تحقيقات - ملفات

الميديوقراطية أو حكم الرويبضة

– أسعد العزّوني

يقاس نجاح المؤسسة أو فشلها – بغض النظر عن حجمها وطبيعة عملها،سواء كانت دولة أو مؤسسة تجارية أو إعلامية أو حتى ناد رياضي- على الأشخاص الذين يديرونها ويرسمون سياساتها ،وفي حال كان هؤلاء الرجال/النساء معروفين بخبراتهم وتجاربهم وإنتمائهم وولائهم للمؤسسة،فإن المردود سيكون كبيرا على المؤسسة نفسها ، وعلى كل من يتعاملون معها ويستفيدون من خدماتها،بينما لو كان هؤلاء من الوزن الخفيف المدعين للمعرفة”رويبضة أو تافهون”،وجل روافعهم أنهم من أبناء الذوات أو من الصيد السهل للبعض ،وإستظلوا بمظلة سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية ما،فإن الفشل سيكون من نصيب تلك المؤسسة حتى لو كانت بحجم دولة ،وكم نسمع أن دولة ما أصبحت دولة فاشلة!!!وهذا ما لمسناه في إنهيار الإمبراطوريات البائدة بعد أن سادتـ ثم بادت، بسبب تسلم الحكم فيها من قبل رويبضات جهلة من الوزن الخفيف حتى لو كانوا أبناء أو إخوة لمن سبقوهم في الحكم وكانوا صارمين .
لا نكشف سرا عندما نقول أن إنهيار الإمبراطوريات السابقة ،جاء على أيدي رويبضات حكموا وراثة ،ولكنهم إنشغلوا بصراعات الحكم ومؤامرات نساء القصور ،وأصبح جمع المال واللعب مع القواني والغواني هو شغلهم الشاغل،لمراهقتهم السياسية وجهلهم في أمور الحكم وبالتالي إنهارت صروحهم،ومن طريف ما قيل في هذه المناسبة صرخة أم أبي عبد الله الصغير صاحب الأندلس ،عند سقوط خلافته وكان يبكي على ضياع ملكه ،فقالت له:”إبك كما النساء على ملك لم تصنه كالرجال”.
هذه الحالة نبأنا بها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من 1440 عاما ،عندما قال :” ستأتي على الناس سنوات خدّاعات،يصدّق فيها الكاذب ويكذّب فيها الصادق،ويؤتمن فيها الخائن ويخوّن فيها الأمين،وينطق فيها الرويبضة”، ولما سألوه عن معنى الرويبضة قال:”التافهون يتحدثون بإسم العامة”،وأعتقد أننا في عصر الرويبضة بكافة تجليات هذا الوصف إجتماعيا وإقتصاديا وسياسيا ،وأتحدث عن الواقع العربي بشموليته.
اليوم وبتطور الأحداث والمصطلحات والواقع المعاش،أطلقوا على الرويبضة مفهوما آخر وهو “الميديوقراطية”،ولكنها إحتفظت بروحها وهو “التافهون”،وقام الخبير الكندي الفيلسوف البروفيسور آلان دونو من جامعة مونتريال بإختراع نظرية في هذا المجال ،وأفرد لها كتابا بعنوان:”الميديوقراطية”،تحدث فيه عن تغلغل التافهين في كافة مفاصل الدولة في ظل العولمة ،التي أدخلت علينا مفاهيم جبرية،وأدخلتنا قسرا في دوامات حياتية صعبة.
هؤلاء من أبناء الذوات الرخوين ،الذين إرتبطوا فكريا بالغرب وعادوا إلينا من جامعاته خبراء مبرمجين جل همهم تنفيذ أجندات مشغليهم،وليس مصالح أوطانهم،ويكون الوطن بذلك هو الخاسر الأكبر ،لأن خيرات البلد ستصب في خزائن البنك وصندوق النقد الدوليين من خلال هؤلاء والقاتل الإقتصادي الذي يتحالف معهم بطبيعة الحال،وهم محميون من قبل عواصم الغرب التي تضع لهم القواعد وأسس العمل وشروط الإستدامة ،وهذا ما يفسر عدم صعود الكفاءات والخبرات والمبدعين والغيورين إلى المناصب العليا في هذا البلد العربي أو ذلك وكذلك في دول العالم الثالث المستباحة.
لا ننكر أن هؤلاء التافهين الذين يصفهم دونو بالذباب الإليكتروني ،متعلمون ومثقفون في السياسة والفن والإعلام ،ولديهم خاصية كبيرة في التزلف والنفاق لصانع القرار ،وهذه الخاصية من الصفات المطلوبة لتمكينهم،ولو دققنا النظر في واقعنا العربي لوجدنا أن هؤلاء الذباب”الرويبضة”،متربعون في كافة المناصب العليا لصنع القرار،ولهم الحظوة ويتنقلون عبر مظلات أمن واقية وحامية لهم،وأبرز هؤلاء هو إبن “زلخا نيسان” اليهودي صاحب الإسم المستعار ب . ع .
يضج الإعلام العربي بهلاء الرويبضة ،ولا نستغرب أن من كانت مهنته “الكوي”على سبيل المثال أن يصبح إعلاميا بارزا يستشار ويؤخذ برأيه ،وكذلك عامل المطعم أو النجارة ،ويسألونك عن إنهيار المؤسسات كيف يحدث،والأغراب أن مشغلي هؤلاء الرويبضات يفرخون رويبضات أخرى ويرشحونها لمشغليهم ،ولأنني إعلامي فإنني أدعو للتحقيق في واقع الإعلام الأردني على وجه الخصوص،كي يعلم الجميع لماذا إنهار الإعلام الأردني وتوقفت صحفة وتحجمت لعدة وريقات باهتة،ومن لم تنهار رسميا فإنها تتأرجح مقدمة للإنهيار،وهؤلاء الرويبضة يعرضون خدماتهم للإيجار ولمن يدفع أكثر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى