عندما يبكي أهل السلطة والنظام.

كتب الأستاذ حليم خاتون:

في السبعينيات من القرن الماضي، أصاب فيروس النظافة والاستقامة أهل السلطة بعد لوثة ما بعد الاستقلال التي لم يستطع فؤاد شهاب القضاء عليها رغم كل المحاولات التي قام بها…

جاء صائب سلام يومها بحكومة أطلق عليها اسم حكومة الشباب…

استبشر اللبنانيون خيرا…
صحيح أن حكومة الشباب لم تستطع فعل أكثر مما فعله في الستينيات فؤاد شهاب، لكن هؤلاء الشباب الجدد بمعظمهم، في الحياة السياسية اللبنانية، لم يتركوا دون على الأقل، محاولة محاربة الفساد الذي كان لا يزال طفلا في تلك الأيام مقارنة بما صار عليه مع مجيء رفيق الحريري إلى السلطة بعد اتفاق الطائف سيء الذكر…

يومها لمع اسم الدكتور الياس سابا، والدكتور إميل بيطار…

الأول أعاد ميزانية الدولة إلى الوضع الصحيح، قبل أن يعيد مَن خَلَفَه هذا الوضع الى الخراب الاول.
الثاني خاض معركة ضد شركات احتكار الدواء، التي تبين أنها أحدى أهم عناصر الدولة العميقة في لبنان…

خسر إميل بيطار الحرب ضد هذه الشركات واستقال لأن شعب لبنان العظيم، لم يكن عنده من العظمة ما يكفي لمساندة من يطالب بحقوق الناس ويحرص على بناء دولة…

استقال أميل بيطار، لكن اسمه ظل يلمع في سماء المناقبية ونظافة الكف…

عندما يعجز وزير عن تمرير القرارات التي يجب أن تمر، يلجأ إلى الجماهير…

وعندما تتقاعس هذه الجماهير عن الدفاع عن مصالحها، على هذا الوزير أن يستقيل ويذهب إلى بيته…. على الاقل، يحافظ على شرفه…

هذا ما فعله إميل بيطار ولم يفعله، حتى وزراء المقاومة…

إذا كانت تجربة لبنان مع الرجال الشرفاء في السلطة التنفيذية، تحمل بضعة اسماء من أمثال الرئيس شهاب والرئيس الحص والرئيس لحود والوزيرين الياس سابا وإميل بيطار، فإن الشح في السلطة التشريعية كان أكثر مساحة…

هي لحظات قليلة، حاول فيها بضعة نواب التصدي لآلة الفساد الضخمة التي حرص رفيق الحريري على إعادة تأهيلها لتقوم بأكبر عملية سرقة ونهب؛
عملية اعتبرها البنك الدولي من أكبر ثلاثة عمليات (أزمات) خلال ١٥٠ سنة…

حاول الدكتور سليم الحص والنائبان نجاح واكيم وزاهر الخطيب التصدي… دون جدوى..

خانت مدينة بيروت مصالحها الشعبية والوطنية والقومية لقاء ملاليم، رماها رفيق الحريري وحكام الرياض من خلفه…

بيروت التي كانت قلعة القومية العربية أيام عبدالناصر، تحولت إلى مقاه ومطاعم وصالات رقص… مع رفيق الحريري الساعي إلى تحويل لبنان الى ملهى ليلي لأغنياء العربان…

تحولت منطقة الجامعة العربية وطريق الجديدة التي كانت حاضنة المقاومة الفلسطينية والحركات الثورية العربية، إلى مرتع لتجار المذهبية والدين…

أما مجلس النواب والسلطة التشريعية،  التي عليها لعب دور جهاز الرقابة والمحاسبة…

فقد فعلت ذلك مرة واحدة فقط، حين ابطل مجلس النواب نيابة أحدهم بحجة الفساد والمخدرات، والحقيقة هي تنافس بين عدة فاسدين وتجار مخدرات…

