لبنان بين إيران والسعودية: الهوية الممزقة يبتلعها حزب الله

ينخرط حزب الله باللعبة من دون أي اعتبار للمرتكزات اللبنانية (Getty)

منير الربيع|المدن

تأخذ الأزمة اللبنانية أبعاداً متعددة. لم يعد بالإمكان اختزالها بأنها أزمة ديبلوماسية مع دول الخليج، أو أزمة اقتصادية اجتماعية داخلية. وهي طبعاً ليست حصاراً. تجتمع عوامل عديدة تقود إلى الانهيار اللبناني المستمر، والذي تتحمل مسؤوليته عوامل عديدة، منها تركيبة النظام، ومنها الفساد، ومنها الصراع الجيوستراتيجي في المنطقة.

وفي قلب الأزمة صراعات كثيرة بين قوى متعارضة في توجهاتها. هو الصراع على البلد بهويته وثقافته وكيانيته السياسية. ويتحول هذا الصراع إلى ما يشبه خزنة، تتجمع فيها كل مقومات الانقسام والتضارب في التوجهات والمصالح، انطلاقاً من حسابات تاريخية أو ثقافية، أو ما يصفه آخرون بأنه صراع طائفي أو مذهبي، أو صراع حضارات وثقافات. وفي مثل هذه الخزنة تتجمع عوامل الانقسام الكثيرة التي يحملها اللبنانيون ضد بعضهم البعض بما يكرس المزيد من الفرقة.

تحولات ثقافية
يمتد هذا الصراع على أكثر من مئة عام، أي تاريخ لبنان الكبير. ويمتد تنظيراً على آلاف الأعوام بالعودة إلى استحضار نزعة فينيقية، أو سريانية مشرقية، أو أزمان الفتح الإسلامي وفتنه، وغيره. التضارب قائم ومستمر بين نزعات البيئات الاجتماعية اللبنانية المختلفة. نظرة السنة، نظرة الشيعة، ونظرة المسيحيين وكذلك الدروز.

صحيح أن الأزمة المباشرة والقائمة حالياً لا تتيح للبنانيين التفكير بمثل هذه التنظيرات، لكنها الأرض الخصبة التي أسست إلى ما وصل إليه البلد. لبنان صاحب الهوية الثقافية الغربية انسجاماً مع رؤية المارونية السياسية، بدأ يشهد تغيراً هائلاً في أساس ثقافة وجوده. فحتى الموارنة أنفسهم، وفي ظل اختلافهم مع السنّة ومخاوفهم من مبدأ العروبة الذي مثّله جمال عبد الناصر، ذهبوا إلى تعزيز العلاقات مع دول الخليج، أي الجزء الآخر من العروبة المناهض للناصرية. وهنا لا بد من الإشارة إلى ما جرى إعلانه قبل فترة في بكركي حول 100 عام على العلاقة بين السعودية والبطريركية المارونية. ولا بد من التذكير بوصف كميل شمعون بفتى العروبة الأغر، والتذكير أيضاً بعلاقة بشير الجميل بالسعودية.
جزء من هذه الصراعات العربية العربية والإقليمية الدولية انعكست في لبنان منذ الخمسينيات إلى حين انفجارها في العام 1975. يومها انقسم السنة على ذواتهم. جانب منهم يتوافق مع المسيحيين ومع دول الخليج، وجانب آخر يؤيد مصر الناصرية وقوى اليسار والحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

الشيعة أيضاً انقسموا على أنفسهم. طرف منهم يؤيد المسيحيين والخليج، وطرف آخر يؤيد اليسار والقضية الفلسطينية. ولكن كانت بوادر الانقسام الشيعي حاضرة طبقياً واجتماعياً، ونزعة الصراع الأقلوي قائمة بصيغة طبقية، هي حركة المحرومين. تلك الحركة التي وصلت إلى الدخول -بفعل توازنات متعددة- كطرف شريك وأساسي في الدولة وتركيبتها، تمهيداً للسيطرة عليها سياسياً مع تعاظم نفوذ حزب الله ودوره.

فرس وعرب
أرسى اتفاق الطائف ما يعرف بعروبة لبنان، وبالحفاظ على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. كسرت تلك القاعدة في العام 2005 تمهيداً للدخول إلى حقبة سياسية جديدة كانت نتاجاتها تقدم دور الشيعية السياسية بالاستناد إلى تحالف مع الموارنة ومع بعض السنّة. فيما كانت السنية السياسية تحاول الحفاظ على مرتكزاتها، إلا أنها وصلت إلى مرحلة تشبه مرحلة المارونية السياسية المتلاشية بفعل الحرب الأهلية. عاد السنة اللبنانيون إلى منطق لبنان أولاً في العام 2005، فيما كان التغير يعصف بالمنطقة ككل. وانطلاقاً من سوريا التي خسرت عروبتها بفعل الوقائع المستجدة على الأرض، أصبح الانقسام بين محور إيراني ومحور خليجي. نجح الإيراني ببناء منظومات سياسية واجتماعية ومالية واقتصادية وعسكرية وأمنية، حققت خروقات في مختلف الدول، ووصل به الأمر إلى الإعلان عن السيطرة على أربع عواصم عربية. نقل الصراع إلى آفاق جديدة، تتداخل فيها عوامل الصراع المذهبي والطائفي، والصراع التاريخي الثقافي والقومي بين الفرس والعرب. ولكن هذه المرة بتحقيق طهران لخروقات كبير في عمق الجغرافيا العربية وبيئاتها الاجتماعية.

انفجارات آتية
يدفع لبنان حالياً جزءاً من ثمن هذا الصراع المديد. خسر فيه السنّة مرتكزاتهم وقواعد توازنهم السياسي، وخسر فيه المسيحيون كل مرتكزات الثقافة والهوية التي صنعوها، وفق ما نراه من انهيار القطاع المصرفي والقطاعات الطبية والتعليمية وتدمير المرفأ. أحد جوانب الصراع الثقافي هو انقسام المسيحيين على ذاتهم أيضاً. طرف منهم يوالي إيران ويؤيد مشروعها كجزء من اصطناع قوة متوهمة أو مستعارة، أو في سبيل البحث عن مصلحة أو مكسب سياسي آني. بعضهم الآخر يحاول الدمج بطريقة استشراقية أيضاً بين الهوية “اللبنانوية” والمشرقية مستعيراً أدبيات “قومية سورية”، فيعطي للصراع انطباعاً جديداً، وكأنه بين أهل الشام وعرب الجزيرة. وجانب آخر من المسيحيين يؤيد مبدأ الحياد لتجاوز مثل هذه الانقسامات، فيما الجانب المتبقي فيؤيد خيار العروبة أو العلاقة الجيدة مع العرب، والتي تنطلق إعلاء مصلحة الدولة ومصلحة اللبنانيين، نظراً لحجم الفوائد من العلاقة الجيدة مع الخليج.

في الإنعكاس المباشر لكل آليات الصراع، فإن الأزمة التي يعيشها لبنان يصعب على أي طرف التحكم بعناصرها. أما على صعيد الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، فسيكون هناك انفجارات متتالية، لا سيما في ضوء إصرار السعودية على إجراءاتها. وتلك التداعيات سنبدأ باستشعارها في الأسابيع المقبلة. هذا يفتح المجال أمام احتمال حصول تململ شعبي لن يكون من السهل ضبطه بحال خرج إلى الشارع متفلتاً من عقاله. وهو سيشكل عنصراً ضاغطاً على كل القوى السياسية، بما فيها حزب الله وحركة أمل، ولا سيما بعد إعلان شركة الأمانة عن وقف توزيع المحروقات الإيرانية.

الأبواب المشرعة
يعيش لبنان حالة استتباع كامل من قبل إيران، يتمثل بحزب الله، بعد نجاحه بكسر كل قواعد التوازن. وهذا يفرض جرّ لبنان إلى قواعد اللعبة الإقليمية بين إيران والسعودية. وفيما ينخرط حزب الله باللعبة من دون أي اعتبار للمرتكزات اللبنانية، وقد يتجاوز الكثير من الثوابت، لا سيما في ظل الدعم والغطاء الذي يحظى به من التيار الوطني الحرّ الذي يوفر له المشروعية.. لا نجد طرفاً سنياً قادراً على إحقاق التوازن معه. وهذا ما تعرفه السعودية أيضاً، التي لا ترى قدرة لبنانية على مواجهة الحزب، فتلجأ إلى طريقتها في إدارة الصراع.

هذا لا بد أن ينعكس على جملة وقائع في الداخل، من بينها استعادة الضغط في ملف المرفأ، وفي الموضوع الانتخابي وواقع الحكومة.. ما يترك الأبواب مشرعة على التصعيد، وعلى أثمان يدفعها اللبنانيون، ويظل حزب الله معتبراً نفسه منزهاً عن تلك التداعيات. فهو لا يجد أطرافاً لبنانية حقيقية قادرة على معارضته أو مواجهته أو تكريس مبدأ التوازن معه.

Exit mobile version