المرفأ المنكوب بعد عام على الفاجعة… الدور والواقع الاقتصادي بالأرقام

    

 إدارة المرفأ عمدت إلى وضع آلية تسمح بتقاضي نسبة زهيدة بالدولار النقدي بهدف إصلاح الرافعات المعطلة

“النهار”- كميل بو روفايل

عاد مرفأ بيروت إلى العمل رسمياً في 10 آب 2020 بعد 6 أيّام على انفجار نيترات الأمونيوم التي خُزّنت إلى جانب مفرقعات نارية في العنبر رقم 12، ووصلت قدرته التشغيلية لاحقاً إلى 90 في المئة.

بعيداً من المجريات القضائية وضرورة الوصول إلى الحقيقة الكاملة، وضمن إطار هذا التحقيق الاقتصادي البحت، تبيّن أنّ الدولة اللبنانية لم تقم بالإصلاحات الضرورية لإعادة تنظيم المرفأ، واستمر بعض أهل السلطة في فسادهم، فوفق مصدر متابع استُبعدت مناقصة كانت تهدف إلى إزالة العنابر المدمرة بعد اكتشاف أنها فُصّلت على قياس إحدى الشركات المقربة من أصحاب نفوذ، وحتى الساعة لم تجد الدولة اللبنانية الآلية المناسبة لاتلاف الموادّ المصادرة أو التي لم يتسلمها مالكها، ومنها تلك الخطرة مثل النيترات.

تُرى من الرافعات الأربع التي تعمل اليوم نحو 22 ألف حاوية قائمة على أرض المرفأ، وفق مدير قسم الحاويات في شركة “BCTC” ، وتشاهد أيضاً بواخر تفرّغ حمولاتها، وأخرى تحمّل حاويات، لكن بوتيرة بطيئة على عكس الإنجاز السريع والآمن الذي سعت شركة الحاويات “BCTC” الى تقديمه قبل الأزمة الاقتصادية ونجحت مع إدارة المرفأ في أن يكون ميناء بيروت محطة لإعادة الشحن على حوض البحر الأبيض المتوسط، رغم أنّ موقع لبنان الجغرافي وحده لا يخوله النجاح في استقطاب السفن لغرض إعادة الشحن. 4 رافعات فقط تعمل من أصل 16 رافعة، والسبب ليس الانفجار وحده. شدد مدير عام مرفأ بيروت عمر عيتاني والمدير العام لشركة الحاويات في المرفأ “BCTC” زياد كنعان على ضرورة تقاضي مداخيلها بالدولار الأميركي أسوة ببقية التّجار.

كبّدت الأزمة الاقتصادية مرفأ بيروت خسائر مالية كبيرة، تكاد أن تفوق بحجمها تلك الناتجة عن الانفجار، “إذا أضفنا إليها انعكاسات “كورونا”، نكون أمام ضربة ثلاثية الأبعاد”. وقال عيتاني إنّه “جرّاء كورونا، ومع بداية العام 2020، انخفضت حركة المرفأ إلى الـ60 في المئة، وتحسّن الوضع تدريجاً إلى حين وقوع الانفجار الذي غيّر المعادلة”. بالتوازي انخفض الاستيراد أيضاً بسبب الأزمة التي دمرت القدرة الشرائية لدى المواطنين، فحتى الموادّ الاستهلاكية تدنى استيرادها وأخذ التجّار يبحثون عن البديل الأرخص. كانت إيرادات المرفأ شهرياً نحو 40 مليار ليرة، انخفضت لاحقاً إلى الـ30 مليارا، ووصلت في إحد الأشهر إلى الـ12 ملياراً، أكّد عيتاني أنّ “المداخيل بالليرة اللبنانية تراجعت نحو 40 في المئة”. لكن عندما نأخذ بالاعتبار انهيار سعر صرف الليرة في السوق السوداء يكون هذا التراجع أكبر بكثير.

صحيح أنّ شركة “BCTC” استطاعت بعد يومين من الانفجار أن تشغل رافعتين وأن تفرّغ حمولة سفينة عائدة لشركة “CMA CGM” غادرت المرفأ في 7 آب، ولاحقاً في كانون الثاني 2021 تمكنت من الوصول إلى تشغيل 12 رافعة، إلّا أنّ الشركة التي دمّر الانفجار عنبراً خزّنت فيه 10 آلاف نوع من قطع الصيانة واحتوى على نحو 100 ألف قطعة صيانة نجا منها القليل، وتدور علامات استفهام عدّة حول إمكان أن تعمل هذه القطع بعدما غمرتها المياه، او امكان شراء قطع الصيانة الضرورية اليوم بسبب أزمة سعر الصرف، رغم أنّ نمط عمل هكذا نوع من الشركات يستوجب الإستعداد لأي شكل من الأعطال، لأنّ الأحداث الطارئة من دون استعداد لها تهدد الأمن الغذائي والحركة الاقتصادية في البلاد.

تعمل شركة الحاويات على أساس برنامج أجنبي (Terminal operating system TOS) يحدد المكان المناسب لكل حاوية، لأنّ العدد الهائل من الحاويات التي وصلت إلى ذروة 30 ألف حاوية قبل الانفجار، وتعدد الوجهات والبواخر، تتطلب تنظيماً عالي الدقة على أرض المرفأ حتى تكون عملية المناولة والتفريغ تلقائية وسريعة. هذا البرنامج بالإضافة إلى الرافعات والمعدات المختلفة بحاجة إلى صيانة وقطع غيار بالدولار، في حين أنّ مردود شركة “BCTC” منقسم إلى فئتين، منه ما هو على أساس سعر الصرف الرسمي (1507.5 ليرات لكل دولار أميركي)، والقسم الآخر شيك مصرفي من مصرف لبناني بالدولار (لولار)، وفق ما أفاد كنعان.

تعاني إدارة مرفأ بيروت من الأزمة عينها، شرح عيتاني لـ”النهار” أنّ “الإدارة تحصل على إيراداتها من جهتين، الأولى هي الوكالات البحرية والعالمية التي عليها أن تسدد البدلات بالدولار، لكنها تدفع بالشيك المصرفي (لولار) في المحكمة، والفئة الثانية تضمّ التجار، وتكون فاتورتهم بالدولار، لكن عملة التسديد هي الليرة اللبنانية ويحتسب سعر الصرف على أساس السعر الرسمي”.

يدرس عيتاني كيفية تحصيل إيرادات الميناء بالدولار النقدي، فقبل العام 1997 (أي قبل تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية رسمياً) وبعد الحرب الأهلية، كانت الليرة اللبنانية تتقلب كثيراً الأمر الذي دفع السلطات حينها إلى وضع التعرفة في المرفأ بالدولار، والحصول على ما يوازي قيمتها بالليرة اللبنانية.

عمدت إدارة المرفأ اخيراً إلى وضع آلية تسمح بتقاضي نسبة زهيدة بالدولار النقدي وذلك بهدف إصلاح الرافعات المعطلة، لذلك حددت رسماً بقيمة 10 دولارات مقابل كل حاوية حجمها 20 قدماً، و15 دولاراً مقابل كل حاوية حجمهاً 40 قدماً. وبالفعل نجحت إدارة المرفأ في تحويل مبلغ 100 ألف دولار نقدي لشركة “BCTC”، بحسب عيتاني.

واعتبرت إدارة شركة “BCTC” أنّ هذا التحويل يشكل اعترافاً بحقها في الحصول على دولار نقدي للاستمرار، لكنها رأت أنّ المبلغ المحوّل جزء زهيد وغير كافٍ. وقال عيتاني أنّ “82 في المئة من عمل المرفأ يعود لمحطة الحاويات”، لذلك يسعى إلى إصلاح الخلل الذي يضرّ بمصلحة مرفأ، ويعمد إلى تحويل إلايرادات من الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي، وهي خطوة تحتاج بحسب عيتاني إلى موافقة مجلس إدارة مرفأ بيروت ووزير الأشغال والنقل.

استطاع القيمون على المرفأ أن يطوروه بالاعتماد على إيراداته الداخلية، كلّف نحو 700 مليون دولار لدى بنائه، وما يقارب المليار دولار في الأعوام الماضية بغضّ النظر عن طريقة الإنفاق، لذلك لدى المرفأ إمكانات تغنيه في بعض الأماكن عن أي تبعية.

وأوضح عيتاني لـ”النهار” أنّ الخطة الحالية تتمحور على النقاط الآتية: “السعي إلى إعادة جميع الرافعات إلى العمل عبر تأمين الدولار النقدي، وذلك عبر تحصيل الإيرادات بالدولار لأنّ جميع التجار داخل لبنان يُحصّلون إيراداتهم بالدولار أو بالليرة على أساس سعر صرف الورقة الخضراء في السوق السوداء، وبالمقابل يدفعون للمرفأ بالعملة الصعبة على أساس سعر الصرف الرسمي، وهذا أمر يستغله بعض التجار الذين يحصّلون أرباحاً إضافية”، مشدداً على أنّ “توقف الرافعات عن العمل إذا حصل يهدد الأمن الغذائي والطبي والاجتماعي في البلد”.

وفي برنامج عيتاني أيضاً أنّ “المرفأ ليس بحاجة إلى 21 هنغاراً، إنما يستلزم فقط 3 هنغارات”. ووفق المعلومات، أعادت إحدى الشركات اللوجيستية إعمار مستودعها، ونحو 5 شركات تنتظر أن تتبلور الصورة، لذك قامت إدارة المرفأ بتأجيرهم مستودعاتها الخاصة في المنطقة الحرّة لوضع بضائعهم فيها.

أكّد كنعان أنّ “شركة (BCTC) لا تعلم ما في داخل الحاويات، إنما تعتمد تصنيفاً لكل حاوية إن كان فيها موادّ خطرة وغير ذلك من التصنيفات”، يحصل أن تبقى موادّ في الميناء لأسباب مختلفة منها تخلي مالكها عنها، أو اكتشاف أنّها بضائع لا تراعي المواصفات فتصادرها الدّولة، فتتجمّع هذه الموادّ التي يجيز القانون الحق ببيعها في المزاد العلني، او أن تتلفها إدارة الجمارك. لكن لا يوجد آلية لتلف هذه الموادّ.

اكتشفت الإدارة في الفترة الأخيرة العديد من الموادّ الخطرة المخزّنة، ويحصل ذلك بشكل مستمر، ومؤخراً طُلِب من الجيش والجمارك الكشف على 600 مستوعب للتأكّد من محتوياتها. من هنا أهمية إيجاد سبيل لتلف الموادّ التي ينصّ القانون على التخلّص منها، وذلك لحماية المرفأ من أي خطر، وأيضاً لتوفير مساحات أوسع لوضع الحاويات، وتالياً مساعدة إدارة مرفأ بيروت والشركات العاملة فيه على أن تتمتع بقدرة توسيع أعمالها في المستقبل.

وشرح كنعان أنّ “عمل شركة (BCTC) مستمر في مرفأ بيروت رغم انتهاء عقدنا منذ عام ونصف العام، ونعمل وفقاً لتجديد دوري للعقد”. وتابع أنّ “أبرز تحدياتنا في الشركة هي تراجع معنويات العمّال بعد تراجع قدرتهم الشرائية، ووصول نسبة الغياب في صفوف الذين يتقاضون راتباً اقل من ألف دولار إلى 20 في المئة، بالإضافة إلى أزمة الدولار”. كانت السعة نحو 350 ألف حاوية نمطية عام 2005، وارتفعت في العام 2019 إلى مليون و300 ألف حاوية نمطية، لكن بعد الانفجار انخفضت إلى 700 ألف حاوية نمطية.

ولأنّ المرفأ يعاني تعدد الأقطاب المسؤولة، ووجود أكثر من جهاز أمني، ورد أنّ الفرنسيين طرحوا أن يخضع كل العاملين في المرفأ لجهاز مدني، لكن تبيّن أنّ هذا الأمر صعب التطبيق، لذلك ثمة طرح حالي بإنشاء جهاز أمني شبيه بجهاز أمن المطار، يكون مسؤولاً عن المهام الأمنية وينسق قائده مع المدير المدني في الميناء.

Exit mobile version