الحدث

“باي باي واشنطن”.. “هالو” طهران تل أبيب

 

عماد الدين أديب – أساس ميديا

هناك تغيّر جوهري في المنطقة والعالم سوف يقلب قواعد اللعبة رأساً على عقب.

ثلاثة لاعبين تغيّروا بلاعبين آخرين يسعون إلى تغيير قواعد إدارتهم للصراع.

5 ملفات في حالة سيولة تتّجه نحو التشكّل من النقيض إلى النقيض.

اللاعبون هم بايدن وإدارته، إبراهيم رئيسي ومعه الحرس الثوري، ونفتالي بينيت ولبيد وائتلافه العجيب.

إذاً واشنطن، طهران، وتل أبيب لهم حكّام جدد يديرون ملفّاتهم بشكل مخالف لِما استقرّت عليه حقبة سابقة.

أمّا الملفّات فهي:

1- رغبة السعودية بالخروج من اليمن.

2- رغبة إيران في فتح قنوات اتصال مع الرياض.

3- رغبة قطر في تثبيت نقاط قمّة العلا.

4- رغبة إردوغان المصطنعة في مصالحة مصر.

5- رغبة واشنطن في الانسحاب العسكري من أفغانستان والعراق وسوريا، والانكباب على ملفّات الداخل الأميركي، والتفرّغ خارجياً لـ:

1- تعطيل التقدّم الاقتصادي للعملاق الصيني.

2- مواجهة النفوذ الروسي في العالم وإضعافه.

3- تدعيم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وملف الناتو.

ذلك كلّه يتمّ في ظلّ عالم مضطرب مرتبك في حالة إعادة تشكيل لخياراته، وفي ظلّ أزمة اقتصادية طاحنة نتيجة ركود اقتصادي كبير أصاب الاقتصاد الإجمالي العالمي بعدما خسر العالم ما يزيد على 90 تريليون دولار في عامين، خسائر مباشرةً وغير مباشرة، بسبب قيمة فاتورة دعم الحكومات لنتائج وتداعيات جائحة كورونا، ولا تزال الفاتورة الباهظة مرشّحة للزيادة في حال تحوُّل الفيروس خلال الشتاء القريب.

هذا العالم الجديد أصبح فيه “كلّ آخر” (اتفاق، دولة، بضاعة، سلعة) يشكّل خطراً وجودياً عليه وعلى بقائه.

هذا العالم أصبحت فيه فاتورة المال وخسائر الاقتصاد أكثر حساسيّة من حسابات السياسة وحسابات المبادىء والسياسات.

لن يموّل الكونغرس الأميركي أو يعطي أيّ ضوء أخضر لفاتورة عمل عسكري خارجي إلا عند الضرورة القصوى، أي أنّه لن يسمح بإنفاق 1.7 تريليون دولار في أفغانستان أخرى، أو يسمح بإنفاق 3.8 تريليون دولار في عراق آخر.

القراءة هي التي اعتمدت عليها عقلية الحرس الثوري حينما دشّنت بداية حكم إبراهيم رئيسي بعمليات ومصادمات طالت أمن الخليج العربي، متلاعبةً بأمن حركة التجارة والنقل قبالة ساحل عُمان والمضائق الاستراتيجية.

قراءة إيران مفادها أنّ واشنطن تنسحب من المنطقة وجودياً، لكنّها تريد تسوية سلمية لعلاقات إيران بحلفاء الولايات المتحدة.

قراءة إيران أنّ بايدن لن يحارب، وأنّ تركيبة مجلس الشيوخ والتوتّر الآن لا يتيحان له أغلبية مريحة لاستصدار غطاء لأيّ عمل عسكري مكلف.

قراءة طالبان أنّ الانسحاب الأميركي يعني فشل أطول حرب خارجية أميركية على مرّ التاريخ.

قراءة طالبان أنّ أفغانستان هي مجال حيوي لها، وأنّ الحكومة الحليفة لواشنطن لا تُسيطر إلا على بعض، وليس كلّ، مفاصل العاصمة كابول.

أمّا قراءة التيار الشيعي السيستاني في العراق للخروج الأميركي فهي أنّ مشروع “أمركة” العراق انتهى، بعد تمويل أميركي بلغ 3.8 تريليون دولار، إلى تسليم البلاد إلى إيران، والسماح بوجود تركي عسكري في مناطق الأكراد.

قراءة داعش والقاعدة وجبهة النصرة وميليشيات الإرهاب التكفيري في سوريا والعراق تعتمد على الخروج الأميركي بعد دعوة مفتوحة إلى إمكان عمل إمارات إسلامية قائمة على ميليشيات مموّلة.

قراءة الحوثيين في اليمن تعتمد على ضغط إدارة بايدن سياسياً من أجل عقد اتفاق سلام مع السعودية لن يتمّ أبداً إلا بعد أن يأتي الضوء الأخضر من طهران.

إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان على ساحات غير مأهولة بالسكان على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية هي رسالة رباعية الأركان:

1- تسخين في العراق وتعقيد للوضع السياسي.

2- صواريخ على المستوطنات الإسرائيلية.

3- تعطيل تشكيل حكومة لبنانية من دون وجود الثلث المعطِّل الذي يتحكّم في أهمّ القرارات الداخلية والسيادية.

4- تسخين الوضع في مياه الخليج العربي، وتصعيد الأعمال التهديدية للسفن التجارية وممرّات النقل البحري العالمية.

هذه الرسالة الرباعية الأركان من طهران تمّ تدشينها بشكل صريح، وجاءت مواكبةً لتولي إبراهيم رئيسي مقاليد الحكم.

