بوريس جونسون… وليس روسيا أو الصين هو التهديد الأكبر على بريطانيا ينبغي أن تكون الحكومة البريطانية على رأس قائمة التهديدات الصادرة عن “أم آي 5” (جهاز الاستخبارات الداخلية)، بوصفها تتبع استراتيجية وحيدة جل هدفها البقاء في السلطة

 

باتريك كوبيرن مراسل الشؤون الدولية @IndyWorld

يسري في دماء أجهزة الاستخبارات تضخيم التهديدات التي تواجه البلاد، لذا تجدها تبالغ في تصوير مدى جدية الأخطار التي تحدق بالشعب وتدعو إلى سن قوانين أكثر صرامة للتعامل مع هذه المخاطر. وبذل كين ماكالوم، المدير العام لـ”أم آي 5″، ما في وسعه لاتباع هذه العادة في الخطاب السنوي الذي ألقاه هذا الأسبوع بغرض شرح الأخطار الأمنية التي تتعرض لها بريطانيا.

 هكذا تحدث المسؤول الأمني عن تهديدات آتية من دول مثل روسيا والصين وإيران، ومن ناشطين يمينيين متطرفين، وإرهابيين إسلاميين، علاوة على العنف الآخذ في التفاقم والعائد إلى الواجهة في إيرلندا الشمالية. وأشار إلى جانب هذا كله، إلى وجود تهديدات أقل تبلوراً صادرة عن الرسائل المشفرة والتجسس عبر الإنترنت والهجمات السيبرانية.

 إلا أن العديد من هذه التهديدات هي في الواقع أقل خطورة مما تبدو عليه. قد يلجأ الروس إلى أسلوب الاغتيالات على طريقة رجال العصابات، كما حصل في محاولتهم تسميم ضابط الاستخبارات الروسية “ك جي بي” السابق سيرجي سكريبال وابنته في سالزبوري. لكن يتأكد ضعف القدرات الروسية في العمليات البدائية التي تطغى على الهجمات التي تشنها ضد منتقديها. قد يروق للرئيس بوتين حقيقة أن بلاده تُعامل كقوة عظمى، ولو من النوع الشيطاني، بيد أنها لا تضاهي على الإطلاق القوة التي مثلها الاتحاد السوفياتي. وتعتبر الفكرة القائلة، على سبيل المثال، إن الكرملين قد قرر نتيجة انتخابات 2016 الرئاسية في الولايات المتحدة ضرباً من الأساطير، إذ يعود فوز دونالد ترمب إلى الحملة الانتخابية البائسة التي قامت هيلاري كلينتون وليس إلى مؤامرة دبرتها موسكو.

 كانت شيطنة الأعداء والمبالغة في وصف قوتهم وغاياتهم الشريرة ذات أهمية بالغة للحملة الدعائية الموجهة ضد الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة الأولى. ويكرر التاريخ نفسه الآن، إذ يجري تضخيم التهديد بطريقة مماثلة في سياق الحرب الباردة الثانية، باستثناء أن الهدف الرئيس هذه المرة هو الصين التي يجري تفسير كل حركة تقوم بها على أنها تأتي في إطار سعيها للسيطرة على العالم. ويُروج لحلفاء مستبدين ليسوا جديرين بالثقة، مثل نارندرا مودي الزعيم الهندي، كشركاء للغرب في “النضال من أجل القيم الديمقراطية “.

 وبشكل مماثل، يجري إعطاء التهديد الذي يمثله إرهاب القاعدة و”داعش” أهمية أكبر بكثير مما ينبغي. وعلى الرغم من أن هؤلاء الإرهابيين شنوا هجمات وحشية ضد أهداف في أوروبا الغربية، فإن تلك الضربات كانت في الواقع أشبه بقنابل صوتية أُطلقت في إطار حملة دعائية مسعورة من أجل السيطرة على أجندة الأخبار. على المستوى السياسي، يمكن لهذا النوع من “الإرهاب” أن ينجح في تحقيق أهدافه فقط إذا استطاع أن يثير رداً مبالغاً فيه، كما فعلت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) حين شنت الولايات المتحدة الحرب على أفغانستان والعراق على سبيل الانتقام من تلك الاعتداءات.

