معركة الحصانات والأذونات: “الحقّ” على البيطار؟

 

ملاك عقيل – أساس ميديا

لم يحجب إعلان رئيس الجمهورية ميشال عون استعداده للمثول أمام المحقّق العدلي القاضي طارق البيطار لأخذ إفادته “إذا أراد ذلك” مشهد تنصّل المجلس الأعلى للدفاع من إعطاء الإذن بملاحقة المدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا.

طيّر العونيّون برفسة واحدة “سَطل” النداءات المتكرّرة والعاجلة “لرفع الحصانات فوراً، وعدم طمس الحقائق، وضرورة مثول الكبير والصغير أمام القاضي البيطار”، وذلك حين وفّر رئيس الجمهورية الغطاء للّواء صليبا، المحسوب عليه في السياسة، بإبقائه بمنأى عن الملاحقة، وضمن له عدم حضوره أمام المحقّق العدلي للاستماع إلى إفادته كمُدّعى عليه في قضية انفجار المرفأ.

الزبدة السياسية لقرار كهذا تُرصَد في اعترافات قريبين من عون وجبران باسيل: “كيف يمكن منح الإذن بملاحقة المدير العام لأمن الدولة، فيما باقي القادة الأمنيّين رُسِمَت حولهم الخطوط الحمر ولم يَمثل أحدٌ ممّن ادّعى عليهم البيطار أمام المحقّق العدلي حتى اليوم؟”.

فقد تنصّل المجلس، في اجتماع سَبَق انعقاد جلسة المجلس الأعلى للدفاع يوم الخميس، وبغياب رئيس حكومة تصريف الأعمال، من إعطاء الإذن بملاحقة اللواء صليبا بعد طلب رئيس الجمهورية من هيئة التشريع والاستشارات تحديد المرجعية الصالحة لذلك، وأتى الجواب بصلاحيّة المجلس الأعلى. لكنّ الأخير لم يقُم بواجبه، مبرِّراً ذلك بعدم وجود ملفٍّ قضائي بين يديه ليَحكم على أساسه، رامياً الكرة في ملعب النائب العام التمييزي بإعطاء الإذن أو حجبه.

ويتألّف المجلس الأعلى للدفاع من الأعضاء الحَكَميّين السبعة، وهم: رئيس الجمهورية ونائبه رئيس الحكومة ووزراء الخارجية والدفاع والمال والاقتصاد والداخلية. وقد حصل الاجتماع بغياب رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب الذي نقل قريبون منه أنّ قراره من البداية هو إعطاء الإذن بالملاحقة.

في الواقع فإنّ معركة رفع الحصانات ومنح الأذونات بالملاحقة باتت معقّدة ومُتشعّبة تتداخل فيها الشعبوية بالمزايدات وتصفية الحسابات من جهة، وبمحاولة تصويب مسار الادّعاءات من جهة أخرى.

وآخر المحاولات هي انتقال النائب نهاد المشنوق من قاعة الأونيسكو، بعد تأجيل جلسة التصويت على عريضة الاتّهام النيابية، وتوجّهه إلى قصر العدل بهدف الطلب من القاضي البيطار الاستماع إلى إفادته بعد محاولات متكرّرة في هذا السياق. هذا في حين أنّ المشنوق هو الوحيد من بين كلّ المدّعى عليهم في قضية المرفأ الذي لم يَستمع البيطار ولا المحقّق العدلي السابق فادي صوان إلى إفادته، ومع ذلك كان الوحيد الذي استخدم البيطار في الادّعاء عليه عبارة “شُبهة جدّيّة”، فيما المراسلات الأخرى تضمّنت “قد تكون هناك شبهة جدّيّة”، في الإشارة إلى مسؤوليّاتهم.

لكن ماذا بعد تطيير النصاب في جلسة إحالة الاتّهام إلى لجنة تحقيق نيابية كانت ستمهّد لوضع المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يده على الملف وإصدار حكمه بإدانة أو تبرئة المدّعى عليهم في القضية؟

وفق المعلومات، لا موعد قريباً لجلسة أخرى بعدما توضّحت الاصطفافات السياسية حيالها، وذهب النواب المقاطعون إلى حدّ الانقلاب على الدستور، وفق توصيف المشنوق، “لأن هناك مساراً دستورياً، والنواب منتخبون على أساس هذا الدستور، والذين لا يعترفون به ويحاولون إلغاءه يكونون قد فقدوا شرعيتهم بصرف النظر عن رفع الحصانة أو عدم رفعها”، وحذّر المشنوق من “أنّ مَن يريد الترشّح للانتخابات فليفعل، لكن ليس على حساب دم ضحايا المرفأ وأهاليهم”.

ستلقى المصيرَ نفسه بالمقاطعة الدعوةُ إلى أيّ جلسة في مجلس النواب للتصويت على اقتراح تيار المستقبل بتعليق العمل بالمواد الدستورية والمواد في قانون الموظفين المتعلّقة بالحصانات والامتيازات، حيث يتمترس “المزايدون” عند مطلب المثول “فوراً” أمام المحقّق العدلي من دون الأخذ بشمولية هذا الاقتراح ولا مقتضيات الدستور في ما يتعلّق بالمحاكمة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وبغضّ النظر عمّا أفرزه مشهد الأونيسكو من اصطفافات سياسية خلطت الأوراق وكَشَفت “عَورة” بعض التحالفات و”الصداقات”، حيث حلّت محلّها معادلة “اللهمّ نفسي وحساباتي ومصلحتي” لدى فريق المُقاطعين، فإنّه بعد شهر ونحو أسبوعين من ادّعاء البيطار على نواب ووزراء سابقين وقادة أمنيّين وعسكريين، لا يزال ملفّ الحصانات والأذونات يدور في الحلقة المفرغة ربطاً بعدّة معطيات منها:

– صعوبة تسليم المُدّعى عليهم بالتخلّي عن حصاناتهم والمثول أمام المحقّق العدلي في ظلّ الاستنسابية التي طَبَعت هذه الادّعاءات. وإنّ عدم إصدار القاضي البيطار حتى الآن الدفعة الثانية من الادّعاءات، التي تبدو منطقية في ظلّ “الفراغات” التي وصمت الدفعة الأولى، يطرح تساؤلات عدّة حول استثناء مَن قد تكون لديه مسؤولية مباشرة، أقلّه في الإهمال وعدم تحمّل المسؤولية، في مقابل الادّعاء على مَن لم يكن لديه تأثير يُذكر في مسار القضية برمّتها، أو تأثيره كان ثانوياً ومحدوداً.

– عدم اقتناع شريحة كبيرة من القضاة والقانونيين بمنهجية العمل التي وضعها البيطار بالادّعاء على كلّ مَن تسلّم ولو قصاصة ورقة واحدة تفيد بعلمه برسوّ الباخرة وبحمولتها من نيترات الأمونيوم. وما يُضعِف من “قوّة” هذه الاستراتيجية في العمل هو أنّ القائد الأعلى للقوات المسلّحة رئيس الجمهورية جاهر علناً بعلمه بالأمر في 7 آب 2020 حين قال في دردشة مع الصحافيين إنّه تلقّى معلومات حول المواد المتفجّرة في المرفأ في 20 من شهر تموز، متحدّثاً عن طلبه فوراً من المسؤول الأمني في القصر القيام باللازم. وأضاف: “هذه الموادّ دخلت إلى لبنان عام 2013، لم أكن على علم بها ولا بمدى خطورتها، كما أنّ صلاحياتي لا تسمح لي بالتعاطي المباشر بالمرفأ، وهناك تراتبية يجب احترامها وعليها تحمّل المسؤولية، وقمت بالتبليغ لإجراء اللازم، وهو بمثابة أمر”. والسؤال الاستطرادي: لماذا لم يستمع البيطار حتى الآن إلى إفادة ميشال عون؟ وهل ممارسة رئيس الجمهورية للسلطة المباشرة منفرداً، منذ أكثر من سنة، وفي كل المواضيع، تدعم كلامه عن صلاحيّاته المفقودة؟

– “الهَجمة”، التي تعرّض لها مجلس النواب بسبب قيامه بواجباته في شأن الادّعاءات، ستؤدّي إلى تصعيب مهمّة الوصول إلى الحقيقة عبر عرقلة الاستماع إلى مَن طلب المحقّق العدلي الاستماع إلى إفاداتهم كمدّعى عليهم، حيث وُضعت المتاريس أمام ما يفرض الدستور القيام به في حالات كهذه، في مقابل رفض القاضي البيطار الاستماع إلى أيّ من هؤلاء كشهود بداية قبل رفع الحصانة وتثبيت الادّعاءات بحقّهم. 

– والسؤال الأهمّ: لماذا بدأ البيطار بادّعاءاته من آخر الخيط وليس من أوّله؟ أي من الجهة أو الجهات المسؤولة عن إرسال شحنات النيترات وتفريغها وتخزينها وحمايتها.

مجرّد طرح هذا السؤال يجرّ إلى احتمال أن يكون القاضي البيطار فتّش عن “الشعبوية” في الادّعاءات أكثر من التسلسل المنطقي في إدراج المشتبه بهم على لائحة الاتّهام والملاحقة.

 

Exit mobile version