ٍَالرئيسيةتحقيقات - ملفات

“الجهاديون الألمان” أين هم الآن، وماهو وضعهم القانوني ؟

جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون

ما زالت ألمانيا إلى جانب بقية العواصم الأوروبية تعيش هاجس، عودة المقاتلين الأجانب، وتعتبر عودتهم إلى ألمانيا، تهديدا مباشرا على أمن ألمانيا ودول أوروبا، وهذا كان من بين أبرز الأسباب التي تدفع ألمانيا برفض عودة المقاتلين الأجانب وعائلاتهم. كانت ألمانيا إلى جانب بقية دول أوروبا خضعت إلى الكثير من الضغوطات من الولايات المتحدة، والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، من أجل تغير موقفها باستعادة مقاتليها. وهنا يبرز السؤال: هل فعلا ألمانيا غير قادرة على استعادة مقاتليها؟ وهل الرفض الألماني، يأتي نتيجة موقف سياسي؟ أم لأسباب قانونية؟ وماذا عن الدستور الألماني والمحاكم الألمانية، حول عودة  الدواعش الألمان؟

المقاتلون الأجانب، تهديد يعود إلى الواجهة

هناك عودة محدودة ومحاكمات غير رسمية في أوروبا ، الموقف السائد فيما يتعلق  بعودة عناصر تنظيم داعش وعائلاتهم الى أوطانهم، هو معارضة العودة من المقاتلين الأجانب ، بغض النظر عن العمر والجنس والقرار الأخير للاتحاد الأوروبي البرلمان الذي دعا إلى السماح بعمليات العودة إلى اوطانهم .

أعلن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس يوم السابع من أكتوبر 2021 أنّ حكومته أعادت إلى ألمانيا من شمال شرق سوريا ثماني نساء ممّن أنضمن الى صفوف داعش، و23 طفلاً، في أكبر عملية من نوعها تنفّذها برلين منذ 2019.

حذر رئيس وكالة المخابرات الخارجية الألمانية  يوم 13 يوليو 2021 من أن تنظيم داعش قوي كما كان دائمًا – حتى بدون خلافته.  يتفق خبراء الإرهاب على أنها تحولت إلى شبكة قوية. أجرى رئيس وكالة الاستخبارات الخارجية الألمانية ، دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية ، مقابلة نادرة على وجه التحديد للتحذير من أنه على الرغم من المظاهر ، لا يزال الإرهاب يمثل تهديدًا حقيقيًا للنظام العالمي ، حتى بعد 20 عامًا من أحداث 11 سبتمبر.  في أحدث تقرير لها ، نُشر خلال شهر يونيو 2021، أبلغت BfV عن هجمات إسلامية طفيفة في ألمانيا في عام 2020. وكان أبرزها حادث الطعن في دريسدن في أكتوبر2020 ، عندما هاجم رجل يعتقد أنه يتعاطف مع الإسلاميين اثنين من السائحين المثليين بشكل علني بسكين ، أحدهما مات في وقت لاحق.  ومع ذلك ، حذرت منظمة BfV من أن “الهجمات المعقدة والمتعددة ، التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية في الخارج ، لم تحدث في ألمانيا بعد.

ورغم ذلك حذرت الإستخبارات الداخلية الالمانية من موجة من الإرهاب  التي ممكن ان تغزو ألمانيا من جديد . لكن خطر ما يسمى بالذئاب المنفردة – على سبيل المثال ، الأشخاص الذين أصبحوا متطرفين على الإنترنت – يصعب للغاية على وكالات الاستخبارات مراقبته أو منعه.

داهمت الشرطة الألمانية يوم 14 يوليو 2021 من يشتبه في أنهم من أنصار داعش تم تنفيذ عشرة أوامر اعتقال في جميع أنحاء ولاية هيس الألمانية للاشتباه في تمويلها جماعة إرهابية. ومن بين المتهمين ثمانية رجال وامرأتان تتراوح أعمارهم بين 20 و 51 عاما.  وفقًا لبيان صادر عن مكتب المدعي العام في فرانكفورت أم ماين ومكتب الشرطة الجنائية في ولاية هيسيان. المتهمون ، الذين يحملون الجنسية الألمانية والأفغانية والكوسوفية والتركية ، اتُهموا بتمويل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي في سوريا من خلال التبرعات.

نفذت الشرطة الألمانية، يوم السادس من أكتوبر 2021 ، مداهمات واسعة النطاق في ثلاث ولايات، طالت شبكة غسل أموال يشتبه بأنها حولت ملايين اليوروهات من المكاسب غير المشروعة إلى جبهة النصرة في سوريا وتركيا. وقالت شرطة دوسلدورف إن المداهمات شارك فيها أكثر من ألف من أفراد الشرطة داهموا شبكة يشتبه بتمويلها جبهة النصرة في سوريا، واستهدفت 80 منزلاً في ولايات شمال الراين- وستفاليا وساكسونيا السفلى وبريمن، في مداهمة هي الأكبر منذ سنوات بحسب المحققين.

أين “الجهاديون” الألمان  وعائلاتهم اليوم؟ 

سافر  مايقارب 1050 مواطن ألماني إلى العراق وسوريا للانضمام إلى تنظيم داعش ، من المعروف أن أكثر من 330 ألمانيًا قد عادوا. عاد معظمهم إلى ألمانيا في موجات بين عامي 2014 و 2015  ولا يزال المئات من المقاتلين الألمان الأجانب في العراق وسوريا ونحو ثلث المقاتلين الألمان الأجانب ما زالوا نشطين في المنطقة أو تحتجزهم قوات الأمن. تحتجز القوات الكردية ما يصل إلى 200 مواطن ألماني في سجون ومعسكرات شمال شرق سوريا  وفقا لتقرير المركز الدولي لمكافحة الإرهاب بعنوان  أين المقاتلون الألمان الأجانب اليوم.

كشفت التقارير من قوات سوريا الديمقراطية من داخل مخيم الهول ربما تفاصيل اكثر،  بوجود 12 ألف عنصر من تنظيم داعش في سجونها. وتقدر الحكومة الالمانية، بان عدد عناصر داعش  من الالمان في مخيم الهول لوحده: 50 أمرأة و 60 طفلا و 30 رجلا. يذكر بان عدد “الجهاديين” الالمان الذين سافروا الى سوريا منذ عام 2011 يقدر ب 1050 شخص، قتل منهم 10% وعاد منهم 30% أي مايقدر ب 300 شخص تقريبا. الجهاديون الألمان

وهناك 95 ألمانًيا محتجزون في تركيا أو سوريا أو العراق. وذكرت وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) أن الشرطة الألمانية أجرت تحقيقات نشطة ضد 33 منهم وصدرت أوامر اعتقال في 26 قضية. وفي الوقت نفسه ، واجه العشرات من أعضاء داعش بالفعل محكمة في ألمانيا بعد عودتهم طواعية ، وحتى أولئك الذين لا يوجد ضدهم دليل على جرائم فعلية يخضعون عادة للمراقبة من قبل شرطة الولاية أو وكالات المخابرات المحلية. ماعدا ذلك كشفت الشرطة الالمانية عن عودة بعض “الجهاديين” الالمان وعائلاتهم بشكل غير قانوني الى المانيا.

جهاد صنع في المانيا

ويعتبرمركز غالانت فينيكس مركز قيادة العمليات الخاصة الأمريكية المشتركة في الأردن ، “يجمع غالانت فينيكس” معلومات استخباراتية عن المقاتلين الذين قاتلوا من أجل أمثال تنظيم داعش والجماعات المتطرفة الأخرى. تشمل المعلومات ذات الصلة الوثائق والبيانات وآثار الحمض النووي وبصمات الأصابع التي تم استردادها من معاقل داعش السابقة.

على الرغم من أن الدول قد لا تتخذ الخطوة اللازمة لإعادتهم ، فإن بعض المقاتلين الأجانب و تمكنت عائلاتهم من العودة.  كشف تقرير اليوروبول،   النسب المئوية من العائدين منذ بداية الصراع السوري.  على سبيل المثال ، معدل العائد تذبذبت النمسا وبلجيكا وفنلندا وفرنسا وإيطاليا بين 20٪ و 30٪ ، في حين سجلت هولندا وإسبانيا عودة قرابة 18٪. فى المقابل، يبدو أن ألمانيا والمملكة المتحدة قد شهدتا أعلى نسب من الأجانب عودة المقاتلين حوالي 33٪ و 45٪ على التوالي. وتشمل هذه العائدات النساء و القصر.

يعيش حوالي 9000 أجنبي ، في مخيم الهول أما الباقون فهم محتجزون في الروج ، وهو معسكر أصغر حجما وأكثر حراسة. يقع كلا المخيمين في محافظة الحسكة بالقرب من الحدود مع تركيا والعراق.  ويعيش في المخيمات حوالي 27500 طفل أجنبي (بما في ذلك المواطنون العراقيون). 90٪ تحت سن 12 سنة. أعيد عدد من الاطفال الى اوطانهم  ربما أقل من ألف شخص وفقا الى تقرير للكاتبة الفرنسية  Lyse Mauvais

الوضع القانوني الى” الجهاديين” الألمان

تعمل الحكومة الالمانية من خلال مكتب المدعي العام، في محكمة، “كارلسروه” الالمانية المختصة في قضايا الإرهاب، بارسال فريق عمل، يتحقق من وجود عناصر تنظيم داعش واماكن تواجدهم، ضمن مهمة سرية، كون المانيا لايوجد لها سفارة او قنصلية في سوريا. وتقول قوانين واجراءات وزارة الداخلية الالمانية : “ان جميع المواطنين الألمان لهم الحق في العودة (إلى ألمانيا) من الناحية المبدئية بمن فيهم أولئك المشتبه في قتالهم ضمن تنظيم داعش”.

ماتعمل عليه المانيا في الوقت الحاضر؟ العمل على جمع الادلة والشواهد الى عناصر داعش الموجودين في سوريا والعراق، من اجل اخضاعهم الى المحاكم حال عودتهم، وبدون حصول المانيا على تلك “المعلومات القضائية” هي لا تتمكن من إستعادتهم حسب قول الحكومة الالمانية.

لماذا تحذر المانيا من عودة المقاتلين الاجانب، وكيف تعاملت معهم؟

حذرت  الإستخبارات الداخلية الالمانية  BfV من الأطفال والمراهقين الذين تم تكوينهم اجتماعيا وتلقينهم من قبل الجماعات المتطرفة ويعودون إلى ألمانيا من مناطق الحرب. تعرض بعضهم لغسيل دماغ في مدارس داعش وكانوا متطرفين للغاية. قال وزير الداخلية الألماني إن دعاية تنظيم الدولة الإسلامية تروج للأطفال على أنهم “جيل جديد من مقاتلي تنظيم داعش، ويتم تصويرهم على أنهم قساة وعنيفون” ، مضيفًا أنهم قد يكونون خطرين عند عودتهم وينشأون كجيل ثان من” الجهاديين” .

ادرجت السلطات الألمانية الأفراد الذين تشتبه في استعدادهم للقيام بهجمات إرهابية على النحو الذي يسمى “المعرضين للخطر”  تحت تسمية باللغة الالمانية . (Gefährder)   أدرجت الشرطة الفيدرالية الألمانية مؤخرًا 679 فردًا في هذه الفئة الخطرة او المحتمل ان ينفذوا عمليات إرهابية، 509 آخرين يعتبرون “الأشخاص الاقل خطورة”. يمثل هذا انخفاضًا عن الـ 748 “المعرضين للخطر” المُدرجين في مارس 2019.

الاستخبارات الالمانية، حصلت الكثير من الصلاحيات، من الحكومة والبرلمان خلال السنوات الثلاث الاخيرة، يمكنها من اعتماد اجراءات استباقية و وقائية امنية تقليدية، منها مراقبة المشتبه بهم، اخضاعهم للمراقبة الالكترونية، قرصنة المعلومات من اجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية.

أن توظيف نظام تصنيف معدل الخطر لدى المتطرفين الإسلامويين كان نتيجة لتطور الأوضاع الأمنية بالبلاد، ويعرف هذا النظام بـ(رادار داعش) أو رادار (iTE) طورته الشرطة الفيدرالية الألمانية بالتعاون مع باحثين بقسم علم النفس في جامعة كونستانز، ويتم بموجبه تقسيم الإرهابيين إلى ثلاث فئات من الخطورة. “الجهاديون”  : الأصفر: خطورة معتدلة البرتقالي: خطورة ملحوظة  ، الأحمر: خطورة مرتفعة . ويشمل المقياس 73 سؤالا حول المتطرف يتحدد على إجاباتهم سواء كانت نعم أو لا أو غير معروف درجة الخطورة التي يصنف عليها الإسلامويين. “الجهاديون”

دشنت الهيئة الاتحادية لمكافحة الجرائم في ألمانيا في فبراير2020 بوابة إلكترونية لجمع أدلة عن الهجوم الذي شهدته مدينة “هاناو”، بولاية “هسن”. وأوضحت الهيئة على موقعها الإلكتروني أنها أصدرت مناشدة للمواطنين بتحميل أي مقاطع فيديو أو صور على الموقع من أجل استجلاء مجريات الجريمة دون ثغرات، مضيفة أنه يمكن أيضاً الإبلاغ عن أي أدلة هاتفياً بالاتصال على رقم مجاني.

