جنوب سوريا: لماذا ضاعفت موسكو الوجود الإيراني؟

جنوب سوريا: لماذا ضاعفت موسكو الوجود الإيراني؟

علي الإبراهيم* – أساس ميديا-الأحد 29 آب 2021

كلام الصورة: ضابط روسي برفقة قائد لواء أبو الفضل العباس التابع لإيران في العمليّات العسكرية السابقة بمحافظة درعا.

في صبيحة 23 تموز 2018، أُجبِر محمد خوالدة (48 عاماً) وعائلته على ترك منزلهم الواقع في بلدة الرفيد، في عمق الجنوب السوري، وتوجّهوا نحو محافظة إدلب أقصى الشمال السوري.

تمّ تهجير محمد ومئات من قوافل مسلّحي المعارضة وعائلاتهم، والمدنيين، من بلدات وقرى محافظتيْ درعا والقنيطرة، عقب حملة عسكرية على معظم المحافظتين انتهت بما يُعرف بـ”اتفاق التسوية” جنوب سوريا.

 

وقتها، جرى توقيع الاتفاق، قبل أيام من تهجير العائلات، وتحديداً في منتصف شهر تموز من عام 2018، بين روسيا وفصائل المعارضة السورية جنوب سوريا، بموجب تفاهم روسي-أميركي-إسرائيلي-أردني، وكانت موسكو “الضامن” لهذا الاتفاق.

تعهّدت موسكو من خلال التسوية بمنع حدوث تغيير ديموغرافي في محافظتيْ درعا والقنيطرة، وإبعاد ميليشيا الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني عن هضبة الجولان مسافة 85 كيلومتراً، بالإضافة إلى عدم السماح لتلك القوات التابعة لإيران بالتمدّد في عمق الجنوب السوري.

وفي المقابل وافقت فصائل المعارضة على أنّ تُسلّم سلاحها الثقيل، وأن يُجلى الرافضون للتسوية من الفصائل باتجاه محافظة إدلب شمال سوريا، على أن تتولّى الشرطة الروسية مهمّة ضبط الأمن داخل أحياء درعا.

ومنذ ذلك الحين، يعيش محمد مع عائلته في خيمة مهترئة ضمن مخيّم أطمة للاجئين شمال سوريا، فيما تحوَّل المنزل الذي كان يملكه شمال غرب بلدة الرفيد بالريف الجنوبي للقنيطرة، ضمن خط وقف إطلاق النار مع إسرائيل على حدود الجولان، إلى مركز عسكري يضمّ مجموعة من الفرقة الرابعة وعناصر من ميليشيا الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني.

يعرف الرجل أنّ سبب مصادرة بيته هو معارضته النظام السوري، إضافة إلى “استراتيجية” موقع منزله المطلّ على خطّ وقف إطلاق النار. ويؤكّد أنّ أحد أفراد العائلة رصد بالعين المجرّدة وجود هذه المجموعات في المنزل.

الخوالدة يكشف أنّ الميليشيات الإيرانية “تتخفّى” في منازل المدنيين “بلباس مدني”، ومن بينها منزله الذي تمّت مصادرته.

ويضيف في حديث مع “أساس”: “هناك أكثر من عشرة منازل تتمركز فيها هذه الميليشيات. هذه المنازل تعود لأشخاص تمّ تهجيرهم نحو الشمال السوري. وللأسف، اليوم، باتت العودة مستحيلة”.

وبعد ثلاث سنوات من توقيع “اتفاق التسوية”، نسلّط الضوء مجدّداً على حقيقة تنفيذ الاتفاق وحجم الميليشيات الإيرانية ومدى وجودها في عمق الجنوب السوري.

88 نقطة جنوب سوريا

يتقاطع كلام الخوالدة مع دراسة لـ”مركز جسور للدراسات” صدرت أخيراً، تفيد بأِنَّ نقاط تمركُز القوات الإيرانية التي يقودها الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى نقاط حزب الله، ازدادت أكثر من الضِّعْف، وارتفعت من 40 نقطة أمنية وعسكرية في آب 2018، أي بعد تنفيذ الاتفاق مباشرة، إلى 88 نقطة مع حلول آب 2021.

وجاء في الدراسة أنّ المشهد اليوم في المنطقة مخالف تماماً لِما جرى الاتفاق عليه بين الفاعلين الدوليين حول الجنوب السوري، ومخالف أيضاً لاتفاق تموز 2018.