مرتان حاسب مجلس النواب وزيرين، واحد للزراعة، وواحد للكهرباء ولم يكن السبب سوى خروجهما على طاعة أسيادهم ممن يتحكم بمفاصل السلطات،
كل السلطات…

عندما يعجز نائب عن لعب الدور الذي يجب أن يلعبه…

الأشرف له، هو النزول إلى الجماهير والعمل على تأطيرها للنضال بدل الجلوس في مجلس لم يكن سوى مزرعة صغيرة، هي صورة طبق الأصل لتجمع مزارع الوطن اللبناني…

عندما يخرج الدكتور عراجي أو الحجيري، لم أعد اذكر، رئيس لجنة الصحة في مجلس النواب ليتحدث بالعموميات عن أن البعض يفتقد للحس الوطني، وإن البعض كذا والبعض كذا، لا يسع المرء سوى الترحم على فقدان الرجال الرجال في هذا الزمن الصعب…

النائب المذكور ينتمي إلى كتلة المستقبل التي يرتبط بها معظم العهر الذي أسفر عن كل ما يجري اليوم في لبنان…

من هي الكتل في هذا المجلس المشؤوم التي تستحق أن تكون حامية لمصالح الناس؟

المستقبل؟ امل؟ التيار العوني؟ القوات؟ حزب الله؟ المردة؟ القومي؟…؟

كلهم مرتكب، إذا لم يكن بالنهب المباشر، فعلى الأقل بالتغطية على هذا النهب…

لم تعد كل المسرحيات التي تتحدث عن اللجوء إلى القضاء تستطيع تغطية العجز…

إذا شعر المواطن العادي بالعجز والضعف أمام آلة التدمير الجارية على قدم وساق، يتلقى اللعنات لأنه جائع ولا يخرج على الناس شاهرا سيفه…

أما أن يتفضل نائب او كتلة نيابية لتمييع المسائل باسم اللجوء إلى قضاء، لا يمضي يوم إلا ونكتشف كم هو متخاذل وتابع ولا يقوى إلا على الضعفاء،
فهذا له اسم واحد:
تغطية على الفساد والنهب…

وبدل دعوة الناس لإسقاط السلطة الفاسدة، يقوم بالوساطة لإصلاح ذات البين بين هذه الأطراف الفاسدة، ويزرع اوهاما عند الناس أن هؤلاء لا دخل لهم بالفساد…

عندما رست الخلافة عند امير المؤمنين علي ابن ابي طالب، نصحه البعض بعدم عزل معاوية الذي كانت روائح فساده قد بلغت أقصى حدود بلاد الخلافة..

لكن مبدئية الإمام، ما كانت تقبل هكذا مساومة…

ما فعله حكام لبنان، هو أكثر بأضعاف مما فعله معاوية ذاك..

كم من النصائح تلقى الإمام لتجنب الفتنة التي سوف يفتعلها معاوية، وعمر ابن العاص وبقية المتآمرين…

لو كان الأمر بيد احد غير ابن ابي طالب، لكان سكت في سبيل الدنيا وأوساخها؛ أما علي، وهو من هو في الطهارة والعدالة وكل أوصاف النبل التي يمكن تخيلها،
علي هذا، رفض أن يبيع مبادئه وذاته من أجل دنيا زائلة…

لذلك، ومن هذا المنطلق، يجب إدانة تجربة حزب الله خلال الخمسة عشرة سنة في السلطة التنفيذية، وعدم مباركة كل سنين تواجده في السلطة التشريعية التي لم تكن سوى غطاء لسلطة اوصلتنا إلى القاع الذي نحن فيه اليوم…

حتى حسان دياب الذي حاول، والرجل حاول فعلا فعل شيء ما،
لم يؤمن له حزب الله أية حماية، وترك جماعة الحريري يفترسونه في أول مناسبة…

أذا كان الحزب أعجز من الناس، ما حاجة الناس به…

مرة أخرى…
لولا المقاومة التي برع فيها حزب الله، وانتصاره على الصهاينة والتكفيريين وغيرهم… لكان الآن تحت وابل لعنات هؤلاء الناس الذين يعانون..

