إيران: من خطف الشيعة… إلى خطف الموارنة

 

خيرالله خيرالله – أساس ميديا

ثمّة واقع لا يستطيع اللبنانيون الهروب منه، يتمثّل في أنّ لبنان الذي عرفناه لم يعد موجوداً، وأنّه لا بدّ من مرور سنوات طويلة كي تتبلور طبيعة الصيغة الجديدة التي سيرسو عليها البلد… هذا إذا كانت هناك صيغة، قابلة للحياة للبنان آخر، يمكن أن ترى النور يوماً.

يمكن اختزال ما آل إليه لبنان بعبارة واحدة هي الانتصار الإيراني الذي تحقّق في ضوء جهود مستمرّة منذ العام 1982 عندما سمح حافظ الأسد بدخول “الحرس الثوري” إلى لبنان والتمركز في ثكنة تابعة للجيش اللبناني (ثكنة الشيخ عبدالله) في بعلبك.

قامت إيران في لبنان بعمل دؤوب أسفر عن بلوغ الهدف المطلوب المتمثّل في تحوّل البلد مجرّد ورقة في يد “الجمهوريّة الإسلاميّة”. صارت بيروت مدينة إيرانيّة على البحر المتوسّط. ما تحدّث عنه الملك عبدالله الثاني في تشرين الأوّل 2004 إلى صحيفة “واشنطن بوست” عن “الهلال الشيعي” الممتدّ من طهران، إلى بغداد، إلى دمشق… إلى بيروت، يتحقّق حالياً في عهد الثنائي ميشال عون – جبران باسيل الذي وقّع في يوم مشؤوم من شهر شباط 2006 وثيقة مار مخايل. في هذا العهد توضّحت الصورة بعدما جرى تظهيرها.

ما بدأ بمجموعة من “الحرس الثوري” دخلت عن طريق النظام السوري إلى بعلبك انتهى بانتخاب مرشّح “حزب الله” رئيساً للجمهوريّة. قبل الوصول إلى فرض هذا الواقع الجديد، خطفت إيران طائفة لبنانيّة، هي الطائفة الشيعيّة، تمهيداً لخطف الموارنة والبلد كلّه. لم تعد تقرّر مَن هو رئيس الجمهوريّة الماروني فحسب، بل صارت تقرّر أيضاً مَن هو رئيس الحكومة، وما إذا كان رئيس الحكومة المكلّف يستطيع تشكيل حكومة. حتّى إنّها صارت تقرّر ما إذا كان مسموحاً لمثل هذه الحكومة أن تجتمع، وما إذا كان مسموحاً إزاحة هذا الوزير أو ذاك. ليس جورج قرداحي وزير الإعلام أكثر من بيدق إيراني في الحكومة يقول كلاماً عن اليمن وعن الحوثيّين لا يعرف مغزاه. لا يعرف معنى ما يتكلّم عنه من قريب أو بعيد، ومدى خطورة هذا الكلام وتأثيره على العلاقات العربيّة للبنان. من الواضح أنّ لبنان، البلد العربيّ، آخر همّ لدى إيران.

في الطريق إلى سقوط لبنان وسقوط العيش المشترك فيه، أي سقوط الصيغة اللبنانية، كان اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، ثمّ حرب صيف العام 2006، وصولاً إلى انتصار ساحق ماحق لـ”حزب الله” على مؤسسات الدولة اللبنانيّة. تحقّق انتصار على بيروت بالذات في غزوة السابع من أيّار 2008. كان الهدف من غزوة بيروت تدجين أهلها وإفهامهم أنّ إيران صارت صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في العاصمة. جاء انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهوريّة تتويجاً لسلسلة من الانتصارات الإيرانيّة تحقّقت منذ دخول المجموعة الأولى من “الحرس الثوري” الإيراني إلى بعلبك.

فات أوان عمل أيّ شيء يمكن أن يغيّر الوضع في لبنان ما دام الثنائي الرئاسي، أي ميشال عون وجبران باسيل، يرفض أخذ العلم بما آل إليه لبنان. من الواضح أن ليس لدى هذا الثنائي سوى همّ واحد. إنّه همّ أن يخلف جبران باسيل رئيس الجمهورية ميشال عون في قصر بعبدا حتّى لو لم يبقَ من لبنان سوى ما يشبه الهيكل العظمي لا أكثر ولا أقلّ.

يمكن إعطاء أمثلة كثيرة عن الخطوات التي أقدمت عليها إيران منذ العام 1982 تمهيداً للوصول إلى الوضع الراهن. استطاعت إيران تغيير الطائفة الشيعية من داخل أوّلاً. هذا لا ينفي وجود مقاومة داخل الطائفة لثقافة الموت. لكنّ الأكثرية الساحقة من أبناء الطائفة تغيّرت. في الواقع تغيّرت طبيعة الطائفة كما تغيّرت طبيعة قسم من الموارنة تمهيداً للوصول إلى وزير للإعلام، ينتمي إلى الطائفة المارونيّة، يتحدّث بلغة إيران ولا يجرؤ أيّ مسؤول على الاعتراض. بالكاد يعترض رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، الذي بات يعرف تماماً أنّ حكومته وُلِدت ميتة، وذلك على الرغم من كلّ الدعم الفرنسي الذي يحصل عليه، وعلى الرغم من المنشّطات التي تأتيه من واشنطن بين حين وآخر.

يُفترض في اللبنانيّين تفادي الهرب من الواقع والاعتراف بأنّ بلدهم صار مخطوفاً، وأنّ الانتخابات لن تغيّر شيئاً. أُجريت هذه الانتخابات في السنة المقبلة أم لم تُجرَ في ظلّ قانون وضعه “حزب الله”. لا خيار آخر أمام اللبنانيين غير الصمود والاستمرار في المقاومة بدل الرضوخ للأمر الواقع. هذا ما فعله أهل عين الرمّانة الذين دافعوا عن بيوتهم وكرامتهم مؤكّدين أنّ هناك مَن لا يزال يرفض الاستسلام.

لا يزال في لبنان مَن يرفض الاستسلام. لكنّ رفض الاستسلام شيء والتعامي عن الحقيقة والواقع شيء آخر. الحقيقة والواقع أنّ لبنان بلد مخطوف، وأنّ عمليّة إفقاره تتمّ بموجب خطّة مدروسة بدقّة متناهية بدأ تنفيذها يوم دخول “الحرس الثوري” البلد. ليس صدفة أن يأتي انهيار النظام المصرفي بعد انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهوريّة، كذلك الأمر في ما يخصّ تفجير مرفأ بيروت.

ليس انهيار النظام المصرفي حدثاً عاديّاً بأيّ شكل، بل هو نتيجة أكثر من طبيعية لتحوّل إيران الطرف الذي يختار رئيساً مارونيّاً لا يدرك حتّى معنى انهيار العمود الفقري للاقتصاد.

هل لبنان في وضع ميؤوس منه؟

الجواب نعم.

صار لبنان يحتاج إلى معجزة. معجزة تحدث في المنطقة، معجزة ذات طابع إقليمي.

ألا يزال في الإمكان الرهان على زمن المعجزات كي لا يعود لبنان بمسيحيّيه ومسلميه، بشيعته وسُنّته ودروزه وموارنته، رهينة إيرانيّة؟

 

Exit mobile version