هنا يصبح السؤال الجوهري المطروح هو: هل سلوك إبراهيم رئيسي المُدجّج والمدعوم بسلاح الحرس الثوري، والملالي والمرشد الأعلى شخصيّاً، هو سلوك مَن يبدأ من نقطة تشدّد تعبِّر عن نهج دائم وثابت؟ أم هي مسألة تسخين الأوضاع لتشكيل ضغط يصل إلى حافّة الهاوية كي يحصل على أفضل شروط تفاوضية مع الأميركيين؟

خطورة لعبة الهاوية التي أرساها نظرياً وعمليّاً جون فوستي دالاس، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، أنّها تستند إلى 3 شروط في إدارتها:

1- معرفة جهود وقدرات العدو أو الخصم.

2- تحديد سقف زمني للّعبة، وتثبيت قواعد واضحة لأدوات وأساليب التصعيد.

3- إدراك أنّ سياسة حافّة الهاوية هي مخاطرة محسوبة قابلة أن تنتقل من حالة التهديد، عبر ممارسة قدر محسوب من الضغوط، إلى الانفلات الكامل، والتحوّل إلى مواجهة فعليّة شاملة تبدأ بقطع العلاقات، مروراً بالعقوبات، وتصل إلى المواجهة العسكرية الشاملة.

إذاً الجانب الإيراني يلعب الآن على حافّة الهاوية مع الجانب الأميركي بناءً على إيمانه أنّ واشنطن غير راغبة، لأسباب داخلية وحسابات خارجية، بالتورّط في صراع جديد في الشرق الأوسط.

فريق بايدن: (جيك سوليفان، أنتوني بلينكن، وليام بيرنز، وويندي شيرمان) كلّهم من موروثات عهد أوباما، وكلّهم من المساهمين الأصليين في الاتفاق النووي الأصلي القديم، وأقصى طموحهم هو إحياؤه مع بعض الإضافات الشكلية غير الملزمة.

رهان واشنطن على أنّ طهران تريد اتفاقاً لأنّ العقوبات والمقاطعة أثّرت بشكل قاسٍ ومُدمّر على وضعها الداخلي.

رهان طهران أنّ واشنطن غير قادرة على التورّط في عمل عسكري جديد، وتريد التفرّغ أوّلاً للداخل، وثانياً للصين وروسيا.

رهان أدوات إيران في المنطقة أنّ طهران ستخرج رابحة باتفاق في ظلّ عالم جديد تنسحب فيه الولايات المتحدة من المنطقة مقابل حضور تدريجي لمصالح العملاق الصيني وتابعه روسيا.

من هنا يمكن فهم أنّ أولويات الأمن القومي الأميركي، وقواعد السياسة الخارجية لواشنطن، سوف تُصاغ بشكل مخالف في مرحلة ما بعد الوفاق وما بعد حقبة دونالد ترامب.

ويُنظِّر ويليام بيرنز لهذه الورقة في كتابه “القناة الخلفية”، وفي محاضرة في مركز “كارنجي” للدراسات السياسية، إذ يرى أنّه يتعيّن على الولايات المتحدة احتواء صراعات الشرق الأوسط، وتركيز طاقتها تجاه الصين وروسيا، سياسياً وتجارياً وعسكرياً.

أمّا الصين فهي تتميّز بحالة من الحسابات الدقيقة المتأنّية تديرها بحالة من الصبر الاستراتيجي وبتخطيط طويل المدى.

مفهوم القوّة عند الصين يعتمد على خمسة أمور:

1- التعداد الأكبر للسكان في العالم البالغ ملياراً و450 مليوناً، بمعدّل بطالة متدنٍّ يقلّ عن 5 في المئة.

2- مساحة جغرافية هي الفائقة في العالم، ولديها أطول خطّ برّيّ على ظهر كوكب الأرض.

3- إجمالي ناتج قومي يتعدّى 16 تريليون دولار سنويّاً.

4- أكبر قوّة عسكرية من ناحية العدد، مزوّدة بقوّة نووية وصواريخ باليستية وقوة أمن سيبراني قادرة على اختراق أعتى الأنظمة الإلكترونية في العالم، وسلاح بحري هو الأقوى في آسيا.

5- مشروع “طريق الحرير” الذي يُعتبر حلم الصين للسيطرة على العالم، والذي تمّ إدراجه في دستور البلاد منذ 2013، ويمرّ في 123 دولة حول العالم، وسوف يعطي لبكّين قوّة عملاقة لا نظير لها تجارياً وأمنيّاً من خلال ذلك الموقع الجيوستراتيجي الجديد.

إذن نحن أمام الآتي:

1- واشنطن تخرج من الشرق الأوسط.

2- بكين تدخل بقوة، لأوّل مرّة، طرق وموانىء المتوسط والبحر الأحمر وإفريقيا وقلب أوروبا.

3- موسكو تعاني من كلفة الصراع مع أوروبا والولايات المتحدة، وضغط الداخل الروسي على نظام بوتين الفردي.

4- إيران تراهن على الخروج الأميركي والصعود الصيني ومصالح شراكة التجارة والغاز مع روسيا، وعلى فاعلية أدواتها في المنطقة.

5- إسرائيل تتمكّن دائماً من تحويل خسائر الغير إلى مكاسب لها، وتستعدّ للعب دور ضابط الشرطة الإقليمي مع حلفاء جدد في المنطقة.

6- يحدث ذلك والعرب في غيبوبة سياسية، إذ لا يزالون يراهنون على قوى قديمة، ويجهلون تماماً تحدّيات المعادلة الجديدة.

كما وصف شواين لاي العالم عام 1971، نرى أنّنا في عالم فيه تحالفات جديدة وانقسامات جديدة وفوضى وسيولة في كلّ مكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى