البرلمان يستعيد المبادرة: إحياء “محاكمة الرؤساء والوزراء”؟

 

كريستال خوري – أساس ميديا

ثمّة تسليم بأنّ تلقّف مجلس النواب كرة رفع الحصانات عن النواب علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق، سيفتح الباب أمام جدل من نوع آخر حول المرجعية القضائية المخوّلة محاكمة الوزراء. خصوصاً أنّ الادّعاءات المسطّرة بحقّ النواب المطلوب نزع الحصانة عنهم، تتّصل بمهامّهم الوظيفية كوزراء. لذلك من المرجّح أن يعمد مجلس النواب إلى الإمساك بزمام المبادرة عبر الاستعانة بالمادّتين 71 و72 من الدستور اللتين تفرضان ملاحقة هؤلاء أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّه عند تسلّم رئيس مجلس النواب نبيه برّي طلب رفع الحصانة من وزارة العدل، يدعو هيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة إلى جلسة مشتركة لدرس الطلب، وفق المادة 92 من الفصل الثالث من النظام الداخلي، وتسمّى في حينها “الهيئة المشتركة”.

وقد تكون أولى جلسات “الهيئة المشتركة” مسرحاً لنقاش سياسي يفنّد سلّة الادّعاءات ويثير علامات الاستفهام حول الأسباب التي دفعت القاضي البيطار إلى اختيار هذه الأسماء من دون سواها، إذا كان المعيار هو “أنّك كنت تعلم” بوجود النيترات، بحيث لن يتوانى بعض النواب عن السؤال مثلاً عن أسباب عدم مساءلة رئيس الجمهورية ميشال عون الذي “علم بوجود المتفجّرات”.

ولهذا تتوزّع الأفكار المطروحة للنقاش على طاولة الهيئة المشتركة، بين حدّيْ رفع الحصانة والامتناع عن رفعها، وما بينهما، مع العلم أنّ الثنائي الشيعي متماهٍ ومتفاهم على السقف الذي حدّده الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير.

في هذا السياق، يتمّ التداول باقتراح يقوم على أساس ترك حقّ الاستماع إلى المدّعى عليهم، لكن من دون رفع الحصانة. ويتمّ التداول أيضاً باقتراح يقضي بتأليف لجنة تحقيق برلمانية تضع يدها على ملفّ التفجير قبل أن تحيل الادّعاءات بحقّ الوزراء المعنيّين في حال ثبوت تورّطهم.

وفي هذا الشأن، يقول نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي لـ”أساس” إنّ “مسألة رفع الحصانة دستورية وليست ورقية”، مشيراً إلى أنّ “طلب رفع الحصانة بعد الادّعاء يعني اتّخاذ إجراء بحقّ الملاحَقين، ولذا لا بدّ من التدقيق في الملفّ جيّداً قبل اتّخاذ أيّ قرار”.

آلية رفع الحصانة

في البداية، تلقّف الرئيس بري سريعاً طلب رفع الحصانة، المرفَق بمذكّرة صادرة عن النائب العام التمييزي يفترض أن تبيّن نوع الجرم الموجّه وخلاصةً عن الأدلة. ودعا هيئة مكتب مجلس النواب ولجنة الإدارة والعدل إلى عقد اجتماع اليوم الجمعة للتدقيق في الطلب وإبداء توصية ستُرفع إلى الهيئة العامّة للتصويت عليها.

لا بدّ أوّلاً من الإشارة إلى أنّ الحصانة النيابية نوعان:

– النوع الأوّل هو الحصانة المطلقة المذكورة في المادة 39 التي تنصّ على أنّه “لا تجوز إقامة دعوى جزائية على أيّ عضو من أعضاء المجلس بسبب الآراء والأفكار التي يبديها مدّة نيابته”. وهي غير قابلة للإسقاط من أيّ جهة كانت.

– أمّا النوع الثاني فهو المنصوص عليه في المادة 40 التي تقول: “لا يجوز أثناء دور الانعقاد اتّخاذ إجراءات جزائية نحو أيّ عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليه إذا اقترف جرماً جزائياً إلّا بإذن المجلس، ما خلا حالة التباس بالجريمة”. وهذا يعني أنّها ليست مطلقة، تستوجب الملاحقة بعد إعطاء الإذن.

ويتبيّن أنّ النصّ الدستوري يتناول المبدأ العام، فيما تُرِكت آليّة منح الإذن إلى النظام الداخلي لمجلس النواب، حيث يرد طلب الرفع إلى رئيس المجلس عبر وزير العدل الذي يرفق الطلب بمذكّرة صادرة عن النائب العام التمييزي تبيّن نوع الجرم وخلاصةً عن الأدلة. عند تسلّم رئيس المجلس الطلب، يدعو هيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة إلى جلسة مشتركة لدرس الطلب، وفق المادة 92 من الفصل الثالث من النظام الداخلي.

