الحدث

ما بعد الانتخابات العراقية.. تسوية حكومية أم أزمة سياسة كبرى؟

انتهت الانتخابات العراقية وأفرزت نتائج كانت مفاجئة للجميع، سواء على صعيد المشاركة أو على صعيد النتائج التي أدت الى تقدم كبير وواضح للتيار الصدري الذي حصد أعلى نسبة بـ73 صوتا، وقد تلت العملية الانتخابية اعتراضات بالجملة سياسيا وشعبيا، على خلفية حصول تزوير واسع في عمليات الاقتراع وفرز الأصوات، والاحتجاجات مستمرة حتى الساعة، وتتسع يومَا بعد آخر.

لكن ما هي الأسباب التي أدت الى هذه النتائج؟ وكيف سيكون عليه الحال في الفترة المقبلة؟

بادىء ذي بدء لا بد من الاشارة الى عدة ثغرات ساهمت بما حصل، ومنها:
-عدم تحمل فئات واسعة من الشعب المسؤولية على الرغم من الدعوات التي أطلقتها المرجعية الدينية والعديد من علماء الدين والقوى الوطنية والحية في العراق، ولذلك رأينا ان هناك فئات لم تشارك أصلا بالانتخابات حيث جاءت نسبة المشاركة منخفضة نسبيًا (38 %) وأقل من ذلك في بعض المحافظات، فيما انجرفت فئات أخرى بالدعاية الانتخابية المضللة التي تديرها قنوات ووسائل اعلام خليجية واقليمية.

-وجود خلل في الأداء السياسي والانتخابي وإنشاء التحالفات من قبل بعض الجهات السياسية نظيفة الكف والتي لم تنغمس بالفساد او بالتبعية للخارج، وكان بإمكانها تقديم برامج وخطط انتخابية أفضل وخطاب سياسي مختلف يحاكي احتياجات المواطنين في مختلف المجالات نظرًا للأوضاع الصعبة لشرائح عراقية واسعة كالشباب والعاطلين عن العمل.

-كشفت الانتخابات ان هناك جهات تلعب على وتر استغلال حاجات الناس ومشاعرهم الطائفية والمذهبية والعشائرية للحصول على الأصوات فقط، وهذا يدلل على ان هذه الجهات لا تهتم إلا بمصالحها الانتخابية الآنية الضيقة ولا تقيم اي وزنًا للمصالح العراقية.

– حصول تدخلات واسعة من قوى داخلية وأخرى اقليمية( اماراتية- اسرائيلية) لتزوير الانتخابات، والتلاعب في عمليات فرز الاصوات، وهناك جهات سياسية وإعلامية عراقية سبق ان حذرت من ذلك لا سيما على صعيد البرنامج الالكتروني (الاماراتي) المعتمد في التصويت والعد والفرز بما يجعله عرضة للاختراق بسهولة، وتكشفت خلال الايام القليلة الماضية حجم التزوير الذي حصل والخروقات الفاضحة والتدخلات لصالح المحور الاميركي البريطاني الخليجي، ما أفرز حالات كبيرة من الاعتراضات على الانتخابات ونتائجها، وبدأ الاعتصام الشعبي الواسع حول المنطقة الخضراء وامام مباني مفوضية الانتخابات في بغداد والمحافظات، للمطالبة بتصحيح العملية الديمقراطية، وعدم ضياع أصوات الناخبين التي سيدفع ثمنها العراق على المدى الطويل.

لكن ماذا لو لم توصل هذه الاعتراضات الشعبية والسياسية والطعون الانتخابية الى أي تغيير على صعيد نتائج الانتخابات، كيف سيكون المشهد في الفترة اللاحقة؟

-ينشغل النواب الفائزون والاحزاب والقوى السياسية الآن بانشاء تحالفات تهدف الى تشكيل الكتلة البرلمانية الاكبر التي يحق لها اختيار رئيس الوزراء، وهي الكتلة التي تعلن عن نفسها تحت قبة البرلمان في اول جلسة له، ويسبقها تقديم لائحة باسم الكتلة الاكبر رسميًا للمجلس قبل يوم من انعقاده، وذلك حسب التفسير القانوني للمحكمة الدستورية.

-لا يمكن لفريق واحد ان يذهب منفردّا لتشكيل الحكومة وتسمية رئيسها، بل الأمر يحتاج الى التوافق وخلق تحالفات بين عدة مكونات بحسب حجمها الانتخابي، ومن السيناريوهات ان يقوم تحالف كبير يضم مكونات شيعية وسنية وكردية تعكس صورة التمثيل في البرلمان، علما ان هذا الأمر يخالف أحد أهم مبادئ النظام البرلماني ألا هو “مبدأ الفصل بين السلطات”، ولكن الواقع العراقي محكوم بـ”الديمقراطية التوافقية” التي تفرض التوافق والتحالف بين مختلف الاطراف وعدم استبعاد المكونات الكبيرة والأساسية، رغم ان هذه النقطة تعتبر غاية في الاهمية لانها تؤدي عمليا الى تعطيل أداء الحكومة وعدم سير العمل بأفضل طريقة نتيجة مراعاة المحاصصات الطائفية والمناطقية.

وبالسياق، قالت مصادر عراقية متابعة لملف الانتخابات “ان التيار الصدري يسعى للتحالف مع الحلبوسي وتيار البارزاني الكردي، الا انه لم ينجح حتى الساعة لا سيما باقناع البارزاني” وأضافت المصادر “في النهاية لا يمكن فرض اي شيء على فريق وازن برلمانيًا وشعبيًا، وبالتالي يجب العمل لإرضاء مختلف الاطراف في تسمية رئيس الحكومة”، وتابعت “يمكن ان نشهد ضغوطًا أميركية وخليجية لمنع التحالف مع الفتح والمالكي”.

بكل الأحوال علينا ان ننتظر الفترة المقبلة لنرى ماذا سيجري على الارض، وهل بالامكان متابعة العمل السياسي بنتائج الانتخابات التي صدرت وصولا لتشكيل الحكومة؟
الا انه لا بد من الاشارة الى اخذ العبر والدروس من هذه الانتخابات، وضرورة ان تحسن الاحزاب والجهات العراقية الوطنية وصاحبة التضحيات والتاريخ النظيف البعيد عن الفساد، وعلى رأسها القوى القريبة من المقاومة والحشد الشعبي، من أدائها السياسي بما يجعلها أقرب للناس وعدم تركهم لجهات تستغلهم وتستغل اصواتهم بما لا ينفع العراق، بل ينفع من يرتمي بأحضان أعداء العراق في المنطقة او على الساحة الدولية.

وهذا ضروري من الآن للتغيير في أي انتخابات مقبلة، وكفى للعراق ان يدفع الثمن مقابل السياسات الاميركية التي تعمل على تعطيل مسيرة التطور في البلاد، ليس الآن فقط بل منذ تسعينات القرن الماضي وما تلاها من احتلال وفرض سياسات فاشلة، ثم استغلال الوضع الأمني والتفجيرات والفتن الداخلية، من ثم خلق واستغلال التنظيمات الارهابية لا سيما “داعش”، ثم موجة التظاهرات والاستفادة مما يسمى “منظمات المجتمع المدني”، وصولا لما حصل بالانتخابات الحالية من سرقة للأصوات وخطف إرادة الناس خدمة لمصالح واشنطن ولندن والرياض وابو ظبي واسطنبول.


الكاتب: الخنادق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى