضرورة العودة لدعم لبنان والتغاضي عن مطالب أخرى كانت السعودية تطلبها، ومنها تحييد دور حزب الله في الحكومة؟

اعتبر الكاتب والصحفي السعودي مبارك آل عاتي، أن “استقالة الوزير جورج قرداحي خطوة في الاتجاه الصحيح من قبل الحكومة اللبنانية”، إلا أنه عبر عن اعتقاده بأنها “ليست جوهرية ولن تحدث تقدما حقيقا لحل الأزمة اللبنانية، إذ إن مأخذ المملكة على الوضع في لبنان أعمق بكثير من مجرد تعليقات قرداحي واستقالته”.

وأوضح آل عاتي خلال حديثه لـ”عربي21″، أن “السعودية ومن ورائها مجلس التعاون الخليجي يريدون أن يكون لبنان دولة مستقلة ذات سيادة، بعيدا عن الهيمنة الإيرانية وبعيدا عن هيمنة حزب الله بسلاحه ونفوذه السياسي واختطافه للدولة اللبنانية”.

وأكد أن “الاستقالة ليست المطلب الوحيد، بل هناك خطوات حقيقية تطالب بها دول مجلس التعاون الخليجي لتصحيح الأوضاع في لبنان الشقيق وعودته دولة وطنية تحتضن أبناءها وتقوم على رعاية شؤونهم ومصالحهم بعيدا عن أحضان الدولة الإيرانية ونظام الملالي الذي يعادي الدول العربية”.

وأضاف: “هذه الاستقالة وإن كانت متأخرة إلا أنها لن تقدم حلا حقيقيا، لكنها خطوة في الاتجاه الصحيح، ونأمل من الزعامات اللبنانية التصدي لمسؤولياتهم التاريخية تجاه الدولة والشعب، وأن يتنادوا لتصحيح أوضاعهم الداخلية عبر إجراء انتخابات برلمانية حقيقية بعيدا عن المحاصصة الحزبية والطائفية والمذهبية، وأن يكون همها الأول حماية مصالح البلد والشعب، وتطبيق سياسة النأي بالنفس بعيدا عن الارتماء بأحضان النظام والقرار الإيراني وأن يتخلصوا من الأدوات الإيرانية التي أنهكت الدولة والشعب اللبناني وحولت لبنان إلى جمهورية فاشلة”.

نصر معنوي

 
وكانت كثير من التقارير الاعلامية قد أشارت إلى أن السبب الحقيقي للأزمة هو وجود حزب الله في الحكومة، أيضا عدم تدخل السعودية لفرض موالين لها كوزراء في الحكومة، واعتراضها على النفوذ الإيراني في لبنان.

وحول ما إذا كانت هناك شروط أخرى بخلاف الطلب باستقالة قرداحي لعودة العلاقة الطبيعية، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة الأردنية، حسن البراري، أن “استقالة قرداحي نصر معنوي للسعودية والدول التي توافقت معها في مطلبها، وفي تقديري هي انتصار رمزي وبنفس الوقت تقديم تنازل تكتيكي من قبل محور حزب الله والمقربين منه في لبنان لكنه لن يفضي إلى حل الأزمة بين البلدين”.

وتابع البراري في حديث لـ”عربي21″: “السعودية التي استثمرت مليارات في لبنان، تبين أن الرابح منها سياسيا هو التيار الموالي لإيران، بالتالي وفي تقديري فإن الخطوة السعودية ككل هي عبارة عن تعبير عن إحباط سعودي لعدم القدرة على التأثير في الساحة اللبنانية الداخلية برغم كل مجالات الاستثمار السياسي والمالي في لبنان”.

وأكد أن بالإمكان على الأقل “احتواء الأزمة إعلاميا بحيث سيخبو الحديث عنها، ولكن الملفات العالقة بين الطرفين ما زالت قائمة، فهناك خلاف جذري بين السعودية والقوى الموالية لإيران في الساحة اللبنانية، وهذه القوى لا تريد تقديم أي تنازل للرياض، وبالمحصلة فإن الاستقالة انتصار رمزي للسعودية لكنه لن يؤدي لحلحلة الأزمة وإعادة العلاقات اللبنانية الرسمية مع السعودية إلى سابق عهدها”.

