يتطوّر الموقف الفرنسي حيال القضية الفلسطينية والصراع مع المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، راهناً، في اتجاه معاكس لتطوّر مواقف غالبية الأطراف الدوليين والإقليميين الآخرين. فحتى تصريحات المسؤولين الأميركيين المراوِغة والمخادِعة، ومن بينها ما أدلت به سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة ليندا توماس، حرصت على إدانة استهداف المدنيين “من الجانبين”، وأبدت قلقها من الإجلاء القسري لسكّان حيّ الشيخ جرّاح. أمّا الرئيس الفرنسي، فقد اختار أن يندّد، حصراً، بـ”عمليات إطلاق الصواريخ من قِبَل حماس ومجموعات إرهابية أخرى، والتي تهدّد حياة سكّان تل أبيب وأمن دولة إسرائيل”، وذلك في حديثه الهاتفي مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، قبل أن يطالب الأخير باستخدام جميع السبل لعودة “الهدوء في أسرع وقت”. وقد انفردت السلطات الفرنسية، عن غيرها من السلطات في أنحاء العالم، بمنعها لتظاهرة التضامن مع الشعب الفلسطيني في باريس، يوم السبت الماضي.
عادةً ما يفسَّر التغيّر في المقاربة الفرنسية من قضايا المشرق العربي، وفي قلبها القضية الفلسطينية، على أنه ناجم عن تخلّي فرنسا عن طموحاتها الاستقلالية على الصعيد الدولي وخيارها الاندراج في الإجماع الأطلسي خلف الولايات المتحدة في منطقتنا وفي مناطق أخرى من العالم. لكن الغُلوّ في توجّهاتها الحالية، والذي يبدو كأنه سباحة عكس التيّار العام السائد حتى في الولايات المتحدة، التي ابتعدت ولو على المستوى اللفظي عن مواقف إدارة دونالد ترامب الداعمة لإسرائيل من دون أيّ تحفّظ، يشي بأن أسباباً داخلية فرنسية تقف وراءه، بينها الحسابات الانتخابية لرئيس صغير فاقد للشرعية الداخلية، وانقلاب أيديولوجي – سياسي في أوساط نخبها المهيمنة، ونموّ في حجم مصالحها المشتركة مع الكيان الصهيوني.

البحث المحموم عن شرعية تعويضية
منذ وصوله إلى السلطة، أطلق إيمانويل ماكرون مجموعة من المواقف حول “الموت السريري” لحلف “الناتو”، وضرورة العودة إلى مشروع الدفاع الأوروبي المشترك والمستقلّ، كانت بمجملها ردوداً على تعاطي ترامب الاستفزازي مع حلفائه الأوروبيين، لكنها دغدغت آمال البعض بإمكانية بروز قطب أوروبي مستقلّ على النطاق الدولي، ولو بعد حين. مثل هذه التصريحات سيطويها النسيان على الأرجح بعد انتصار جو بايدن في الانتخابات الأميركية، وهو الذي جعل بين أولوياته “رأب الصدع بين ضفّتَي الأطلسي”. لكن مواقف أخرى للرئيس الفرنسي لم تستوقف المراقبين بما يكفي، على رغم ما تكشفه من خيارات سياسية واستراتيجية لها تداعيات مهمّة على تموضع فرنسا في الصراعات الدائرة في إقليمنا. ماكرون هو أوّل رئيس فرنسي قرّر سنّ قانون يساوي بين العداء للصهيونية و”اللاسامية”، على رغم أن الذين سبقوه، كنيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند، لم يكونوا أقلّ حماسة لإسرائيل منه. لا وجود لقانون مماثل في غالبية الدول الغربية الأخرى. صحيح أن نفوذ اللوبي المؤيّد لإسرائيل قد تعاظم في المؤسسات السياسية والإعلامية الفرنسية منذ عهد ساركوزي، واستمرّ ينمو باطّراد منذ ذلك التاريخ، غير أنه لا يضاهي قوة اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، التي لم تسنّ مثل هذا القانون. تتّضح الخلفيات الفعلية للقانون المذكور عندما يجري تناوله في سياقه، وربطه بقرار التصدّي لـ”الانفصالية الإسلامية” الذي اتّخذه في خريف العام الماضي.
الرئيس الذي انهارت معدّلات شعبيّته سنة بعد انتخابه نتيجة لسياساته النيوليبرالية وأدائه المتغطرس في مواجهة الاحتجاجات الشعبية التي قادتها حركة “السترات الصفر”، يبحث مذّاك عن شرعية تعويضية في الداخل الفرنسي، عبر استغلال وتأجيج العصبية البيضاء التي تجتاح العالم الغربي، والتي أوصلت أمثال ترامب وبوريس جونسون وغيرهما إلى السلطة. اختراع عدو داخلي، متمثّل في المسلمين، هو بمثابة “الطابور الخامس” الذي يمثّل امتداداً لأعداء الحضارة الغربية وقيمها العتيدة، الجمهورية والديموقراطية والعلمانية، والوقوف صفّاً واحداً في مواجهة هؤلاء، مع إسرائيل والحركة الصهيونية، هو الطريق الأقصر إلى ذلك. وما ساعد ماكرون في ما تقدّم هو انقلاب وقع على المستويَين الفكري والسياسي في وسط قطاع معتبَر من النخبة الفرنسية، يُروّج منذ عقود لنظريات مِن مِثل “الاستبدال الكبير”، أي تغيُّر التوازنات الديموغرافية في فرنسا لصالح المهاجرين وأبنائهم على حساب الفرنسيين”الأصليين”، وفرض هؤلاء لثقافتهم وأنماط عيشهم المتناقضة مع الثقافة والقيم الجمهورية الفرنسية، مع ما يترتب عليه من اضمحلال تدريجي لهوية البلاد التاريخية. هذه الأطروحات الخرافية تجد انتشاراً واسعاً في كتل وازنة من الرأي العام تُصوّت لليمين المتطرّف، وماكرون يريد كسبها بأيّ ثمن.

