سياسة لبنانية

مصرف لبنان يرهن الناس: لا محروقات قبل تحديد سعر الدولار

(مروان بو حيدر)
الأخبار- إيلي الفرزلي

إذا لم يحسم مصرف لبنان أمره ويحدد سعر الدولار لاعتمادات المحروقات، فإن شركات النفط لن توزع شيئاً من مخزونها، بما يُنذر بالمزيد من الشحّ في مادتَي البنزين والمازوت. ما حُسم فقط أن سعر السوق بالنسبة إلى المصرف هو سعر منصة صيرفة، أي ما يعادل 17 ألف ليرة. لكن نتيجة الضغوط السياسية والشعبية، ثمة من يؤكد أن المصرف يدرس إمكانية تحديد سعر 12 ألف ليرة كمرحلة انتقالية إلى حين إقرار البطاقة

لا يزال مصرف لبنان يُصرّ على تعميم الفوضى في سوق المحروقات. اتخذ قراره برفع الدعم يوم الأربعاء، ومرّ يومان من دون أن يُوضّح كيفية تنفيذ هذا القرار. النتيجة كانت، كيلومترات من الطوابير أمام المحطات التي فتحت أبوابها، وهي قلّة، مقابل انكفاء لأغلب الناس عن استعمال سياراتهم أو عن فتح مصالحهم ومحالّهم ومصانعهم، بانتظار معرفة سعر البنزين والمازوت. الأثر المباشر كان على مولدات الكهرباء. غالبيتها انتقلت إلى تقنين قاسٍ، فيما أخرى فضّل أصحابها التوقف عن تشغيلها تماماً، إما بسبب عدم توفر المازوت، وإما بسبب انتظار جدول الأسعار الجديد، وعدم هدر المازوت على السعر المتدنّي.
في المقابل، كانت وزارة الطاقة تعيش عجزاً في اتخاذ القرار. حجتها أنها لا تستطيع إصدار جدول تركيب الأسعار قبل معرفة سعر الدولار الذي سيُحدده مصرف لبنان. في المرة السابقة عندما خُفّض الدعم، كان السعر واضحاً: بدلاً من 1500 ليرة للدولار صار 3900 ليرة. هذه المرة الأمر مغاير. في البيان الذي أصدره المصرف المركزي وأعلن فيه إلغاء الدعم، أشار إلى أنه سيبيع الدولار على سعر السوق، من دون أن يُحدد هذا السعر. علماً أنه بصفته البائع وجب عليه أن يعلن سعر المبيع للشركات، التي ستعمد إلى فتح اعتمادات في المصارف على السعر الذي يُقرره. أي أمر آخر لا يعني سوى المزيد من التأجيل والتأخير في فتح الاعتمادات، وبالتالي التأخير في مدّ السوق بحاجته من المحروقات. وهي حاجة باتت شديدة، بالنظر إلى الشحّ الكبير في المتوفر من المادتين، والذي تؤكد المعلومات أنه لن يكفي لأكثر من ثلاثة أيام.
وفيما أكدت مديرية النفط في وزارة الطاقة وجوب الاستمرار بالبيع على السعر الذي أصدرته، والمحدد على أساس سعر 3900 ليرة للدولار، فإن الشركات تعتبر أن هذا الإعلان لا قيمة له إذا لم يؤكد مصرف لبنان أنه سيغطي الكمية المتبقية على السعر نفسه. فمخزون الشركات، سبق أن حصلت على الموافقة المسبقة من مصرف لبنان لاستيراده، لكنها لم تحصل على ثمنه منه بعد (يدفع المصرف ثمن الشحنة بعد تصريفها). فمن يضمن لها أن يوافق المصرف على فتح الاعتمادات على سعر 3900 إذا وزعت على السعر المحدد من قبل وزارة الطاقة؟ وعليه، أعلن رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط جورج فياض أنها لن تسلم البنزين والمازوت للمحطات لأنها لا تعلم على أي سعر سيتم التسليم، فمصرف لبنان أبلغهم أنه سيعتمد سعر صرف السوق للدولار ووزارة الطاقة لا تزال تعتمد سعر 3900 ليرة للدولار، فيما عمدت الجمارك إلى كيل الخزانات تمهيداً لإجراء المقاصّة.

وإذا كانت الشركات من قبل قد أبلغت الموزّعين أنها لن تسلّم غداً (اليوم)، فإن ذلك يعني الانتظار حتى يوم الثلاثاء (الإثنين يوم عطلة)، ما يؤدي إلى إمكان فقدان المحروقات بشكل تام من السوق. فمن يملك مخزوناً من المحطات فلن يتخلى عنه، إلا إذا تولّت القوى الأمنية والجيش مسؤولياتها، في إطار التعبئة العامة، وذهبت إلى إلزام هذه المحطات بفتح أبوابها. وهو أمر مستبعد أن يجري على نطاق شامل، لأن الأمر سبق أن طُرح في الاجتماع الوزاري الذي عُقد أول من أمس في السراي، لكنه لاقى رفضاً من قبل وزيرة الدفاع، التي ترفض إقحام الجيش في هذه القضية.
مع إجماع مختلف أصحاب المصلحة على أن محور المشكلة حالياً هو مصرف لبنان، فقد أكدت مصادر مصرفية مطلعة أن المصرف لم يحسم أمره بشأن السعر. لكن المحسوم أن المقصود بسعر السوق ليس السوق السوداء، التي لا يعترف بها مصرف لبنان، بل سعر منصة صيرفة التي تمثل بالنسبة إليه سعر السوق. فهو لم يعد يحدد سعرها بل يترك الأمر إلى المصارف والصرّافين، المطلوب منهم تسجيل عملياتهم على المنصة، فيما يكتفي بإصدار بيان يشير فيه إلى حجم التداول. على سبيل المثال، أعلن منذ يومين أن حجم التداول على منصة صيرفة بلغ مليون دولار بمعدل 17900 ليرة للدولار، وفقاً لأسعار صرف العمليات التي نُفذت من قبل المصارف ومؤسسات الصرّافة على المنصة (تشكل نحو 10 في المئة من عمليات الصرف التي تجري يومياً). وبالتالي، فإن هذا السعر، بالرغم من أنه لا يمثل إجمالي التداول في السوق، فهو السعر المعترف به والذي يسعى المصرف إلى زيادة التداول عليه من دون جدوى. وبحسب المصدر، فإن السعر المشار إليه هو سعر وسطي بين مختلف العمليات. إذ أن بعضها يمكن أن يُسجل على سعر 15 ألف ليرة وبعضها على سعر 20 ألفاً، وهكذا دواليك. وبحسب المعلومات، فإن المصرف لو أراد اليوم تحديد سعر الدولار لاستيراد المشتقات النفطية لاعتمد السعر الوسطي لكل الأسبوع أي 17 ألف ليرة، لكنه حتى اليوم لم يتخذ القرار. إذ تشير المصادر إلى أن الضغوط السياسية والاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ يومين، جعلت بعض أصحاب القرار في المصرف، يدفعون باتجاه المضي قدماً باعتماد سعر 12 ألف ليرة للدولار، كمرحلة انتقالية إلى حين إقرار البطاقة التمويلية واستفادة عدد لا بأس به منها، على اعتبار أن التحوّل من سعر 3900 ليرة إلى 17 أو 18 ألفاً هو تحول كبير، لن يكون بمقدور أحد تقدير تداعياته.

مهما كان السعر، فإن الثابت حتى اليوم سيكون تأمين المصرف المركزي للدولارات، على ما أعلن في بيانه. وهذا يقود إلى السؤال عن مصدر هذه الأموال، طالما أنه يؤكد أنه وصل إلى حدود الاحتياطي الإلزامي، وطالما أن المجلس المركزي حاسم لناحية عدم المسّ به، خوفاً من أي تداعيات قانونية. وبالتالي لن يوافق على ذلك إلا في حال أصدر المجلس النيابي قانوناً.
هنا تعود مصادر متابعة لتتحدث عن «كذبة الاحتياطي الإلزامي»، فتخلص إلى أن استنفار رياض سلامة يعود إلى كونه لم يعد يملك الدولارات بالمجمل. أما ما يسميه احتياطياً إلزامياً فليس في الواقع سوى أموال مصرفية أو عينية غير مسيّلة ولا يمكن استعمالها لتمويل الاستيراد.
في المقابل، تؤكد مصادر مصرفية مطلعة أن المصرف وإن كان سيؤمّن الأموال اللازمة للاستيراد، إلا أنه لن يحصل عليها لا من الاحتياطي ولا من السوق. أولاً هو يراهن على انخفاض الاستهلاك وبالتالي الاستيراد، وثانياً سيستعمل دولارات المساعدات التي تصل إلى النازحين السوريين لتمويل استيراد المحروقات. ويوضح المصدر أن بعض المصارف التي تُرسَل إليها أموال المساعدات من البنك الدولي ومن الأمم المتحدة، عقدت اتفاقات مع الطرفين لدفع المساعدات على سعر 3900 ليرة للدولار أولاً، ولاحقاً على سعر 12 ألف ليرة. وعلى الأثر اتفق المصرف المركزي مع المصارف المعنية على الحصول على هذه الدولارات بالسعر نفسه. لا أرقام واضحة لهذه العائدات، لكن المصدر يشير إلى أن وتيرة فتح الاعتمادات ستكون مرهونة بقيمة هذه الأموال.
اللافت أن المصرف، إضافة إلى رهانه على انخفاض الاستيراد، يراهن على سحب الليرات من السوق، فإذا كان المعدل الشهري لاستيراد المحروقات يبلغ حالياً نحو ألف مليار ليرة، فقد يرتفع إلى خمسة آلاف مليار ليرة، ما يعني أن الكتلة النقدية بالليرة ستنخفض بشكل كبير، بما يؤدي تلقائياً إلى تخفيف الطلب على شراء الدولار، مقابل زيادة الطلب على الليرة. هل ينجح ذلك في تخفيض سعر الصرف كما يتوقع المصرف؟ عملياً، تشير التجربة إلى أن كل الإجراءات التي لجأ إليها مصرف لبنان لتخفيض سعر الدولار، كان لها الدور المباشر في وصول سعره إلى ما وصل إليه.

مقالات ذات صلة

اترك رد

وكالة نيوز على اخبار غوغل
زر الذهاب إلى الأعلى