 تواجه بريطانيا فعلاً أخطاراً متزايدة. لكن علاقة هذه التحديات التي تثير القلق بالتهديدات المدرجة على قائمة الـ”أم آي 5″ تكاد تكون معدومة. فأخطر التهديدات في بريطانيا في مرحلة ما بعد الـ”بريكست” تنبع من كون البلاد قد صارت أضعف مما كانت عليه قبل خمس سنوات، على الرغم من الادعاءات بأنها صارت أقوى. ويحجبون الفجوة بين الادعاءات والحقيقة، بالشعارات الرنانة وأيضاً بحروب ثقافية ملفقة لحرف انتباه الناس عن الإخفاقات والوعود التي لم يتم الوفاء بها.

 حققت نجاحات أنصار نزعة “إنجلترا الصغيرة [الأعظم]” أو “الانغلاق على إنجلترا”، في استفتاء الـ”بريكست” عام 2016 ثم في الانتخابات العامة عام 2019، نتائج متوقعة في داخل البلاد وخارجها. فقد باتت بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي حتماً أكثر اعتماداً على الولايات المتحدة من أي وقت مضى. سيتساءل كثيرون ما هو الجديد في اتكائنا على واشنطن؟ ألم يكن الاعتماد عليها بمثابة الموقف الافتراضي الذي اتخذته بريطانيا منذ أزمة السويس في عام 1956، إن لم يكن منذ سقوط فرنسا في عام 1940؟

 لكن اتكال بريطانيا هذه المرة على الولايات المتحدة هو أكبر مما كان عليه في الماضي، ويأتي مع تطور إضافي مفاجئ. وهذا ما يجري الآن مع مضي الولايات المتحدة لمواجهة الصين، والصدام بدرجة أقل مع روسيا، في حرب باردة جديدة ستشارك فيها بريطانيا من دون أن يكون لها تأثير يستحق الذكر على هذه الحرب وآلياتها. وتعتبر التصرفات المسرحية المبهرجة مثل إرسال مدمرة بريطانية لتبحر بمحاذاة شبه جزيرة القرم في مياه تخضع لسيطرة روسيا، أو الدفع بحاملة الطائرات “كوين إليزابيث” إلى بحر الصين الجنوبي، مجرد إشارات الغاية منها إقناع الرأي العام البريطاني بأن المملكة المتحدة صارت مرة أخرى قوة تلعب دوراً على المسرح العالمي.

 كانت التداعيات السلبية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واضحة تماماً منذ وقت طويل. وأدى هذا الخروج إلى إضعاف التسوية السلمية بين أبناء إيرلندا الشمالية من بروتستانت وكاثوليك، التي رسمت معالمها “اتفاقية الجمعة العظيمة” في عام 1998. يشير ماكالوم، رئيس الـ”أم آي 5″، الذي يعرف إيرلندا الشمالية جيداً، إلى ذلك بقوله إن “العديد من تطلعات [أهداف] اتفاقية الجمعة العظيمة لم تتحقق بعد”، في الوقت الذي يصر فيه على أن “حمل هويات متعددة، بريطانية، وإيرلندية، وشمال إيرلندية، هو واقع ملموس بالنسبة للعديد من الناس، وذلك على نحو لم يكن موجوداً أيام شبابي”.

 إلا أن وضع إيرلندا الشمالية إحدى قدميها في الاتحاد الأوروبي والأخرى خارجه، قد أدى إلى اختلال ميزان القوى بين المجتمعات المختلفة في الإقليم بطريقة من المرجح أن تفضي إلى عودة العنف السياسي ليتصدر المشهد هناك. لقد تذوقنا سلفاً مرارة الصراع من جديد في أواخر مارس (آذار) وأوائل أبريل (نيسان) من هذا العام، حين شهد الإقليم مظاهر عنف لم يشهد مثلها منذ سنوات عدة. صحيح أننا لم نسمع حتى اليوم عن عمليات قتل جديدة ارتكبت بدوافع طائفية، بيد أنها يمكن أن تبدأ في أي لحظة. وإذا وقعت حوادث من هذا النوع، سيعني ذلك أن السلام في إيرلندا الشمالية سيصبح بسرعة شيئاً من الماضي.

 يتمثل الخطر الأكبر المحدق ببريطانيا في أن حكومة وعدت بأكثر مما تستطيع تقديمه توجه دفتها. ويستتر هذا الضعف حتى الآن وراء تطوير اللقاح المضاد لكوفيد ونجاحات حملة التلقيح، وكأنها ورقة التين التي تستره، مع أن هذه الإنجازات قد تحققت على أيدي العلماء و”خدمة الصحة الوطنية”. وكما أوضح دومينيك كامينغز، لا علاقة لبوريس جونسون بهذه النجاحات، فكل ما يفعله هو نشر الفوضى.

 يواجه القادة الشعبويون في أنحاء العالم مشكلة محددة تكمن في أنهم يعدون الجميع بالرخاء والترفيه لاسترضاء الناس وإلهائهم، غير أنهم نادراً ما ينفذون هذه الوعود. ينطبق هذا على دونالد ترمب في أميركا ومودي في الهند، وأيضاً على جونسون في بريطانيا. وبدا ذلك جلياً بشكل صارخ حين ألقى رئيس الوزراء واحداً من خطاباته العامة النادرة، فهو لم يتوجه إلى أبناء البلاد جميعاً بشكل مباشر منذ 10 أشهر. وكان من المفترض بهذا الخطاب الأخير أن يوضح بدقة أجندة جونسون لجهة “رفع المستوى”، وهي الفكرة التي تعتبر بمنزلة العمود الفقري لجاذبيته الشعبوية في عيون ناخبي حزب العمال السابقين.

 لكن سرعان ما تبين عدم وجود أجندة من هذا النوع لديه، وأن الخطاب مليء بالجعجعة الحماسية الضحلة المألوفة. ولخصه كامينغز بلؤم ودقة قائلاً إنه كان “خطاباً فارغاً (ألقى نُسخاً منه مرات عديدة من دون مبرر) ويعزز شعاراً فارغاً”. تفتقر السياسة الخارجية إلى استراتيجية تضبط عملها، وليس هناك استراتيجية اجتماعية أو اقتصادية لإنقاذ السكان البريطانيين المحرومين على الرغم من كل هذه التعهدات الراديكالية.

 لكن هناك استراتيجية لتحويل الانتباه عن حقيقة أن برنامج جونسون يفتقر إلى حجر زاوية [سياسة رئيسية متماسكة]. وتنص الخطة المستمدة من هذه الاستراتيجية على تأجيج حروب ثقافية، وتعميق الانقسامات، والادعاء بأن من ينتقدون النظام هم غير وطنيين أو حتى خونة للبلاد. ولما كان العرق والثقافة يسيران جنباً إلى جنب، فإن هذا يعني تحريضاً رخيصاً يفتقر إلى الذكاء موجهاً للبعض كي يتعاملوا مع آخرين بعنصرية. وهو يشبه الصفارة التي تُستعمل لتدريب الكلاب. لذا قالت السيدة وارسي، وهي عضوة في مجلس اللوردات عن حزب المحافظين، ورئيسة سابقة للحزب، “إذا ‘استعملنا الصفارة‘ واستجاب ‘الكلب‘ ينبغي ألا نشعر بصدمة إن علا نباحه أو عض أحداً”.

 تلعب الحكومات الشعبوية “بطاقة الثقافة” بقوة أكبر في أوقات الشدائد، حين تصور أكثر الحوادث بساطة على أنه يشكل تهديداً للهوية الوطنية. هكذا تصبح بعض خربشات الغرافيتي التي ارتسمت على تمثال ونستون تشرشل عبارة عن إشارة إلى أن الثقافة البريطانية من ألفها إلى يائها تتعرض لهجوم غاشم. ويمكن شيطنة النقاد وتشويه صورتهم بتوصيفهم كأشخاص غير وطنيين. لكن الطريقة الأسلم لكمّ أفواههم تتمثل في حرمانهم من القدرة على إسماع أصواتهم، مثلاً من خلال ممارسة ضغوط على قسم التعليقات المستقلة التي تبثها “هيئة الإذاعة البريطانية” ( بي بي سي) أو عن طريق التهديد ببيع القناة 4. ينبغي عدم الاستهانة بفعالية هذه الأساليب في قمع النقد وتحقيق الهيمنة على الرأي العام. والحق أن لمعظم الأنظمة الشعبوية الوطنية في العالم سجلات كارثية، غير أن قلة منها قد فقدت سلطتها.

© The Independent

Exit mobile version