داعش ـ عملة “البيتكوين”وصدقات “الجهاد” على الشبكة المظلمة

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد وحدة الدراسات والتقارير

أدركت التنظيمات المتطرفة منذ وقت مبكر أهمية شبكة الانترنت ومنصات التواصل الاجتماعى  واعتبرتها منفذ مأمونا لنشر وتنفيذ مشروعها  الأيدلويجي  بعد إقرارها بفشل عمل التنظيمات السرية  والتجنيد  المباشر فى ظل الهجمة الأمنية الدولية والتنظيم الإقليميى .  وقد أرق هذا التطرف الإلكتروني أجهزة الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها «اليوروبول» . فقد عززت الثورة الرقمية من آليات العمليات الإرهابية، وتنوع مصادر التمويل (الإرهاب الرقمي). وهو ما شهدناه ما بين عامي 2015  و2017 في عمليات الذئاب المنفردة لتنظيم داعش، واستغلال مواقع التواصل الاجتماعي للحث على ارتكاب العمليات الإرهابية في أوروبا وتبادل الصور والأفلام الخاصة بالتنظيم.

ناقش مسؤولون في الأمم المتحدة  يوم 05 نوفمبر 2021 موضوع محاربة الإرهاب والطرق الجديدة مثل العملات المشفرة التي تتبعها الجماعات المتطرفة لتمويل نشاطاتها.ثمة زيادة في استخدام التكنولوجيا التي تتيح عدم الكشف عن هوية مستخدميها. وللشبكة الخفية – الجزء الكبير من الإنترنت الذي لا يمكن الوصول إليه إلا باستخدام برمجية متخصصة – والعملات المشفرة الافتراضية فوائد إيجابية عديدة، لكن التركيز على طابعهما الغُفل يجعلهما عرضة لإساءة الاستخدام من قبل المجرمين. فالبيع غير المشروع للمخدرات والأسلحة النارية والمتفجرات، وتهريب المهاجرين، وغسل الأموال، والإرهاب، والجريمة السيبرية كلها أنشطة يمكن للتكنولوجيا المذكورة تسهيل ارتكابها، وفقا لتقرير اليوروبول بعنوان االشبكة الخفية الصادر في اكتوبر 2020 .

البيتكوين وصدقات “الجهاد”

أن تنظيم داعش أفتى  بجواز التعامل بالعملات الرقمية، وأبرزها “البتكوين” لتسيير عملياته الإرهابية  . وأصدر تنظيم داعش وثيقة إلكترونية باللغة الإنجليزية حملت عنوان “البيتكوين وصدقات الجهاد”، كتبها شخص يدعى “تقي الدين المنذر”، حدد فيها الأحكام الشرعية لاستعمال البيتكوين، مشددًا على ضرورة استعمالها لتمويل الأنشطة” الجهادية “للتغلب على الأنظمة المالية العالمية التي وصفها “المنذر” بالكافرة، حيث يواجه المتبرع المتعاطف مع التنظيم صعوبات في التحويل لشخص قد يكون موضوعًا على لائحة الإرهابيين والمطلوبين .

تضمنت مواقع داعش فى “الويب ويب” اعلانات للتبرع لعمليات “جهادية ” فيظهر على الصفحة الرئيسية لموقع ألاخبار التابع لتنظيم “داعش” اعلان بعنوان “تمويل المعركة الإسلامية من هنا” بالعربية والإنجليزية معًا. وبالضغط على الإعلان نتحول لصفحة  اسمها “صندوق الكفاح الإسلامي”  للتبرع للعمليات” الجهادية ” بعملات إلكترونية من خلال عنوان إلكتروني خاص بالمعاملات المالية.يذكر أن وكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول”،  حذرت من أن خطر شن تنظيم داعش هجمات في أوروبا “لا يزال مرتفعا للغاية”. وقال رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في”يوروبول”  “مانيول نفاريت” : “مع تراجع قوة داعش، أصبح يحث أعضاءه على شن هجمات منفردة في بلدانهم بدلا من توجيههم للسفر والالتحاق بما يسمى الخلافة”، محذرة من أن “تهديد الهجمات الإرهابية في أوروبا لا يزال مرتفعا جدا”.

ان  منظمتى Moonshot CVE و Gen Next Foundation  قامتا بتحديد أكثر من (35،000 ) عملية بحث على الإنترنت ذات صلة بالإسلاميين  في غضون ثلاث اشهر فقط، مع وجود غالبية من الاستفسارات التي تبحث عن معلومات حول الانضمام إلى تنظيم داعش. خلال الفترة نفسها.

اللامركزية وتقنية سلسلة الكتل “البلوك تشين

تقنية سلسلة الكتل “البلوك تشين” هي إحدى التقنيات التي أتاحها التوزيع العالمي لقدرة الحوسبة. ببساطة، تقنية سلسلة الكتل “البلوك تشين” هي دفتر الأستاذ الرقمي الذي يتم فيه تسجيل المعاملات. على سبيل المثال، يتم تسجيل عملة البيتكوين والعملة المشفّرة زمنياً وبشكل علني. إن الجانب العام لهذا التبادل هو الأكثر إثارة للاهتمام. في الأساس، أصبح بإمكان أي شخص في العالم الآن تنزيل الكود وبدء “التعدين” للحصول على عملة البيتكوين أو المشاركة في أفكار جديدة للشبكات مبنية على منصة (Ethereum). الفكرة هي أنه من خلال الشفافية الجذرية، فإن تقنية سلسلة السجلات “البلوك تشين” التي يتم إنشاؤها من خلال أجزاء هائلة من الجمهور الذي يتمكن من المشاركة في الشبكة تخلق “ثقة” بجعل من شبه المستحيل تسجيل الإدخالات الشائنة أو تغيير المعاملات التي تمت معالجتها بالفعل.  يتم الآن تطبيق تقنية سلسلة الكتل “البلوك تشين” الأساسية في العديد من المواقف من تحفيز إدراج مصادر الطاقة المتجددة في شبكات الطاقة بعد أن تجاوزت تطبيقها الأصلي في نطاق العملة المشفرة. وبالتالي تقلل الانبعاثات في صناعة الشحن العالمية وتمكن البنوك من أداء التحويلات بشكل أسرع وبتكلفة أقل.

وفى هذا الصدد قال الأمين العام للأمم المتحدة”أنطونيو غوتيريش” فى يونيو 2018  خلال مؤتمر الأمم المتحدة رفيع المستوى لمكافحة الإرهاب : ” الخطوط الأمامية لمكافحة الإرهاب ليست موجودة على الأرض فقط بل أصبحت بشكل متزايد على شبكة الإنترنت، إذ يستغل الإرهابيون وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل المشفرة والشبكة الإلكترونية المظلمة لنشر الدعاية وتجنيد الأعضاء وتنسيق الهجمات. هذا هو التحدي المعقد للإرهاب الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، ليهدد كل دول العالم.” وتتبلور مخاطر دعاية تنظيم داعش والقاعدة على أوروبا عبر الانترنت فى شيقين هما :

دفع الشباب الى التطرف والالتحاق بالتنظيمات الارهابية

ذكرت دراسة أعدها”مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة” التابع لدار” الإفتاء المصرية بعنوان “استراتيجيات وآيديولوجيات الجماعات الإرهابية في تجنيد الشباب عبر الإنترنت”أن شبكات ومواقع ومنصات التواصل الاجتماعي تمثل جامعة إلكترونية لإعداد وتجنيد (الذئاب المنفردة)، وأداة خصبة لنشر أفكارهم المتطرفة، حيث تقوم تلك التيارات بتصنيف مواقع التواصل وفق استخدامه المناسب.

اشارت دراسة الافتاء المصرية ايضا الي أن “فيسبوك” يساعد التنظيم في تجنيد “الذئاب المنفردة” بسهولة، عبر استدراج الشباب وتجنيدهم بطريقة غير مباشرة. أما “تويتر”، فيستخدم لنشر الأخبار الترويجية للأفكار المتطرفة، و”تليغرام” للمساهمة في نشر أدبيات التنظيم وكتاباته، وروابط تقاريره المصورة والمرئية، لترويج نجاحه المزيف في ساحات القتال، في حين يستغل التنظيم قنوات “اليوتيوب” لتمكين مشاركيه من تحميل الفيديوهات قبل الحذف، حيث إن نظام المراقبة الخاص بالموقع يتم بعد رفع الفيديوهات عليه.

يقول المسؤولون الأوروبيون في مكافحة الإرهاب إن تطبيق “Telegram” المملوك للقطاع الخاص قد قام مؤخرًا بتحسين جهوده لإزالة المحتوى المتطرف ، ولكن يقول محللون مستقلون إن خدمة الرسائل لا تزال تستضيف مئات من غرف الدردشة المستخدمة يوميًا من قبل أعضاء وأنصارتنظيم داعش. في غضون أسابيع من تشغيل يوروبول ، بدأ المزيد من مقاطع فيديو Amaq في الظهور على” Telegram” ، ثم أعيد نشرها على منصات وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى ، بما في ذلك” YouTube” و “Facebook”.

فقد  “داعش” العديد من صفحاته على  “تويتر” و”تليغرام” و”فيسبوك”، فى ظل مساعى المفوضية الأوروبية بفرض قوانين جديدة  تدفع تلك المواقع  وشركات أخرى للإنترنت لإزالة المحتوى المتطرف لداعش وغيرها من الجماعات المتطرفة ، وإلا واجهت غرامات. ولكن رغم تلك الاجراءات الصارمة بات الفكر الداعشى يراهن على استخدام تطبيقات برامج “اللايف تشات” التي تتميز بخصائص التراسل الفوري، و الانتشار كالقنوات، وإرسال الملفات، والبث الصوتي والمرئي، بصورة أكثر أماناً

حذر مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة  بعد تحليل الخطاب الإعلامي لتنظيم القاعدة من نمو نشاط القاعدة في الواقع الافتراضي، استعدادا للحصول على دورًا مركزيًّا فى “ساحة الجهاد العالمي” . وأكد أن شبكة القاعدة على تطبيق “تيليجرام”تضم قنوات بلغات مختلفة (منها الألمانية) .المنصة الرئيسية للتنظيم تسمى “المعرفة الدينية والحرب المقدسة”.يدير حسابات مختلفة  مثل فيس بوك ، وجوجل بلس ، وتم إغلاق القناة اليوتيوب بسبب انتهاك شروط الاستخدام،على “Sound Cloud” .وهناك مدونة “Tevhid Davası”  التي أطلقت في مايو 2018.

قال “جوليان كنغ “مفوض الاتحاد الأوروبي  :  ان تنظيم داعش لا يزال يمثل “مشكلة كبيرة” لأنه يواصل ضخ محتوى الإرهاب على الإنترنت”. كما اوضح المفوض الاوروبى أن العديد من الهجمات الإرهابية التي استهدفت أوروبا نفذها أفراد متطرفون ذاتيًا لم يسافروا أبدًا. بعضهم كان متطرفًا في مجتمعاتهم ؛ بعضهم الاخر متطرف في غرف نومهم الخاصة ، وهذا هو السبب في أن مشكلة التأثير الراديكالي للمحتوى الإرهابي عبر الإنترنت مهمة جدًا”.

الدعم اللوجستي الى التنظيمات في سوريا والعراق ودول اخرى

بعيدا عن أعين الاستخبارات الأوروبية وسيطرة الحكومات فى دول العالم ، تمكن “الجهاديون” والقائمون على التنظيمات الإرهابية من التواصل بسرية تامة وجمع التبرعات المالية وإرسال واستقبال الأموال في مناخ آمن وذلك عن طريق الإنترنت المظلم أو ما يسمى” Deep web “. وهى شبكة لا تعتمد على  المتصفحات العادية التي تعرض من محتوى الانترنت القشرة الخارجية فقط، بل تسخر أنظمة معقدة يصعب على الانظمة الاستخبارتية تعقبها .

ويستغل تنظيم داعش هذا النظام  لشراء السلع الممنوع تداولها بين الأفراد كالأسلحة والمعدات العسكرية وجوازات السفر المزيفة باستخدام عملة “البيتكوين”.

ويقول رافييل غلوك ولورينس بيندنر –  قال من خلال تدوينة حديثة على موقع “أولتيما ريسيو” التابع لمركز دراسات الأمن في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية –  ان “إزاء تزايد مراقبة المنصات الكبرى التي وضعت خصوصاً أدوات ذكاء اصطناعي، نوَّع داعش منافذه من خلال تسريب محتويات إلى مواقع أقل شهرة وأحياناً غير معروفة، لا تملك موارد كافية تخصصها للرقابة.

الخلاصة

إن مخاطر التنظيمات المتطرفة، على الأمن الدولي وبضمنها الأمن الرقمي السيبراني قد تصاعدت خلال السنوات الاخيرة، فلم تعد تقنيات الارها كسابق عهدها، وهذا يعني ان أجهزة الاستخبارات في سباق مع “الذكاء الاصطناعي” وتحديات العالم الرقمي الذي تستغله الجماعات المتطرفة، في عالم ربما غير منظور للمواطن العادي وهي الشبكة المظلمة والعميقة. وهذا مايتطلب من الحكومات على مستوى وطني تصعيد جهودها والارتقاء الى التحديات الجديدة في العالم الرقمي، الذي اصبح تهديدا لايقل عن تلك التهديدات على الأرض.

عزز العالم الرقمى وأدواته المتطورة والامنة قدرة “داعش” على ترويج أفكاره المتطرفة و تجنيد الشباب ليكونوا جزء من مخطط “الذئاب المنفردة” بسهولة لتنفيذ العمليات الإرهابية من غرفهم ، وخاصة مع استخدام تطبيقات وشبكات غير مراقبة أمنيا “كالتلغرام “و”الديب ويب”. مع العلم أن هذه التنظيمات تمتلك عناصر متخصصة في مجال التكونولوجيا. مما يجعل الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية مطالبة ببذل جهود أكثر  لتكون على قدر عالٍ من الحرفية في التعامل مع تلك الوسائل ومجابهة التنظيم إلكترونيًّا بتطبيقات تصنع ثغرات فى عالمهم الإفتراضى المظلم ، مع مراقبة التعاملات الرقمية لمنع الدعم اللوجستى لتلك التنظيمات الإرهابية .

Exit mobile version