ويتوجب على  أي شخص يذهب للقتال في صفوف الجماعات المتطرفة في الخارج أن يتوقع تجريده من جنسيته الألمانية ذلك منذ شهر سبتمبر 2019 وذلك وفقا للمادة 116 الفقرة (أ) من الدستور الألماني ـ القانون الأساسي. ولأسباب تاريخية ، يحظر القانون الألماني الحرمان من الجنسية عندما يحمل الفرد الجنسية الألمانية فقط وينتهي به الأمر عديم الجنسية. وتبنّت الحكومة الألمانية ثلاثة أسس: فمن يحمل جنسية ثانية ويبلغ سن الرشد ويريد المشاركة مستقبلا في القتال يمكن مبدئيا أن يفقد الجنسية الألمانية. كما أنّ القانون ليس له مفعول رجعي على المقاتلين المعتقلين حاليا وقاتلوا لصالح داعش.

تعمل المانيا الى جانب دول أوروبا على مراجعة كل ملف على جانب من الملفات الاخرى، وهذا يعني ان المانيا تعتمد جمع المعلومات حول المقاتلين الاجانب، في مناطق النواع خاصة سوريا والعراق. تقارير الاستخبارات الالمانية اكدت انها قامت بجمع المعلومات حول عدد من “الجهاديين” الالمان، في سوريا والعراق وقبل عودتهم، الهدف هو اضاع من يمكن اخضاعه حال عودته الى المانيا. موقف دول أوروبا من التطورات في إدلب السورية

النتائج

ليس مستبعدا، ان الخطوة الألمانية بإستعادة المقاتلين الأجانب جاءت في أعقاب انتها الأنتخابات الالمانية يوم 26 سبتمبر2021، حيث كانت الحكومة، تتخوف من إستثمار اليمين المتطرف، قرار الحكومة ـ الائتلاف الحاكم لصالحه في الأنتخابات العامة. كذلك هي تأتي ايضا في أعقاب تقديم الامين العام للامم المتحدة مبادرة جديدة حول عائلات واطفال داعش في مخيمات شمال وشرق سوريا يوم 30 سبتمبر 2021.

ومن الجدير بالذكر ان القانون الالماني لايعاقب من سافر الى سوريا والعراق وعاش في ظل “خلافة داعش” بقدر اخضاع من تورط في عمليات ارهابية : قتل او جرائم حرب، وتكون عقوبته في المانيا لا تقل عن ثلاث سنوات، وفي بعض الحالات يمكن ان تصل الى عشر سنوات. ولاتخضع المانيا العائدين الى العقوبات القضائية، عندما لا يثبت تورطه في عمليات قتل او جرائم حرب، وهذا مايثير الكثير من المخاوف لدى المواطن الالماني، كون العائدين سيكونوا طلقاء، وممكن ان ينفذوا عمليات ارهابية.وتكمن التحديات امام اجهزة الاستخبارات برصد ومتابعة العائدين الطلقاء، لاسباب تتعلق بالموارد البشرية والفنية.

بغض النظر عن مخاوف الأمن القومي ، فإن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حذرة بشأن العودة إلى الوطن الأطفال لأن المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تشير إلى الحق في الحياة الأسرية. وبالتالي ، يمكن لأولياء أمور داعش الذين أعيد طفلهم إلى وطنهم الاستئناف هذا الحق والمطالبة بالعودة إلى الوطن.  معظم الدول الأوروبية إعادة الأيتام فقط .

بات مستبعدا ان يكون هناك حسم الى ملف المقاتلين الاجانب رغم الخطوة الألمانية هذه، والتي يمكن وصفها تغيير نسبي في الموقف الالماني ، رغم الضغوطات من قبل الصليب الاحمر ومنظمات دولية والامم المتحدة وكذلك الولايات المتحدة.  إن عدم حسم الموقف ملف المقاتلين الاجانب، يعتبر تخلي المانيا وأوروبا أيضا عن التزاماتها القانونية والاخلاقية . إن إبقاء او ترك المقاتلين الاجانب في سوريا وغيرها من مناطق القتال، يعمل على زيادة التطرف والإرهاب. القواعد الاساسية في محاربة التطرف والارهاب تلزم الدول الاوروبية ودول اخرى بضرورة استعادة مواطنيها،  الجهاديون الألمان

يمكن اعتبار ان الخطوة الالمانية هذه باستعادة ثمان نساء مع اطفالهن، نقطة تحول في الموقف الالماني والأوروبي، ممكن ان تدفع دول أخرى، بإستعادة رعاياها، لكن رغم ذلك ان إستعادة بضعة نساء لا يوازي حجم “المعضلة” في مخيمات شمال وشرق سوريا، ينبغي على دول أوروبا والدول الاخرى النهوض بمسؤوليتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى