جعجع يخشى الإغتيال

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

يعيش رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، على هاجس أن ثمة من يريد إقصاءه أو الإقتصاص منه من وراء ما حدث في الطيونة، وبالتالي تحويله إلى هدف للإغتيال بالمعنى السياسي!

نمت هذه النزعة أكثر حين سُرّب أن النيابة العامة العسكرية في صدد استدعائه للإستماع إليه حول ما حدث وجرى في الطيونة ذات خميس، وحين تُرجم التسريب بإصدار المذكرة رفض جعجع الحضور متسلّحاً بـ”حصانة شعبية” نالها على الطريق بين بكركي و معراب، لتعدل “النيابة العامة” في نهاية المطاف عن الاجراء، وتؤول الأمور إلى قاضي التحقيق العسكري الأول فادي صوان.

ما زاد الطين بلة، أن ثمة فكرة تراود رئيس حزب “القوات” منذ مدة، من أن “الثنائي الشيعي”، أو أقلّه “حزب الله”، يريد افتعال معركة معه قبيل الإنتخابات النيابية لمحاولة قلب الخيارات المسيحية حتى تصلح الإستفادة منها من جانب “التيار الوطني الحر”، وهي واحدة من “نظريات المؤامرة” التي يحتكم إليها جعجع من قراءته للمشهد الراهن.

ما جعل من هذه الفكرة قابلة للحياة لدى معراب، تسريب بعض المراجع المحسوبة على الثنائي الشيعي بأن “القوات” وفق الشكل الهندسي الحالي التي هي عليه، لا بدّ من أن تنتهي! بمعنى أن “القوات” التي تعمل للمأسسة لتنظيم عسكري مسلح يفوق بتركيبته الأهداف السياسية –عملاً باتهام الثنائي الشيعي-، هي كناية عن محاولة تؤدي إلى التلاعب بالتوازنات الداخلية الهشّة أصلاً، وتمثل عملياً إعادة استنهاض سباق التسلح لدى الطوائف من جديد والذي سبق الحرب الأهلية عام 75، وبالتالي إن قراءة هؤلاء تبدأ من ضرورة إنهاء هذه الظاهرة كي لا يتضرّر السلم الأهلي.

هذه الحالة تحديداً رأى فيها رئيس حزب القوات فائدة، فعزّزها واشتغل عليها، وقد أتاحت له تسويق نفسه لدى أصدقائه في الخارج على أنه مستهدف أولاً ومؤثر ثانياً. من الأولى، يريد رئيس حزب “القوات” جرّ الدعم لمصلحته بأقصى ما يمكنه، وفي الثانية يريد توظيفه على الأرض كقوة مواجهة فعّالة بوجه “حزب الله”.

صحيح أن “القوات” تعاملت مع ما جرى في الطيونة بمطلق الوضوح وكحالة توظيف قائمة بحدّ ذاتها، لكن في المقابل، الطرف الآخر قدم إلى جعجع خدمات صالحة للإستثمار لدى خصوم الحزب! فكان يجدر تطويق جعجع والتعامل مع القضية ضمن حدود القضاء لا إبرازها عبر الإعلام بشكل يعود بمردود إيجابي على بيئة شديدة الحساسية.

في المقابل، وعلى الرغم من كل الحديث السائد، فإن “محاولة جعجع” المكشوفة في الطيونة وفقاً لما تكشفه المعطيات القضائية، يمكن إطلاق التوصيف الداخلي عليها وليس الخارجي، بمعنى أن حركة “القوات” لم تكن نابعة من توجه أميركي للإخلال في الوضع الأمني وإنما محاولة قواتية داخلية للتقدم خطوة في عمق البيئة المسيحية. هذه الخلاصة وردت إلى “حزب الله” عن طريق مقرّبين من الجانب الأميركي.

تغييب الفرضية الأميركية هنا لا يأتي بمقام إعفاء الأميركيين من “الحركشة” ولو انهم قد وجدوا قيمة للإستثمار فيها بل لتصويب الأمور. وقد بلغت بعض الاوساط انباء حول رسالة أميركية إلى جعجع تظهر انهم لم يكونوا معجبين بأدائه من حيث توقيت ووظيفة ما فعل، ففي النهاية، أثّر بطريقة أو بأخرى على زيارة وكيلة وزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند وفي مكان آخر جعل من حزب الله ضحية.

ومن المشاهد غير المألوفة، أن قائد الجيش جوزف عون حاول اختصار اللقاء الذي جمعه معها بسبب ضرورات متابعة ما كان يحصل على الأرض. وفي النتيجة يقول خبراء في السياسة الاميركية، أنه لم تكن من مصلحة واشنطن، إفتعال اشتباك داخلي في وقتٍ كانت وكيلتها تجول في بيروت في محاولةٍ للدفع باتجاه “تحرير” ملف الترسيم الذي يحتل جانباً مهماً من الاولويات الأميركية.

من ناحية أخرى، يمكن إسقاط نفس القراءة على وجهة النظر السعودية. بطبيعة الحال الرياض الساعية إلى تقليم أظافر “حزب الله” في بيروت، تعي جيداً أن عملية مثل ما حدث في الطيونة لا يمكن إسقاط توصيف العملية الجراحية عليها بمعنى أنها لم تؤثر بشكل سلبي ومباشر على الحزب ، إنما شدّت إيزار الشيعة حوله وأعادت شدّ أواصر “اللحمة الشيعية” وقربت حركة “أمل” من الحزب أكثر وجعلت من الطائفة الشيعية “بلوكاً واحداً”.

ثم ان السعودية عملياً تبحث عن تقليم سياسي ل”حزب الله” في لبنان وليس عسكرياً بدليل ما يحدث الآن في قضية تصريح الوزير جورج قرداحي، التي أخذت بالنسبة إلى السعودية أبعاداً إقليمية تجاوزت القضية المحلية وباتت تسعى من خلالها إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية وعسكرية إقليمية في اليمن. فبالنسبة إليه، وجود الحزب عسكرياً في لبنان قائمٌ وأمرٌ مفروغ منه وهي تعمل استئصاله ضرب من الجنون. اما محاولته تفسير العسكر بالسياسة وتوسيع نفوذه إلى خارج حدود هذا البلد هو الأمر غير المرغوب فيه والذي يجدر ليس احتواؤه إنما إنهاؤه قطعاً، وممارسات ذلك اليوم لم تخدم هذه القضية إنما أظهرت أن الثنائي الشيعي وتحديداً الحزب ، مستهدف من حلفاء المملكة وليس العكس.

بناءً على ذلك كلّه، يعيد الدكتور سمير جعجع تموضعه في الداخل ربطاً بالتطورات الحاصلة. هدف معراب الراهن التكيّف مع التغييرات ومحاولة إيجاد أطر وظيفية تخدم وجهة نظرها في السياسية وفي الإنتخابات. هنا، تعي معراب جيداً أنها حصان رابح بالنسبة إلى الرياض وتسعى إلى تفسير ذلك في السياسة. النقطة هنا: هل ما زالت الرياض تنظر إلى البيئة اللبنانية وفق الشكل الهندسي التقليدي السابق أم أنها في صدد إدخال تعديلات؟ للحديث صلة.

Exit mobile version