وحول إمكانية دفع استقالة الوزير قرداحي الرياض لتجلس على طاولة الحوار مع الحكومة اللبنانية، أكد البراري على أن ذلك ممكن، إلا أن الحكومة اللبنانية لا تمتلك أي أوراق تقدمها للرياض، فالمطالب السعودية أكبر بكثير من قدرتها، وبالتالي فستستمر الأزمة لسنوات.

 

من جهته قال المحلل السياسي جو معكرون: “يبدو أن الدبلوماسية مهدت لاستقالة قرداحي كبادرة حسن نية قبل زيارة ماكرون للرياض، مقابل ضمانات بأن الأزمة سيتم احتواؤها في نهاية المطاف”.

وأوضح معكرون خلال حديثه لـ”عربي21″، أن “الصدمة السعودية فعلت فعلها والرياض قد تقلب الصفحة، لكن هذا لا يعني توقع عودة السعودية للانخراط مع الحكومة اللبنانية”.


خيارات محدودة

 
ولم يصدر أي رد فعل رسمي من قبل السعودية على استقالة الوزير قرداحي، ما يثير تكهنات حول ما إذا كانت ستطلب مطالب جديدة لتعود العلاقات لسابقها أم لا، كذلك.. هل ستتمكن الدولة اللبنانية من تحقيق هذه المطالب وما هي خياراتها؟

من جهته أشار الكاتب والصحفي قاسم قصير إلى أن استقالة الوزير قرداحي أتت برغبة وبدعم من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يزور دول الخليج الآن، ويبدو أن هذه الاستقالة تُشكل مطلبا خليجيا كمدخل للبحث عن حل للأزمة، نعم قد لا تحلها كليا ولكنها قد تساهم في تصفية أجواء التوتر وترسل رسالة إيجابية لدول الخليج بأن لبنان حريص على معالجة الأزمة.

وتابع قصير في حديث لـ”عربي21″: “الإخوة السعوديون يدركون أن هذه المطالب ليست بمقدرة السلطات اللبنانية، فهي لها علاقة بالواقع الإقليمي والدولي، وبرأيي الأزمة كانت موجودة قبل تصريح الوزير قرداحي وأتت التصريحات لتفجر الأزمة”.

وأوضح أن “الاستقالة ترسل رسالة ايجابية: إذا كان هناك رغبة سعودية وخليجية لمعالجة الأزمة فيفترض التعاطي معها بإيجابية، أما بقية الأمور فتحتاج إلى حلول من خارج الوضع اللبناني فدور حزب الله في المنطقة له أبعاد إقليمية دولية”.

وحول خيارات لبنان قال قصير: “لا أفضل استباق الأمور ولذلك فإن علينا أن ننتظر ماذا سيفعل الرئيس ماكرون في السعودية، فبحسب معلوماتي هو يعتبر الملف اللبناني أولوية له وهو يسعى بكل ما يمكن من أجل دعم لبنان”.

وأضاف: “بتقديري الرئيس الفرنسي سيعطي هذا الموضوع اهتماما، والاستقالة تمت بناء على طلبه وهو اعتبر أنها تشكل ورقة قوية بيده، بالتالي فإن خيارات لبنان يتم تحديدها على ضوء نتائج زيارة الرئيس الفرنسي”.

وخلص إلى القول: “برأيي أن من يريد أن يوازن بين نفوذ حزب الله وإيران فعليه أن لا يتخلى عن لبنان، بالتالي إذا كان الإخوة السعوديون أو بعض دول الخليج يريدون مواجهة دور حزب الله أو إيران في لبنان فإن الحل أن يزيدوا دورهم لا أن يتركوا لبنان، لأن تركه يزيد من دور إيران وحزب الله.. بمعنى أنك حينما تترك فراغا في الساحة فسيملؤه الآخرون”.