إلى متى سوف يستمر حزب الله في الخسارة من رصيده لدى الناس، لتغطية سلطة فاشلة، ناهبة، لعينة، لا تخفى عن شناعة ما ارتكبته حتى عقول ابسط الناس …

ثم، وفي آخر ابتكارات الحزب، يخرج بعضهم للتحذير من الطابور الخامس، الذي يستطيع إفشال أي ثورة…

بالطبع، عند أول محاولة ضرب الفاسدين سوف يخرج الطابور المسيحي، والطابور السني، والطابور الشيعي…

كلنا نذكر أولئك المتخلفين عقليا، الذي خرجوا على الموتوات، من الشياح، ومن طريق الجديدة…

خرجوا يسعون لإشعال المذهبية حماية لأسيادهم من اهل النهب…

ماذا يريد الحزب؟
أن يخاف الناس الفتنة ويجلسوا في البيوت ينتظرون أن يتلاقى سعد وباسيل؟

منذ 17 تشرين، مرت سنتان وحزب الله، يدور حول هذه المسألة متوهما، وموهما، بأن الحل هنا…

كالعادة سوف يصل الحزب متأخرا، كمن يذهب إلى الحج، والناس راجعة…

منذ سنتين والخبراء يصرخون ضد الدعم الاعتباطي.. اضطرّنا الأمر خسارة أكثر من سنة حتى بدأ الحزب بالحديث عن ترشيد الدعم…

منذ سنتين، عندما خرج اقتراح البطاقة التمويلية، لم تعجب الفكرة بعض شباب الحزب لأنها تقليد لما قام به احمدي نجاد، وتحولت القصة إلى نقد تجربة نجاد في السلطة…

يومها كان تمويل البطاقة متوفر..
لكن الحزب والسلطة لم يذهبوا إليها إلا بعدما تجاوزها الزمن، وتحولت إلى سرقة موصوفة لأموال المودعين الذين لم يعودوا يعرفون من اين تأتيهم الضربات، من المصارف، من السلطة، وحتى من الحزب…

لا تريدون قيادة الثورة، هذا شأنكم…
لكن اجلسوا في البيوت… ودعوا من يريد الثورة، يخرج الى الشوارع…

توقفوا عن إخافة الناس من الفتنة…

تحذير الناس واجب، لكن الإمعان في أخافتهم، ممنوع…

إذا أردتم الخير للناس، قوموا بواجبكم في الدعوة إلى الدولة المدنية…

الحزب لم يحم حسان دياب، والمنار استضافت الدكتور جاسم عجاقة لانتقاد خطة حكومته للانقاذ دون أن يكون في المقابل من يرد على الدكتور ويقول له أن التوقف عن دفع اليورو بوندز ليس السبب في نهب الودائع كما حاول الأيحاء…

المصارف حجزت أموال المودعين قبل هذا بأشهر، وقامت بتهريب أموالها الخاصة وأموال الطبقة الحاكمة والهيئات الدينية حتى قبل ١٧ تشرين…

في الحرب على الصهيونية كانت المنار رأس حربة هذا النضال…
في الحرب على الفساد، عليها أن تكون راس حربة الثورة لأن الحل الوحيد كما صار شبه مؤكدا، هو اندلاع الثورة…

صحيح أن هناك ركودا عجيبا يسود أوساط الناس والجماهير…
لكن المنطق يقول وكذلك ما يحدث… إن الإنفجار آت حتما وسوف يفوق كل مخيلات كل الاحزاب، وعلى حزب الله البدء بتهيئة نفسه ليكون على مستوى هذا الحدث التاريخي، وإلا فإن التاريخ لا يرحم، وسوف يتجاوز حتى العمالقة حين يغفون عن اللحظات التاريخية حين تحين..

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

Exit mobile version