أمام هذه الهيئة المشتركة مهلة أسبوعين لتقديم تقرير هو بمنزلة توصية (تؤخذ بالتوافق وإلا بالأكثريّة العاديّة لانعدام نصّ واضح يحدّد آليّة التصويت)، تُرفَع إلى الهيئة العامّة ليُصار أيضاً إلى التصويت، وفق مبدأ الأكثرية العاديّة، بناءً على المادة 34 من الدستور، التي تنصّ على أنّه “إذا تعادلت الأصوات يسقط الطلب”. وإذا لم تُصدر الهيئة المشتركة أيّ قرار بهذا الشأن يُبلِّغ رئيس المجلس الهيئة العامّة بالأمر. وعندها تقرّر الأخيرة إعطاء مهلة إضافية للمكتب ولجنة الإدارة والعدل أو تضع يدها على الملفّ وتبتّه مباشرة، حسب المادة 93 من النظام الداخلي. وفي حال حصل السيناريو الأخير، فلا إرجاء ولا تأجيل ولا مواربة، إذ تنصّ المادة 94 على أنّه “عندما يباشر المجلس البحث في طلب رفع الحصانة يجب استمرار المناقشة حتى البتّ نهائياً ‏بالموضوع”.

الجدير ذكره أنّ النواب المطلوب رفع الحصانة عنهم، يُلاحقون كوزراء، ولكن صودف أنّهم نواب وكان لا بدّ من رفع الحصانة قبل ملاحقتهم.

في الواقع، فإنّ المادة 98 من النظام الداخلي، التي تقول “وعند درس الطلب، للهيئة المشتركة، كما للهيئة العامة، تقدير جديّة الملاحقة، والتأكّد من أنّ الطلب بعيد عن الغايات الحزبية والسياسية، ولا يستهدف حرمان النائب من ممارسة عمله النيابي”، تعطي هوامش كبيرة أمام مجلس النواب للامتناع عن رفع الحصانة، خصوصاً أنّ ثمة التباسات سياسية تحيط بسلّة الادّعاءات التي سطّرها القاضي طارق البيطار، بسبب الاستنسابية في اختيار الأسماء، كالامتناع عن استدعاء قائد الجيش جوزيف عون مثلاً، أو وزراء العدل المتعاقبين، خصوصاً أنّه، وفق ما تبيّن، فقد اعتمد القاضي معياراً واحداً للادّعاء، وهو الإحالات الخطّيّة التي كانت ترِد إلى الوزراء المعنيّين في ما خصّ الباخرة “روسوس” وحمولتها، فاُستُثني وزراء العدل لأنّ المراسلات كانت توجّه  إلى هيئة القضايا في وزارة العدل لكون السفينة موضع الإشكالية محجوزاً عليها بقرار قضائي.

تبقى الإشارة إلى أنّ توزّع التمثيل السياسي والنيابي لهيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة والعدل هو كالتالي:

– 5 نواب لكتلة التنمية والتحرير، التي يرأسها برّي، في عضوية لجنة الإدارة (إبراهيم عازار، هاني قبيسي، علي خريس، علي حسن خليل، وغازي زعيتر)، إضافة إلى برّي وميشال موسى في عضوية هيئة مكتب المجلس (المجموع 7).

– 3 نواب للتيار الوطني الحرّ في لجنة الإدارة (إبراهيم كنعان، جورج عطاالله، وزياد أسود) وألان عون في هيئة المكتب (المجموع 4).

– نائبان للقوات اللبنانية هما رئيس لجنة الإدارة والعدل جورج عدوان، وعضو فيها هو جورج عقيص.

– نائبان لـ”حزب الله”، أحدهما مقرّر لجنة الإدارة والعدل إبراهيم الموسوي وحسن عز الدينز

– نائبان لتيار المستقبل، سمير الجسر وهو عضو هيئة المكتب ولجنة الإدارة والعدل في الوقت نفسه، والثاني هو هادي حبيش.

– نائبان للحزب التقدمي الاشتراكي، واحد في لجنة الإدارة والعدل هو بلال عبدالله، والثاني في هيئة المكتب هو هادي أبو الحسن.

– ويبقى نائب لحزب الطاشناق في هيئة المكتب هو آغوب بقرادونيان، ونائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي، إضافة إلى نائب كتلة القومي ألبير منصور في لجنة الإدارة والعدل، ونائب التكتل الوطني المستقلّ مصطفى الحسيني، وكلاهما أصبحت مشاركتهما في أعمال المجلس شبه معدومة لأسباب صحّية.

 

Exit mobile version