الانسحاب الأميركي يطوّق فيينا النووية؟

 

حسن فحص – أساس ميديا-

هل وُضِعت منطقة غرب آسيا (تناغم أميركي إيراني على هذه التسمية وأبعادها وشمولها الجغرافي) على مسار جديد من المفترض أن يفضي إلى معادلات جديدة ومختلفة عمّا كان في العقود الماضية، أو على الأقلّ في العقديْن الماضيين؟

بدأت الإدارة الأميركية سلسلة من الخطوات قد تعيد رسم المعادلات والأبعاد الجيوستراتيجية في هذه المنطقة بشكل مختلف، خصوصاً في الدول المحيطة بإيران وفي مناطق نفوذها في غرب آسيا.

فقد تزامن الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وما تبعه من عودة حركة طالبان إلى الواجهة على الحدود الشرقية لإيران، مع قرار أميركي آخر بنقل جزء أساسي من قاعدة “العديد” في دولة قطر إلى المملكة الأردنية، بالقرب من المثلّث الاستراتيجي والحيويّ لكلّ من واشنطن وطهران على حدٍّ سواء، أي سوريا والعراق وإسرائيل.

ويأتي قرار الانسحاب من أفغانستان لدوافع مختلفة عن تلك التي فرضت التخلّي عن قاعدة “العديد” لمصلحة قاعدة جديدة في الأردن. وكما يقول الرئيس الأميركي جو بايدن، فإنّه ليس على استعداد أن يرسل جيلاً جديداً من الجنود الأميركيين للقتال في أفغانستان من دون أن يعرف العائد من هذه الخطوة. وإنّ تعزيز الوجود الأميركي وبناء قاعدة تستوعب نحو 200 ألف مقاتل مع تجهيزاتهم الاستراتيجية والتقليدية، يرتبطان إلى حدٍّ كبير بالتعنّت الذي يبديه المفاوض الإيراني، ومن ورائه النظام في طهران، في المفاوضات النوويّة التي استضافتها العاصمة النمساوية فيينا في الأشهر الماضية، خصوصاً في مسألة رفض طهران تطوير الحوار ليشمل البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي.

وفي هذا السياق، لا تشكّل الشروط المتبادلة بين الوفدين المفاوضين الأميركي والإيراني، المتعلّقة بآليات إعادة إحياء الاتفاق النووي، أزمة حقيقية تمنع الوصول إلى الخطوة النهائية، بل تحوّلت إلى غطاء لأزمة من نوع آخر يتجنّب الطرفان الحديث عنها مباشرة وعلانيّة، على علاقة بالإجراءات الأميركية الأخيرة في أفغانستان التي حوّلتها إلى كرة نار رمتها في حضن إيران التي تجد تحدّياً حقيقيّاً في التعامل مع عودة طالبان العسكرية ومساعيها لاستثمار هذه العودة وتحويلها إلى مكاسب سياسية، وفي التوصّل إلى توازن بين تعزيز دور الحكومة الشرعية في كابل برئاسة أشرف غني، وإبعاد الخطر الأمني وتهديد المصالح الاستراتيجية في حال انقلبت طالبان على كل التفاهمات، سواء كانت بينها وبين واشنطن، أو بينها وبين إيران، والمرتبطة بطبيعة المرحلة المقبلة، وتشكيل حكومة تضمّ جميع الأطراف ولا تقصي أحداً، والالتزام بعدم تحويل الأرض الأفغانية إلى مصدر تهديد لأمن إيران ومصالحها.

ولعلّ المحطة الأبرز في الإجراءات الأميركية التي يمكن أن تشكّل قلقاً حقيقياً لطهران في منطقة الشرق الأوسط، هي الانتقال العسكري إلى الأردن، وما يعنيه من إنشاء “مظلّة أمنيّة وعسكرية” غاشمة وقادرة على التحرّك السريع في منطقة لا تزال طهران ترفض وضع مستقبلها على طاولة التفاوض، ولا سيّما مستقبل سوريا ولبنان والتهديد الدائم للأمن الإسرائيلي.

طهران التي طالبت وتطالب بانسحاب القوات الأميركية من منطقة غرب آسيا، خصوصاً من أفغانستان والعراق وسوريا، باتت أمام حقائق أكثر تعقيداً ساهمت في بلورتها الإجراءات الأميركية التي لم تسمح للنظام في طهران بإنضاج تفاهمات تخدم مصالحه. إذ إنّ النظام أراد للانسحاب الأميركي من أفغانستان أن يتمّ بالتفاهم معه لا أن يتحوّل إلى عبء وتهديد له في منطقة نفوذه. وأراد أيضاً التنسيق معه في ما خصّ الانتقال إلى الأردن الذي يأتي في توقيت يحمل الكثير من الغموض لتزامنه مع بوادر جديّة لتشكيل تحالف إقليمي عربي ثلاثي في المرحلة الأولى يضمّ العراق والأردن ومصر، ومن المفترض به أن يتوسّع لاحقاً ليشمل سوريا ولبنان بعد استكمال الصورة التي ترسمها واشنطن بالتعاون مع العواصم الحليفة لها في المنطقة.

ارتفاع منسوب القلق الإيراني دفع طهران، حسب بعض التسريبات، إلى إرسال حسين طائب إلى العراق في زيارة من المفترض أن تكون سرّية وغير معلنة، خصوصاً أنّ طائب يتولّى رئاسة جهاز الاستخبارات الخاص بمؤسسة حرس الثورة وأحد أبرز المرشّحين لتولّي وزارة الأمن والاستخبارات في حكومة الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي. وحسب هذه التسريبات فإنّ طائب عقد سلسلة من الاجتماعات مع قيادات أمنيّة في الدولة العراقية، إضافة إلى قيادة الحشد الشعبي والفصائل المسلّحة، دارت حول الوجود الأميركي في العراق، والهجمات التي تتعرّض لها القواعد الأميركية، والدور الذي تقوم به هذه القوات في العراق. ويُتَوقّع أن تُتوّج هذه الزيارة بلقاء مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

بغضّ النظر عن صحّة هذه التسريبات، والأرجح أنّها قد حدثت، على غرار الزيارات التي يقوم بها مسؤولون إيرانيون أمنيّون وعسكريون من وزارة الأمن وحرس الثورة والأمن القومي، وفي مقدّمهم قائد قوة القدس الجنرال إسماعيل قاآني. وهي زيارات تنصبّ على محاولة قطع الطريق على أيّ تطوّرات مفاجئة قد تلجأ إليها بعض الفصائل العراقية المحسوبة على إيران، وتدفع الجانب الأميركي إلى اتّخاذ إجراءات من خارج السياقات التي تشكّل خلفيّة التعامل بينهما، سواء في الردّ على الاعتداءات أو في اللجوء إلى انسحاب مفاجئ على غرار أفغانستان. خصوصاً أنّ الردود الأميركية على الاعتداءات التي تعرّضت لها قواتها في العراق أخيراً استهدفت الشريان الاستراتيجي الذي يربط طهران بدمشق فلبنان الذي يُنتَظر أن يصبح في المرحلة المقبلة تحت إشراف ومراقبة القوات الأميركية المنتقلة إلى الأردن.

بالعودة إلى أزمة المفاوضات النووية، يبدو أنّ ما يجري في فيينا ليس بعيداً عن تأثيرات هذه التطوّرات، ولذلك يسود اعتقاد بأنّ النافذة التي فتحتها مفاوضات فيينا قد تقفل ما لم يقدم الطرفان على اتخاذ خطوات جريئة تعيد ترتيب العلاقة بينهما. وحتى لو كان النظام الإيراني يرغب في نقل القرار النهائي في المفاوضات ونتائجها إلى الرئيس الجديد، وهي رغبة لا تُسقِطها واشنطن من حساباتها، إلا أنّها تتخوّف من العودة إلى دائرة التشدّد. لذلك المطلوب من القيادات العليا في الطرفين حسم خياراتهم واتخاذ القرارات السياسية والاستراتيجية الحاسمة التي تفتح الطريق أمام إعادة إحياء الاتفاق النووي، والاتفاق المبدئي على وضع الملفّات الأخرى العالقة بينهما (ومنها الملفّان الصاروخي والإقليمي) على طاولة التفاوض لاحقاً.

Exit mobile version