 

وفي السياق نفسه، طالب رؤساء ووجهاء عشائر محافظة درعا في بداية الشهر الحالي بفك الحصار عن درعا البلد، النصف “المحرّر” من البلدة، الذي لم تدخله قوى النظام والميليشيات الحليفة له، وإيقاف كلّ الأعمال العسكرية في محافظة درعا.

وطالب الوجهاء بضرورة توقّف تمدّد الميليشيات الإيرانية وحزب الله في الجنوب السوري تحت أيّ مُسمّى، وبالتزام الضامن الروسي بتعهّداته والتحلّي بالمسؤولية التامّة كضامن لاتفاق تسوية الجنوب في عام 2018.

مطامع موسكو الخفيّة

يؤكّد الباحث في “مركز جسور للدراسات” وائل علوان، في حديث مع “أساس”، أنّ التفاهمات الإقليمية والدولية التي نتجت عنها سيطرة النظام السوري على كامل الجنوب بما فيه المناطق الحدودية مع الأردن وإسرائيل، كانت مبنيّة على ضمان روسيا إبعاد ميليشيا الحرس الثوري الإيراني وحزب الله عن هضبة الجولان والشريط الحدودي مع الأردن مسافة 85 كيلومتراً، وهذا الأمر لم يحصل.

ويكشف علوان عن تنسيق كبير جرى بين روسيا وإسرائيل نهاية عام 2019، تمّ بموجبه فتح قنوات اتصال عبر روسيا بين تل أبيب ودمشق.

وبحسب علوان، فقد طلبت موسكو من تل أبيب تخفيف القصف الإسرائيلي على مواقع النظام السوري مقابل إبعاد الحرس الثوري الإيراني وحزب الله من الشريط الحدودي مع الأردن وإسرائيل، وهو ما حصل، إذ انسحب عدد من النقاط مطلع عام 2020 مقابل انخفاض الاستهداف الإسرائيلي للنظام السوري وحلفائه.

ومع التطوّرات التي حصلت، أشار علوان إلى طلب موسكو مجدّداً من تل أبيب أن تقنع حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في كل من الخليج العربي والأردن بالعمل على إيجاد تسهيلات لعلاقات اقتصادية وسياسية مع النظام السوري، للتخفيف من القطيعة التي يعانيها النظام نتيجة العقوبات الأميركية، مقابل إبعاد ما تبقّى من القوّات الإيرانية في المنطقة.

وقوبل طلب موسكو برفض الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، بحسب الباحث في “مركز جسور للدراسات”، وهو ما أدّى إلى شعور موسكو أنّ ما قامت به من تخفيف الوجود الإيراني ووجود حزب الله لم يحقّق الهدف المنشود، وهو إعادة العلاقات السياسية والاقتصادية مع النظام السوري.

اختلاف في المصالح

لكن ما الذي حدث حتى تضاعفت هذه النقاط الإيرانية في عمق الجنوب؟

بحسب شهادات متقاطعة لقادة في فصائل المعارضة السورية وعضو في لجنة التفاوض جنوب سوريا، طلبوا عدم نشر أسمائهم، فقد دخلت مجموعات إيرانية مع معدّاتها العسكرية بعد النصف الأول من العام الماضي 2020، بغطاء من قوات النظام السوري، إلى مدن وبلدات محافظتيْ درعا والقنيطرة.

وأكّد شهود عيان تمركّز هذه المجموعات في المناطق الفاصلة قرب الشريط الحدودي في عمق الجنوب، التي يُمنَع فيها إجراء أعمال قتالية لكونها محاذية للأردن وإسرائيل.

ويُلفت عضو في “مجلس محافظة درعا”، الذي شُكِّل أثناء سيطرة المعارضة (تحفَّظ عن ذكر اسمه لأسباب أمنيّة)، إلى رصدهم وجود أكثر من 30 نقطة جديدة للميليشيات الإيرانية في أغلبية مدن وقرى محافظة درعا خلال الأشهر الستة الماضية.

وتضمّ هذه النقاط عناصر من حزب الله، ومراكز للحرس الثوري وميليشيات محلّية تتبع لإيران مباشرة، ويتركّز معظمها بريف درعا الشمالي، وأربع نقاط بالقرب من محيط مدينة درعا وفيه.

يرى الخبير العسكري العميد جمال الأسعد، الذي يقيم في مخيّم الضباط في منطقة الريحانية جنوب تركيا، في حديث لـ”أساس”، أنّ الروس “يريدون مكاسب جيوسياسية وأوراق تفاوض لتحقيق مكاسب دولية وإقليمية، فيما الإيرانيون يريدون مكاسب عقائدية بنشر التشيّع في الجنوب السوري، وأمّا النظام فيريد بقاء عناصره في المنطقة لإعادة فرض سلطته وهيمنته التي حُطِّمت خلال السنوات الماضية”.

وأمام هذه المعطيات ومع تزايد العقوبات على نظام الأسد وعسكره، فقد سمحت موسكو لإيران بدخول “وحدة الرضوان” التابعة لحزب الله ولواء “فاطميّون” ولواء “زينبيّون” التابعيْن للحرس الثوري، وأشرفت على انتشارهم مجدّداً في محافظتيْ درعا والقنيطرة وعلى الشريط الحدودي مع إسرائيل في محافظة القنيطرة، ومع الأردن في محافظة درعا، بهدف خلط الأوراق مجدّداً.

يقول خبراء إنّ هدف روسيا هو إظهار التغلغل الإيراني في عمق الجنوب السوري بمحافظتيْ درعا والقنيطرة عبر تشكيلات عسكرية تابعة لإيران ولحزب الله، وهو ما يؤدّي إلى تكثيف وجودها على الصعيد الميداني وظهور مجموعات تتبع لحزب الله في المنطقة.

وتداولت شبكات إعلامية محليّة في محافظة درعا صوراً لمقاتلين قالت إنّهم من جنسيات عراقية ولبنانية تابعة لإيران خلال حملة النظام العسكرية الأخيرة على “درعا البلد”، التي بدأت في نهاية تموز الماضي ولا تزال تلقي بظلالها على المدينة حتى اليوم.

كلام الصورة: مقاتلون من جنسيات عراقية ولبنانية تابعة لإيران خلال حملة النظام العسكرية الأخيرة على درعا البلد، في آب 2021. وتُظهِر الصور مجموعة مقاتلين عُرِف من بينهم القيادي في حزب الله اللبناني زكريا العلّام، وعدد من عناصر المجموعات المدعومة من إيران.

في حديث إلى “أساس” يوضح محمد حوراني، وهو ضابط منشقّ عن النظام السوري، ويقيم في العاصمة الأردنية عمّان، أنّ “الروس هم أصحاب القرار في درعا، والميليشيات الإيرانية والعناصر الأجانب المدعومون من إيران هم عبارة عن أحجار شطرنج بيد موسكو يتمّ تحريكها في الوقت المناسب”.

وتعيش محافظتا القنيطرة ودرعا في عمق الجنوب السوري حالةً من التعقيدات، تتجسّد في عدم وضوح سياسة روسيا في المنطقة، سواء لجهة الالتزام ببنود التسويات التي فرضتها روسيا، أو لجهة لجم الوجود الإيراني في المنطقة الذي ازداد أكثر من الضِّعف بدلاً من إبعاده للمسافة المتّفق عليها في عام 2018 في ما عُرِف باتفاق التسوية، وسط صمت الجهات التي طالما دعت إلى طرد القوات الإيرانية من المنطقة.

وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجهها المحافظة، يرى الباحث وائل علوان أنّ أهمّ طريقة للجم التمدّد الإيراني في عمق الجنوب السوري هو الحدّ من النفوذ الإيراني بشكل جادّ ومؤثّر من خلال الضربات والاستهداف المباشر للنفوذ الإيراني، وضرب العُدّة والعتاد في سوريا، وليس الاكتفاء باستهداف مراكز تطوير الأسلحة ومستودعات الصواريخ البعيدة المدى.

وربط علوان إمكان الحدّ من الانتشار الإيراني بضرورة إنشاء برنامج من قبل الخليج العربي والولايات المتحدة لدعم المجتمعات المحلية والحراك الثوري لمناهضة الوجود الإيراني في الجنوب السوري، وهو ما اعتبره أفضل من الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع موسكو التي تسعى إلى تحقيق المزيد من المصالح في سوريا عبر النفوذ الإيراني الذي ازداد أكثر من الضِّعف خلال السنوات الماضية.

 

Exit mobile version