استبعاد نهج العونية السياسية

التصويب على نهج محدّد لا يلغي التصويب على الآخرين (مصطفى جمال الدين)

 

أحمد جابر|المدن

الشعار “كلّن يعني كلّن” الذي جمع التوليفة المتحكمة، السلطوية، ضمن “الكُلّيَة”، استنفد زخمه التعبوي الدافع بعيد إطلاقه بقليل، وتحوّل مع تقدم عمر الحركة الشعبية في الشارع، إلى لون من ألوان نَفْث الغضب، ثم صار مرادفاً لعدم القدرة على التحديد، ثم تمادى فصار استراتيجية عشوائية، لا تسندها الفرعيات التكتيكية، ولا تغذّيها، أو تترجمها السياسات اليومية المتناسلة. لقد أمكن في ظلّ العمومية الحراكية، نُطقاً وعملاً، توالد المجموعات الكثيرة التي يمكن تصنيفها جماعات “اللامضمون”، مثلما أمكن تناسخ المسمّيات التي يشار إليها بأسماء متعدّدة، ولا تُحدَّد إلاّ بشعار واحد هو “كلّن يعني…”.

التمسّك بالشمولية، والهروب إلى الإرادوية اللفظية، نقل المشاركين في حملة الركض خلف اللفظ، إلى خانة “الصبيانية السياسية”، حيث يكتفى باصطناع “ثورة” أو “انتفاضة”، من دون واقع حقيقي يسند مضمون وصفها، وحيث يصير التجرّؤ على وصْف الخصم، نوعاً من الجهالة السياسية، التي تتضمن ضحالة المعنى، ورعونة الأداء.

لقد قدمت أيام التحرك الشعبي ما يكفي من العلامات الدّالة على تخبط “جمعياتي” مدني، عاند السياسة وأقصاها، فكان أن أُقصيَ الجمعياتيون من دائرة مراكمة الفعل، ليكون فعلاً، وها هو الراهن يُكمل البرهان القاطع، على العُقْم السياسي، للحزبية اللبنانية، اليسارية واليمينية، التي تصرّفت جمعياتياً، فاستقالت من سياسيتها، ثم تحولت إلى جمعيات “إرشادية”، بعد أن انكفأت من ميدان الفعل السياسي ذي المداخل الشعبية المتعدّدة.

كثير غير واحد
الكثير، هو كل من أعلن صلة بالتحرك الشعبي، وغير الواحد، هو كل ذلك الكثير الذي جعله “كلّن يعني كلّن” واحداً. في السياق هذا، من الصائب القول إن العونية السياسية ليست سياسية القوات اللبنانية، ولا سياسية الكتائب. ويجب القول حيال الآخرين: الجنبلاطية ليست الإرسلانية، وحركة أمل ليست حزب الله، والحريرية ليست منوعات السنية السياسية الأخرى.

ينسحب القول على “سياسيات” المناطق، وعلى وجوه سياسيات المدن، فهؤلاء ليسوا أبناء كلمة واحدة، ولهم ما يميّزهم، وما يجمعهم، ولهم مطارح تشابه، ولهم مطارح اختلاف.

ذكرّ اللوحة أعلاه، يرتبط به جُهْد فهمها، وبالفهم يرتبط جهد التصنيف، وبالتصنيف ترتبط خطة العمل الشعبي المعارض، حيث تقع على الشعبيين مسؤولية الاستفادة من “شقوق” التوليفة الحاكمة، وتوظيف كل استفادة في سياق المشروع المفترض أنه موجود لدى كل حركة شعبية جادّة. شيء من الاستطراد المفيد، لقد قِيْل ذات يوم، وبحقّ، أن الحركة الشعبية اللبنانية، نسخة أعوام ستينيات القرن الماضي، وسبعينياته، استطاعت النفاد من بين شقوق جدار النظام اللبناني، لذلك لم تلقَ مصير شبيهاتها العربيات، ففي حين كانت الديكتاتورية القمعية العربية ممكنة عربياً، لأسباب خاصة بكل بلد، ظلت الشمولية القمعية متعذرة في لبنان، لأسباب بنيوية لبنانية خاصة.

العونية السياسية الفاقعة
يكتمل التدقيق الفرعي، عندما ينتقل المدقّق إلى تحديد الأولويات. في سياق التصدّي للتشكيلة السلطوية المتحكمة، كبنية، يحتل التصدّي لنهج العونية السياسية أولوية، فهذا النهج أسَّس للونه الفاقع منذ منتصف ثمانينيات القرن الفائت، وما زال مستمرّاً حتى تاريخه. لقد جمع هذا اللون السياسي، عدّة ألوان، ثم خلطها، فكانت له من الخلطة سمته الواضحة التي لا تخطئ العين مادّة نشأتها الأولية.

لقد جمع النهج العوني السياسي، بين السياسة الانقلابية عندما كان في “قصر الشعب” وفي حضرة شعب لبنان العظيم، ثم خالف سياق الطائف، بعد أن حصد خسارة حربين خاضهما ضد حليفه، السوري، ومنافسه القواتي الناجي من حرب الإلغاء، ثم عمد النهج ذاته إلى معاكسة تيار 14 آذار، ثم خاصمه ملتحقاً بفريق 8 آذار، ثم ارتضى تعطيل الحياة الدستورية حتى جيء برئيس النهج رئيساً للجمهورية.

وها هي السيرة تتوالى، منذ بات للبنان القوي، تياراً حرّاً يعتصم بالنهج، ويرمي من خلفه سهام التعطيل السياسي، وفي كل اتجاه. هل يقتصر أمر التصدي على النهج العوني السياسي دون غيره، بالتأكيد لا؟ لكن هل يمكن تحديد المسؤوليات عن الجهات التي تهزّ الاستقرار اللبناني هزّاً عنيفا؟ بالتأكيد نعم. إذا كانت التشكيلة السلطوية الحالية هي المسؤولة، ائتلافاً واختلافاً، عن هزّ بنيان الاستقرار اللبناني، فالسؤال الواجب يصير: من يحتل المقعد الأول المتقدم في هزّ البنيان؟ جواب الأيام الراهنة، يشهد أن صاحب المقعد الأول هو نهج العونية السياسية، والنهج يؤدي ذلك، باسمه مباشرةً، أي بكتلته الحيّة المعلنة، ويؤدي الأمر أيضاً “بردائه”، الحاجب، أو بقناعه الساتر، لمن يساعده على الصمود في موقع أدائه الفاقع، في الحالتين، تتقاطع المصالح، وفي الحالتين يستفيد النهج العوني السياسي، فيقطف جنى أدائه، مباشرةً أو مداورةً.. أما الكلفة، فتُلقى أعباؤها على أجساد اللبنانيين المكْتوين بذلّ الحاجة والفاقة والانكسار.

وبعد؟
تبدأ السياسة من مكانٍ ما. التصويب على نهج محدّد لا يلغي التصويب على الآخرين. هي سياسة “تفكيك” الحلقات، عندما تتعذّر مواجهة السلسلة دفعةً احدة.. في لعبة الدومينو، تتساند الأحجار، فكيف نسقطها حجراً حجراً؟ المعركة طويلة، ولا بدَّ من بداية.

Exit mobile version