هذا هو الخلاف بين “القوات اللبنانية” و”حزب الله”

اندريه قصاص Andre Kassas

يطّل اليوم رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع ليردّ على الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، الذي سيطّل بدوره غدًا الجمعة، ليردّ على الردّ، فيما البلاد غارقة في مستنقع الأزمات المعيشية التي تتوالد كل يوم وتتكاثر، وكأن ثمة قرارًا في مكان ما لتعطيل عمل الحكومة، التي كانت قد بدأت تتلمس طريقها لإيجاد ما هو مناسب من حلول ممكنة لأزمات عمرها أكثر من أجيال.
ولأن البلاد والعباد في مكان والأحزاب السياسية في مكان آخر، على رغم خطورة الخلاف الجديد – القديم بين شريحيتن واسعتين من اللبنانيين، فإن ما حصل يوم الخميس الماضي في الطيونة، مع ما تضمّنته هذه الحوادث من إستحضار لأجواء حرب أهلية جديدة، من شأنه أن يطيح بكل الجهود المبذولة لإعادة وضع لبنان على طاولة الإهتمام الدولي وضرورة مدّ يد المساعدة له لإخراجه من عمق الحفرة السحيقة.

المشكلة الأساسية في البلاد والتي أدّت إلى تراكم الأزمات المعيشية هي مشكلة سياسية في الأساس ويتفرّع منها مشاكل وجودية أخرى كالاعتراف مثلًا بالوجود السياسي “للآخر” من دون تخوينه أو إخضاعه بين الفينة والأخرى لفحص دم الإنتماء الوطني الصافي. وهذا الجو لا يندرج حكماً في إطار إمكانية التحالف بين “الآخر” الأول مع “الآخر الثاني، خصوصاً عندما تكون التناقضات التاريخية بينهما عميقة ومتواصلة ومؤثرّة، وترتبط أيضاً ببرامج سياسية تمتدّ من “الداخلي” إلى “الإقليمي” مروراً بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وصولاً إلى الاصطفافات الدولية ناهيك عن الإيديولوجيات المتصارعة.
فحال “حزب الله” وحزب “القوات اللبنانية” مشابه تمامًا لهذا الوصف. وهذا الخلاف بينهما لا علاقة له أبداً بالانتماء الديني. لذلك فإنّ مجرد ترك هذا الصراع بين الطرفين من دون معالجات على مستوى الوطن ككل لا يعني بالضرورة إلغاءه، بل ربما قد يزيده تأزيماً، لأن ثمة تناقضاً بينهما في الأبعاد الإيديولوجية، وإن كانا متفقين على أمر واحد، بعد مخاض عسير، على أن إسرائيل هي عدّوة لبنان الأولى من حيث التوصيف، مع إختلاف في التوجهّات عن التعبير العلني عنها.
فمعاداة إسرائيل بالنسبة إلى “حزب الله” تكون بمواجهته عسكريًا تحت “معادلة توازن الرعب”، وهو يعتبر أنه يقوم بهذا الدور على أكمل وجه دفاعًا عن كل لبنان وجميع اللبنانيين، وقد سقط له في هذه المواجهات أكثر من شهيد على مرّ السنوات. فهذه المعادلة كرّست في رأيه واقعًا جديدًا على الأرض وفرضت على العدو الإسرائيلي أنماطًا جديدة في طريقة التعاطي مع المقاومة.
أما “القوات اللبنانية”، ومعها شريحة واسعة من اللبنانيين، فتعتبر أن “قرار السلم والحرب” يجب أن يكون محصورًا بيد الدولة اللبنانية الكاملة السيادة، وأن مهمة الدفاع عن السيادة اللبنانية يجب أن يتولاها الجيش اللبناني دون غيره، وألا يكون على الأراضي اللبنانية سلاح غير السلاح اللبناني الشرعي، مع العلم أن وزراءها كانوا يتحفظّون دائمًا على معادلة “الشعب والجيش والمقاومة” التي كانت ترد في البيانات، ولو بصيغ إنشائية مختلفة.
ومنذ أن كانت طاولات الحوار التي كان الرئيس نبيه بري أول من دعا إليها، ومن بعده الرئيس ميشال سليمان، فإنها لم تتوصّل إلى أي نتيجة بالنسبة إلى “الإستراتيجية الدفاعية”، وبقي هذا النقاش غير المباشر حول هذه النقطة بالذات قائمًا حتى الساعة.
هناك تباين إضافي على مستوى العلاقة مع سوريا، فـ”حزب الله” يرى في الدولة السورية حصناً مجاهداً ضدّ الإرهاب وإسرائيل. ولا ينسى وقفات الرئيس بشار الأسد إلى جانب المقاومة في 2000 و2006 في وجه الغزو الإسرائيلي. ويعرف أنّ سقوط سوريا يستتبع حكماً سقوط لبنان والمشرق العربي بأسره. لذلك تقوم عقيدته على الدفاع عن الدولة السورية من أجل سوريا ولبنان. ولولا وجوده في أعالي البقاع لكان التكفيريون قتلوا المسيحيين والمسلمين في قراهم عند الحدود السورية في البقاع الشمالي من دون أن يسأل عنهم أحد.
وفي هذه النظرة بالذات ترى “القوات اللبنانية”، على خلاف “حزب الله”، أن سوريا هي وراء الأزمات المتتالية في لبنان منذ الإستقلال حتى اليوم، وبالأخص عندما دخل الجيش السوري في عداد قوات الردع العربية، إلى حين خروجها من لبنان على أثر إغتيال الرئيس رفيق الحريري العام 2005.
ولا تنسى “القوات” أن تذكّر في كل مرّة يُطرح موضوع عودة العلاقات اللبنانية – السورية إلى ما قبل الربيع العربي بأن النزوح السوري غير المنظّم على مختلف الأراضي اللبنانية هو من بين العوامل الرئيسية المؤثرّة في عملية التدهور الإقتصادي اللبناني، وهي تعارض بالطبع “تطبيع” العلاقات اللبنانية – السورية خارج إطار الإجماع العربي.
هذه النقاط هي جزء صغير من أزمة كبيرة تجعل الحوار بين “القوات” و”حزب الله” مستحيلًا، ويبقى السجال على أكثر من نقطة مفتوحًا على مصراعيه.
المصدر: لبنان 24

Exit mobile version