سرطان وبانادول في المرفأ

“ليبانون ديبايت” – روني ألفا

علاقة السلطة القضائية بالسياسة في لبنان مثل علاقة البانادول بالسرطان. الثانية تهزأ بالأولى والأولى تحلم بالتحول الى علاج كيميائي. قضاء يدرك في قرارة نفسه انه سلطة مستقلة وسياسة تدرك في قرارها أن القضاء ملكيتها الخاصة.

القاضي الذي يتطاولُ على السياسة يُصاب في المَقتَل. يُعاقَبُ بألف طريقة. إفقارُ وإثراءُ القاضي من حواضرِ بيت السياسة. بِيَدِها ادخاله الى صحنِ البيت وبيدها أيضاً معاقبتُه بإبقائه مشرداً في الباحةِ الخلفية. رضاها يُغدِقُ ريشَ نعامٍ ولعنتُها تهدُّ المعمورة. القضاءُ يعيشُ في لبنان بين خَطايا الريشِ من جهةٍ وبين الرعبةِ من اللعنةِ من جهة أخرى.

إحدى عشر شهراً على انفجارِ المرفأ. السياسةُ عملت بكل أجهزتها وأبواقها على تجريمِ كبارِ وصغارِ الموظفين. تثبيتُ هذا الجرمِ ونفخُه في الوعي الباطني لأهلِ الضحايا يتيحُ لهؤلاءَ إنجاز َحدادِهِم بسلام. خديعةٌ سياسيةٌ تقولُ للأهالي: فكّوا الحدادَ فالمجرمونَ في قبضةِ العدالة. أكثرُ الأساليبِ خبثاً لتبرئةِ المجرمينَ الحقيقيين.

بعد سنةٍ يتحوّلُ الضحايا إلى موتى. حتى الآن لم يمت الضحايا في قلوبِ أحبائهم موتاً كاملاً وناجزاً. أنجعُ طريقةٍ لتحويلهم الى موتى دائمين هو اختراعُ مجرمٍ كيفما اتفق. مجرمٌ أو اكثر يقنعون الأهالي يصبون جام غضبهم عليهم. السخطُ على كبشِ المحرقة ينهي القضية. السياسةُ تطلبُ والحالةُ هذه كبشاً يفديها.

محققان عدليان على الملف في مجلس عدلي لم يعد معتَمَداً في أي دولةٍ حقيقيةٍ في العالم. ظروفُ ومدةِ التوقيف. الصلاحياتُ الإستنسابيةُ غير المحدودةِ للقاضي. عدمُ إمكانية الطعن والمراجعة في أحكام هذا المجلس تكاد تحوِّلُه الى سلطةٍ إلهية. أهلُ ضحايا يرون في المحقق العدلي إلهاً والموقوفونَ أيضاً.

عودةٌ الى فشلِ مهمةِ القاضي صوان. المساس بالسياسةِ ممنوع. مجرمونَ حقيقيونَ خارجَ السجن ومجرمونَ بالقوةِ داخله. انتصرت السياسةُ على صوّان. لا بد من التسجيل أنه مع صوان تحوّل البانادول الى علاج كيميائي. لكن تمّ تفجيرُ الدواء وهو في طريقه لاستئصالِ الورم. المساسُ بالسياسةِ مثلُ المساسِ بالعزةِ الإلهيةِ جريمةٌ تستأهلُ الصلب.

من الملاحظاتِ المجديةِ في الآونةِ الأخيرة وجودُ شَيْءٍ من الكيمياء بين أهل الضحايا من جهة وأهلِ الموقوفين من جهةٍ أخرى. تبيَّنَ للأوائلِ أن الثواني حزنوا على الشهداء حزن ذويهم عليهم. أهلُ الضحايا يطالبونَ إلى جانبِ الموقوفينَ بتوقيفِ السياسةِ واعتقالها. المقتولُ والمظلومُ باتا في خندقٍ واحِدٍ يطالبانِ بكشفِ المجرمِ الحقيقي.

يعدُ القاضي بيطار بالتصويب على السياسة. أولُّ الجرأةِ الأخلاقية إطلاقُ سراحِ كل الموقوفين. كلّهم. هؤلاء متهمون في أقصى الحالات بالإهمال الوظيفي. محاكمتُهم خارجَ السجن من أبسطِ حقوقهم. الإستمرارُ بالتذرّعِ بهولِ الجريمة وحجمها وخسائرها البشرية لم يعد مقنعاً. يتمُّ استعمالُ حجمِ الجريمة وهَولِها لسببين. ابقاءُ الموقوفين موقوفين وإبقاءُ المجرمين طلقاء. البقاء على هذه الحال لن يكشفَ جريمة المرفأ.

المجرمون في مكان آخر. عندما يطلقُ القاضي الموقوفين ويحاكمهم من إقامتهم الجبرية يَكُونُ القضاءُ قد بعثَ برسالةٍ مخيفةٍ للسياسة. سيقولُ لها بأنه تخطى عقدةً مصطنعةً خلقتها السياسة لتضعَ أهالي الضحايا في مواجهةِ الموقوفين. ستشعرُ السياسةُ ان بيتها الزجاجي سيتناثرُ وسيكونُ انفجارُ السياسةِ أكثرُ دوياً من انفجارِ المرفأ.

البحثُ عن المجرمين يجبُ أن يتم في اروقةِ السياسةِ وبعضِ القضاء وبعضِ الأمن. قبل ان يتمَّ ذلك سيبقى السرطانُ يهزأُ بالبانادولْ والسياسةُ بِنَا جميعاً قضاةً وأهالي وموقوفينَ ورأي عام.

Exit mobile version