الحدث

هل تكون «بيرقدار» التركية سببًا في اندلاع الحرب العالمية الثالثة؟

 

ألكسندر نازاروف

عقب زيارة وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، إلى كييف، وتلقّي دفعة جديدة من المساعدات العسكرية من واشنطن، بدأت أوكرانيا من جديد تصعيد الصراع في الدونباس.

نشرت وزارة الدفاع الأوكرانية مقطع فيديو تستهدف فيه طائرة مسيّرة تابعة للجيش الأوكراني من طراز “بيرقدار” التركية مدفعاً لقوات دفاع جمهورية دونيتسك، وفقاً لما أعلنته الوزارة.

بالتزامن، أعلنت أوكرانيا الاستيلاء على قرية “ستاروماريوفكا”، التي تعدّ وفقاً لاتفاقيات مينسك، تابعة لجمهورية دونيتسك. ومن بين السكان المحليين الذين تم أسرهم، هناك حوالي 40 مواطناً روسياً، يستخدمهم الجيش الأوكراني كدروع بشرية، بينما يقوم بتجهيز مواقع دفاعية في القرية مباشرة.

كذلك فقد ألقت مجموعة تخريبية من القوات الأوكرانية في وقت سابق القبض على ضابط مراقب من جمهورية لوغانسك، والذي كان على أرض محايدة بالاتفاق مع الجانب الأوكراني، وكثّف الجيش الأوكراني قصف القرى السكنية في الدونباس.

وفي جميع تلك الحالات، لم يبذل مراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أي جهود تذكر لمنع هذه الحوادث وحلّها، علاوة على ذلك، فإنهم يتقاعسون عن اتخاذ أي موقف تجاه الانتهاكات التي لا لبس فيها من جانب أوكرانيا لاتفاقيات مينسك.

وحدها ألمانيا أعربت، بعبارات معتدلة، عن قلقها إزاء الضربة التي شنتها الطائرة الأوكرانية من دون طيار.

يتدهور الوضع الاقتصادي في أوكرانيا بسرعة. وبسبب ارتفاع أسعار الغاز، أصبح جزء كبير من صناعات البلاد غير مربح. ويمكن أن يؤدي عدم كفاية احتياطيات الفحم والغاز إلى كارثة اجتماعية في الشتاء. كما أن صراع الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، من أجل الحصول على قطعة من الكعكة مع بقية الأوليغارشية الأوكرانية، وسط انخفاض شعبيته، يزعزع استقرار الوضع الداخلي.

في ظل ذلك، يرى زيلينسكي أن الأزمة الخارجية هي الوسيلة الأقرب لتوطيد السلطة وقمع المعارضين الداخليين وتحويل اللوم في الكارثة الاقتصادية من نفسه إلى العوامل الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، يتوقع الرئيس الأوكراني زيادة المساعدات الاقتصادية من الولايات المتحدة الأميركية، في حال نجاحه في جرّ روسيا إلى صراع في الدونباس.

إلا أن هناك بعدا ثانيا في الوضع الراهن، وهو تأثير إمدادات الأسلحة التركية لأوكرانيا على العلاقات الروسية التركية.

على هذه الخلفية، اتخذت المصلحة الفدرالية للإشراف على حماية حقوق المستهلك ورفاهية المواطن “روسبوتريبنادزور”، يوم الخميس الماضي، قراراً بحظر استيراد اليوسفي التركي إلى روسيا اعتباراً من 29 أكتوبر، بسبب زيادة الحد الأقصى المسموح به من المبيدات الحشرية “كلوربيريفوس”. من المحتمل أن تكون المنتجات التركية بالفعل مليئة بالمواد الكيميائية السامة، لكن المواطنين الروس يمزحون بشأن العثور على فيروس يسمى “بيرقدار” في اليوسفي التركي. ومع ذلك، لم يتضح بعد ما إذا كان الحظر ينطبق على مصدر واحد أو على جميع اليوسفي من تركيا، فالصياغة على الموقع الإلكتروني للمصلحة تسمح بتفسيرات مختلفة.

أود التذكير هنا بأنه بعد إسقاط الطائرة المقاتلة التركية للقاذفة الروسية من طراز “سو-24” في سماء سوريا، وحتى بعد اعتذار الرئيس أردوغان بفترة طويلة، حظرت روسيا استيراد الطماطم التركية، وأوقفت الرحلات الجوية إلى تركيا بالنسبة للسائحين الروس، وهو ما مثّل وقتها ضربة قوية للاقتصاد التركي.

ومع ذلك، فإن حادث الطائرة على المستوى الرسمي لم يكن مرتبطاً بحظر الاستيراد.

على أي حال، وبغض النظر عن كيفية تطور الوضع مع اليوسفي التركي، فمن الواضح أن توريد الأسلحة التركية لأوكرانيا هو مصدر إزعاج قوي لموسكو.

من الواضح أن موسكو لديها القدرة دائماً على رد الصاع صاعين لأنقرة، وبنفس الكيفية. فقد يكون لدى الأكراد الأتراك أسلحة حديثة أيضاً، وكذلك فهناك عدد من الخبراء في روسيا يتساءلون عمّا إذا كان من مصلحة روسيا الحفاظ على وحدة الأراضي التركية، حيث يدعو الوضع الاقتصادي المتدهور بسرعة في تركيا إلى التشكيك في إمكانية الحفاظ على استقرار الوضع السياسي الداخلي في البلاد، ما سيزيد بشكل كبير من قوة أوراق اللعب لدى موسكو.

مع ذلك، ففي الوقت الحالي، لا زال الحفاظ على استقرار تركيا وبقاء الرئيس أردوغان في السلطة يصب في مصلحة روسيا. وفي اللعبة الكبيرة، المثلث الروسي – الأوروبي – الأميركي، ستكون القضية الأكثر سخونة في العام المقبل هي أزمة الطاقة التي بدأت في أوروبا، حيث يتفوق خط أنابيب “السيل التركي” الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا على جميع العوامل الأخرى.

بشكل عام، يمكن تسمية أزمة الطاقة التي بدأت بـ “المعركة من أجل ألمانيا” بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، والتي ستحدد في النهاية ما إذا كانت الولايات المتحدة ستُخضِع ألمانيا تماماً لإرادتها، وما إذا كانت برلين ستأخذ مكاناً محدداً في الجبهتين المضادتين لروسيا والصين اللتان تبنيهما واشنطن، أم ستنجح ألمانيا والاتحاد الأوروبي بشكل عام، في اتخاذ مواقف أكثر استقلالية وحيادية ليس فقط تجاه روسيا، ولكن أيضاً تجاه الصين.

إن روسيا ترتبط مع ألمانيا ارتباطاً وثيقاً، خاصة في مجال إمدادات الطاقة. ليصبح التحدي الذي يواجه روسيا الآن هو الحفاظ على هذه الروابط وجعلها مستدامة بمساعدة “السيل الشمالي-2″، المستقل عن أوكرانيا. وطالما كان الغاز الروسي يلعب دوراً مهماً في اقتصادات ألمانيا وأوروبا، فستظل المشاركة الأوروبية في الحرب ضد روسيا أمراً مستبعداً.

هناك صراع في ألمانيا نفسها بين دمى واشنطن والقوى الوطنية. تمكنت أنغيلا ميركل من صدّ المحاولات الأولى لواشنطن للتدخل في بناء “السيل الشمالي-2″، لكن بعد رحيلها، لم تُغلق هذه القضية بعد.

تهدف الولايات المتحدة الأميركية إلى تدمير مركز الاقتصاد البديل لها متمثلاً في الاتحاد الأوروبي، وإخضاع أوروبا لها بالكامل، عشية المرحلة الحاسمة من الصراع بين الولايات المتحدة والصين على قيادة العالم. بالتوازي، يجب على الولايات المتحدة الأميركية تحييد روسيا، ربما من خلال تقييد يديها بواسطة صراع عسكري في أوروبا.

في هذا الإطار تبدو أوكرانيا حلاً مثالياً لتقييد يدي روسيا، ودفع أوروبا إلى تحالف مناهض لروسيا ثم ضد الصين. وكانت أوكرانيا، الربيع الماضي، قاب قوسين أو أدنى من بداية الهجوم على الدونباس، وركّزت حينها قوتها الضاربة حول جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، ولم يردعها عن ذلك، ويحول دون بدء الصراع سوى انتشار القوات الروسية على الحدود الغربية لروسيا، وتلميح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بالقضاء على أوكرانيا كدولة، حال تجرأت كييف على العدوان. نتيجة لذلك، استدعى الرئيس بايدن “كلبه المطيع” وشرع في عقد لقاء مع الرئيس بوتين لتخفيف حدة التوتر آنذاك.

ومع ذلك، فالوقت يجري، ولم يعد لدى واشنطن الكثير من الوقت لتحييد روسيا، والنظام في كييف هو الآخر مهترئ يترنّح، وسيصل الصراع من أجل أوروبا إلى ذروته في الأشهر المقبلة، ونتيجة لذلك فإن الوضع في الدونباس يزداد سخونة مرة أخرى. تقع أوكرانيا الآن في المركز الثاني بعد تايوان، حيث يمكن أن تندلع شرارة الحرب العالمية الثالثة.

وفي هذه الأثناء، يحاول الرئيس أردوغان هو الآخر النزول إلى الملعب للمشاركة في مباراة كرة القدم بين اللاعبين الكبار، وتسديد ضربة يعلم الله في أي اتجاه. ولا أستطيع أن أتوقع ما إذا كان سيتعرّض للدهس، أو أن أحداً لن يلاحظه على خلفية أمور أكثر أهمية. ومع ذلك، فنحن نذكر أن الحرب العالمية الأولى اندلعت بعد طلقة واحدة لإرهابي واحد، لهذا فلدى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، فرصة ذهبية لدخول التاريخ بنفس تلك الصفة.

المصدر: روسيا اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى