تحرير لبنان عام 2000 .. والترددية العميقة في العقل الاسرائيلي والغربي ..

علي عباس رباح

جاء انتصار غزة لينكأ الجرح الاسرائيلي البليغ الذي صنعته القدرة اللبنانية غير المسبوقة والتي تمظهرت كمدرسة جديدة في قتال الاحتلال وإجلائه عن الارض دون قيدٍ أو شرط، ودون أن يتمكن من تثبيت اي معادلة تشكل ثمناً مقبوضاً لقاء انسحابه، وتلخص المشهد في عملية فرٍ دراماتيكية، لم تحسن الاستفادة من أي شيء، وتركت ايتامه من العملاء يواجهون المصير الاسود، ومنهم من لحق به كذنب “أبو بريص المقطوع” يبحث عبثاً عن باقي الجسم.
وفي هذا السياق لا يهمني التسابق لإلقاء الاشعار والخطابات، وإن كان مستحسنة، ولكن الاهم، هو الدخول الى العقول العربية والاسلامية العزيزة، وإعطاء بعض الاجابات على تساؤلين كبيرين، يتعلقان بكيفية تحقيق هذا الانجاز التاريخي؟، ومن جهة اخرى لما انخرطت المقا و مة في الحرب السورية علماً أنها استطاعت حتى نشوب هذه الحرب من جمع التعاطف العربي والاسلامي الواسع حولها، لأحقية مشروعها وافكارها التحررية.
يبدو للوهلة الاولى ان هاتين الاشكاليتين منفصلتان، ولكن، وبحق اقول، انه لم يحدث زلزال سوريا، إلا كهزة ارتدادية لما حصل في لبنان في ايار 2000، وزاد من تفجره صاعق تموز 2006.

اولاً:
انطلقت المقا و مة عشية عام 1982، تحت اسم المقا و مة الاسلامية وإن كانت الوطنية احدى مفرداتها، فالانتماء الاسلامي يختصر في طياته كل الانتماءات الجميلة، من وطنية، وعربية، وانسانية بشكلٍ واسع، ونفذت اول عملية لها مع الاستش هادي احمد قصير، الذي دك مقر الحاكم العسكري الصهيوني في مدينة صور اللبنانية فقتل عدداًً كبيراً من جنود الاحتلال، واصاب بشكلٍ مباشر العقل الاسرائيلي في عمقه بصدمة مهولة، فالاسلوب جديد ناهيك عن الزمكان المحدد.
وبدأ مسار تراكم الانجازات رغم الصعوبات الكبيرة، وكثرة الاعداء الخارجيين، والوضع الداخلي المعقد، من حرب اهلية، وتشققات، وازمات متتالية، وغيره مما يرسي الاحباط والضياع.. ولكن المقا و مة حددت الرؤية جيداً والاهداف والخطط العملانية، فالعدو اسرائيل، وكل مشاكل لبنان والامة بسبب وجوده، ولا تعايش معه، فهو يشكل معها نقيضان لا يجتمعان.
اقول للمشككين في الانتصار، أن لعبة عض الاصابع التي لعبناها ونلعبها مع الاسرائيلي اتت أكلها انجازات تراكمت لتصنع الانتصارات، لأنه فاقد للصبر والعقيدة القتالية، ونحن نمتلكهما وبقوة، كما ان هناك تجارب سابقة في التاريخ حققت بفعل هذين الاساسين.