الانقلاب وقع
أثار صدور بيان موقّع من مجموعة من العسكريين الفرنسيين السابقين – جلّهم من أنصار اليمين المتطرّف كما أظهرت تحقيقات صحافية عديدة – يدعو الدولة الفرنسية إلى الحزم في مواجهتها مع أبناء الضواحي من ذوي الأصول المهاجرة، مخاوف جهات سياسية وإعلامية فرنسية من أن يكون مؤشّراً إلى وجود نيّات انقلابية داخل صفوف الجيش الفرنسي ضدّ “تقاعس السلطات عن القيام بواجباتها في حماية البلاد”. تبدّدت هذه المخاوف بسرعة، لكن ما لم يجرِ الالتفات إليه هو أن الانقلاب على المستوى الأيديولوجي – السياسي قد وقع منذ زمن ليس بقصير. فيلسوف مثل آلان باديو في كتابه الصادر سنة 2008، “عمّا يرمز إليه ساركوزي”، الذي انتُخب قبل سنة من صدور الكتاب، حلّل بدقة ما يعنيه اختيار غالبية نسبية من الفرنسيين لمثل هذا المرشّح، من انزياحات فكرية وسياسية نحو أقصى اليمين في السياستَين الداخلية والخارجية. وكذلك فعل عالم الديموغرافيا إيمانويل تود في كتابه “من هو شارلي؟”، الذي شرح البنية الأنتربولوجية لحركة التضامن الواسعة مع مجلة “شارلي إيبدو”، مظهراً أن القطاعات الأكثر يمينية ومحافظة في المجتمع الفرنسي تمثّل سوادها الأعظم.
القوة الاستعمارية السابقة، المتهاوية لا المنحدرة على صعيد دولي، تعاني من اختلالات اجتماعية – سياسية عميقة ناجمة عن ذلك، وتُمثّل هذه الظروف فرصة سانحة لمقاولي الهوية لاجتذاب الأتباع عبر الدعوة إلى توحيد الصفوف في مواجهة عدو داخلي، “الانفصالية الإسلامية”، يشكّل طابوراً خامساً لصالح أعداء الخارج. وبما أن السياسة الخارجية في الديموقراطيات العريقة تمثّل امتداداً بقدر ما للسياسة الداخلية، فإن مواقف ماكرون من القضية الفلسطينية وكيان التطهير العرقي تنطلق من حسابات شبيهة بتلك التي حكمت توجّهات ترامب: ضمان تأييد اللوبي المؤيّد لإسرائيل، إلى جانب ائتلاف واسع من القوى اليمينية والرجعية، في الداخل، في مقابل الدعم غير المشروط لكيان التطهير العرقي.

نمو الشراكة الفرنسية – الإسرائيلية
عامل حاسم آخر في “الاستدارة الكبرى” في المقاربة الفرنسية للمنطقة وقضاياها، هو التطوّر الكبير في التعاون التكنولوجي والعسكري والأمني الفرنسي – الإسرائيلي. الصحافي جان ستيرن شرح في سلسلة مقالات مهمّة على موقع “شرق 21″، بعنوان “فرنسا وإسرائيل: أيّ لوبي صهيوني؟” تتناول مختلف أوجه التعاون بين الطرفين، كيفية تَشكُّل كتلة مصالح ضخمة باتت تؤثّر في سياستيهما الخارجية. بحسب ستيرن، فإن إسرائيل أصبحت في قلب جهاز الدفاع الفرنسي عبر مشاركة شركتها “البيت” في تطوير الوصلة الرقمية لبرنامج “سكوربيون”، أي برنامج “تآزر الاتصال المعزَّز بتعدّد الاستخدامات وتثمين المعلومات” (أو “سكوربيون” أي “العقرب”)، والذي هو في قلب استراتيجية القوات البرّية الفرنسية للعشريات المقبلة.
يتمثّل الجانب المرئي من هذا البرنامج في تجديد المركبات المدرّعة، مع إطلاق المركبة المدرّعة “غريفون” التي سيتمّ نشرها في الساحل في خريف عام 2021. لكن محرّك برنامج “سكوربيون” يستند إلى تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة تسمح للجنود المنتشرين في الميدان، وكذلك للأدوات العسكرية الجديدة مثل الطائرات من دون طيار والروبوتات، بأن تكون متّصلة في وقت واحد، لتستبق بالتالي ردود فعل العدو. وتقول خبيرة قابلها ستيرن إن “ما يؤسّس شراكتنا مع إسرائيل هو تلك الاختراعات البسيطة، المنجَزة من طرف أفضل المهندسين الذين اكتسبوا خبرتهم في المراقبة والقمع في الأراضي الفلسطينية وغزة”. يتطرّق الصحافي الفرنسي في مقالاته الأخرى، وهي 5 مقالات، إلى ميادين التعاون المختلفة، التكنولوجية والأمنية والعلمية والاقتصادية، وانبهار قسم من النخبة الفرنسية بما تُسمّيه “نموذجاً إسرائيلياً، كانت فرنسا تُصدّر إليه السلاح والتكنولوجيا والخبرات العسكرية والأمنية في خمسينيات القرن الماضي، وأضحت تستوردها منه”. تستطيع فرنسا أن تختار حلفاءها كما تشاء، وأن تقف في صفّ كيان التطهير العرقي، لكن عليها أن تعلم أنها في بلادنا، باتت في أرض معادية.