من جهته عبر الكاتب والصحفي توفيق شومان عن اعتقاده بأنه “في حال كانت هناك مطالب أخرى فستكون الحكومة اللبنانية أمام اختبار كبير، لأنه المفترض ببادرة حسن النية التي أبداها الوزير قرداحي ومعه الحكومة وبالاتفاق مع القوى الأخرى أن يكون هناك تجاوب من قبل الرياض”.

وتابع شومان في حديث لـ”عربي21″: “ولكن في حال بقيت الإجراءات السعودية على حالها وتم الذهاب إلى مزيد من التصعيد فأعتقد بأن الحكومة اللبنانية عندها ستتخذ مواقف سياسية تواكب المرحلة”.

وذكّر بأزمة شبيهة بالحالية حدثت عام 1967، حينما طردت السعودية العمالة اللبنانية، مشيرا إلى أن “رد الحكومة اللبنانية جاء على شكل استدعاء السفير السعودي وقتها، بالتالي فإنه قيل للمملكة آنذاك بأن أي نزاع بين المملكة وأي دولة أخرى يفترض أن لا يتحول خلالها لبنان إلى كبش محرقة”.

وحول خيارات لبنان قال شومان: “أظن أن الخيارات هي دبلوماسية، وبعد ذلك قد يتم إهمال أي موقف يمكن أن يتخذ من قبل المملكة، لأن حينها يوضع لبنان أمام خيارين إما خيار المواجهة الداخلية من قبل بعض القوى السياسية باتجاه المواجهة السياسية مع حزب الله، وهذا يعني الذهاب باتجاه انقسامات ساخنة وحادة، أو أن تقوم القوى السياسة التي تقف مع المملكة بالبحث عن تسوية مع الرياض والأطراف اللبنانية الأخرى، لكن على أي حال برأيي لا بد من انتظار ما يمكن أن يؤول إليه الاجتماع بين الرئيس الفرنسي وولي العهد السعودي”.

وخلص إلى القول: “أعتقد بأن رصد أيام ما بعد الاجتماع هو الذي يمكن أن يبين ما هي نتائجه سواء إيجابية أو سلبية، وبناء على ذلك أعتقد بأن القوى اللبنانية أو الحكومة سيكون لها موقف آخر، وربما إذا ما صعدت السعودية باتجاه أن تستقيل حكومة نجيب ميقاتي”.

 

اقرأ أيضا: محللون: لبنان يدفع مجددا ثمن الصراع بين السعودية وإيران

من جهته يرى البراري أنه “لا توجد خيارات عند الأحزاب اللبنانية، بل السؤال الأصح هو: ما هي الخيارات التي يمتلكها رعاة الأحزاب اللبنانية؟”.

وأضاف: “هذه الأزمة إذا تم تسليط الضوء عليها إعلاميا في قادم الأيام على اعتبار أن الذي هز القارب هو حزب الله مثلا، فسيُطلب منه التعويض لكن السؤال هو: هل تستطيع إيران تعويض الدور المالي السعودي؟ بتقديري لا”.

وتابع: “هذا سيفاقم الأزمة الداخلية اللبنانية وسيؤثر على خيارات كل اللاعبين على الساحة اللبنانية، وربما يؤثر على الاصطفافات في قادم الأيام ولكن ما هو التأثير أو ما هي الاصطفافات، بتقديري لا يمكن التنبؤ بها الآن، لأن الساحة اللبنانية تخضع لرعاة آخرين، فهناك فرنسا والغرب له مصلحة”.

أما المحلل السياسي جو معكرون فيرى أن “التحدي السعودي هو أنه ليس من الواضح ما هي الأهداف القابلة للتحقيق التي يريدونها لبدء وإنهاء هذا الخلاف الدبلوماسي، وليس لديهم النفوذ لتحقيق هذه الأهداف في لبنان، وبالتالي فلا أعتقد أن القيادة السعودية لديها النية أو القدرة على فرض مطالب جديدة”.

Exit mobile version