ثانياً:
صُدم العقل الجمعي الاسرائيلي تحديداً، والغربي عموماً، بإنجاز عام 2000، وتردد صدى الصدمة عميقاً في وعيه ولا وعيه، في عقله وفي وجدانه، وكان التأثير الاكبر على النخب السياسية والامنية والعسكرية التي بدأت بدراسة ظاهرة المقا و مة ومدرستها الجديدة، التي تستحق بحق التقدير العلمي والموضوعي بالنسبة لهم، وفي دوائرهم المغلقة اعترفوا بذلك، وجاءت حرب تموز لتزيد التردد شراسة ينهش في تفكير هؤلاء، فكان القرار بإيجاد اي وسيلة ممكنة تحطم هذا المارد الذي يكبر على مستوى الامة، وهذا لا يخفَ عليهم وهم يقرؤون جيداً التحولات في الوعي العربي، فكانت الخطط التالية، اذكرها باختصار، وهروباً من الاسهاب والاطالة:
1. التقييد الاعلامي لمنع نشر الفكر المقاوم والتحرري، فمنعت قناة المنار من البث في اوروبا ولاحقاً على الاقمار العربية، علماً أنه مسموح لقنوات الفتنة والتطرف من اي اتجاه ديني او مذهبي بالبقاء ضمن باقات القنوات.
2. وضع الجناح العسكري للحزب على قائمة الارهاب في دول اوروبية معينة ومن بعدها كل الحزب.
3. الهجوم الاعلامي الشرس على المقا و مة وحلفائها في الداخل وفي المحور، وشيطنتها، وتحميلها مسؤولية أزمات الوطن والامة، في مشهد مضحك ومبكي، حتى امسى دمى الاعلام لا يلهجون الا يالتهجم عليها، على قاعدة “اكذب، اكذب، … حتى انقطاع النفس”
4. بعد هذه الاجراءات، جاء دور العمل الميداني، والمشكلة كانت كيف نهاجم مقاومة التفت حولها الشعوب العربية والاسلامية، فكانت الخطة بإسقاط سوريا، شريان المحور، وبحجج واهية بمعظمها، وان كان هناك بعض الاخطاء المسجلة على النظام فيها، ولكنه لا يهبط ليصل الى مصاف الديكتاتوريات الخليجية، والملكيات المطلقة في الخليج. عندما بدأت معمعة سوريا، لم تتدخل المقا و مة الا بعد سنة من انطلاق الشرارة، وتأكدها وبالادلة القاطعة ان رأسها هو المطلوب الاول، وان اسقاط الدولة في سوريا ليس الا المقدمة الموصلة الى هذا الهدف، وان اللعبة الاميركية-الاسرائيلية تمظهرت في تدمير سوريا واقصائها من الحلف الذي ينادي ويعمل لتحرير فلسطين، وهنا ضاقت فسحة الخيارات الى حد الاختناق بعدد ضئيل جداً منهم:
a. الخيار الاول: عدم التدخل في سوريا واتباع استراتيجية الحياد والسماح لداعش باستلام الحكم، تخيلوا المشهد، والتي ستكمل باتجاه لبنان للقضاء على المقاومة (ما غُزي قومٌ في عقر دارهم الا ذلوا)، وهذا كان واضحاً في تصريحات المسؤولين في هذا التنظيم الارهابي، إنطلاقاً من حسابات طائفية في الظاهر، استخبارية مصلحية للاميركي والاسرائيلي.
b. دعم المعارضة العالمية في سوريا، اقول العالمية لانها جمعت في احضانها معظم جهاديي العالم السلفيين، وهذا سيترتب عليه نفس نتيجة الاول، وبسرعة اكبر.
c. منع سقوط سوريا من معادلة الصراع مع اسرائيل، ودعمها، لإكمال الدرب نحو فلسطين، مع دعوة النظام لتحسين الوضع الديمقراطي _ وهو بصدق افضل ورغم كل شيء من توتاليتارية مشيخات الخليج_ وكان هذا الخيار الافضل بين مجموعة خيارات سيئة وجداً، حيث لا خيارات مثالية جداً.
لا بد ان نعرف ان كل قرار من هذا القرارات، سيترتب عليه نتائج ايجابية وسلبية، والقرار الافضل هو الذي يحمل في طياته ايجابيات اكثر وسلبيات اقل، وان خيار المقا و مة في دعم الاتجاه المناوئ لأميركا واسرائيل، هو الاولى، لأن الخيارات الاخرى، ستؤدي حتماً الى ضياع القضية الفلسطينية وسننتظر بضع مئات من السنين لتعويض ما تم تضييعه من قدرات وانجازات، وكنا بالتأكيد لن نحتفل في مثل هذه الايام بالانتصارات الجميلة في لبنان وفلسطين، هذا ان بقينا أصلاً ..

عيد نصر وتحرير مبارك 2021

Exit mobile version