هل يمكن لـ “ائتلاف التغيير” إنهاء دورة الانتخابات الإسرائيلية التي لا نهاية لها؟

ديفيد ماكوفسكي
ديفيد ماكوفسكي هو زميل زيغلر المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن.

تحليل موجز
قد يكون “ائتلاف التغيير” الإسرائيلي المتنوع الذي يضم مجموعة واسعة من البرلمانيين من اليمين والوسط واليسار قادراً على تشكيل حكومة قابلة للاستمرار، لكنه سيحتاج إلى تخطي الصعوبات بحذر في ضوء الخلافات السياسية الداخلية ووجود نتنياهو في المعارضة كمفسد محتمل.

في الخامس من أيار/مايو، كلّف الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين رئيس حزب “ييش عتيد” يائير لبيد بتشكيل حكومة بعد أن عجز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن القيام بذلك خلال الشهر الماضي. وتُمثل هذه الخطوة التحدي الأكبر حتى الآن أمام نتنياهو، الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية منذ عام 2009. ومن المتوقع أن يتحرك لبيد بسرعة لجمع “ائتلاف التغيير”، الذي يضم مجموعة واسعة جداً من البرلمانيين من اليمين والوسط واليسار. وإذا نجحت هذه الجهود، فسيصبح رئيس حزب “يمينا” نفتالي بينيت رئيساً للحكومة خلال النصف الأول من ولايتها التي أمدها خمس سنوات، قبل أن يتناوب مع لبيد الذي سيتولى وزارة الخارجية في غضون ذلك. وسيبقى بيني غانتس وزيراً للدفاع.

ورغم أن عدد المقاعد التي سيضمها الائتلاف من الوسط واليسار سيتخطى عددها من اليمين، فمن المرجح أن يضع نظاماً يقوم على التكافؤ بحيث لا يتمكن أي طرف من إقرار سياسات مثيرة للجدل إلى حدّ كبير. وستؤدي هذه القاعدة التوجيهية التي ستعتمدها الحكومة إلى مساعدة الاقتصاد على التعافي وسط حرمان نتنياهو من فرصة أخرى للتمتع بحصانة فيما يتعلق بقضية الفساد المستمرة ضده. ورداً على ذلك، يبدو أن نتنياهو مصمم على تنظيم المعارضة ضد “ائتلاف التغيير” الناشئ وإرغام إسرائيل على إجراء جولة خامسة من الانتخابات، بينما يبقى الزعيم المؤقت في غضون ذلك.

لماذا لم يتمكن نتنياهو من تشكيل حكومة؟

لا تزال احتمالات جمع لبيد وبينيت ائتلافاً مستقراً وتشكيل حكومة قابلة للاستمرار غير مؤكدة، لكن الأسباب الكامنة وراء إخفاقات نتنياهو في الأسابيع الأربعة الماضية – وإجراء أربع جولات انتخابية – واضحة في هذه المرحلة. ومثلما حدث في عامي 1992 و 1999، يُعزى الفشل الواضح لحزب “الليكود” إلى حد كبير إلى إخفاق القيادة في معسكر اليمين. ومن خلال عدم تعزيز الشعور بالهدف التعاوني بين الزملاء السياسيين لنتنياهو في اليمين، جلب لنفسه الكثير من الأعداء في الداخل.

والجدير بالذكر أن أربعة من كبار المسؤولين المتوقع انضمامهم إلى “ائتلاف التغيير” عملوا سابقاً كأقرب مساعدين لنتنياهو، وهم: بينيت، وجدعون ساعر، وزيئيف إلكين، وأفيغدور ليبرمان – فلماذا ركزوا جميعاً حملاتهم على إسقاطه؟ كانت إحدى اللحظات الرئيسية هي قرار نتنياهو التراجع عن اتفاق التناوب مع غانتس في العام الماضي، الأمر الذي عزز عدم الثقة العميق تجاه وعوده الأخرى وأعاق قدرته على الحكم. بالإضافة إلى ذلك، كان ساعر وإلكين يخشيان من أن يستمر نتنياهو في تشويه سمعة المؤسسات القضائية ومؤسسات إنفاذ القانون في إسرائيل من أجل نزع الشرعية عن قضيته. وذهبت وزيرة العدل السابقة واليمينية المتحمسة أييليت شاكيد إلى حد مهاجمة “شهوة نتنياهو للسلطة” في شريط تم تسريبه مؤخراً، واصفة رئيس الوزراء وزوجته بـ “الديكتاتوريَيْن”. لا شك في أن هذه التوترات أثرت على ناخبي اليمين في انتخابات 23 آذار/مارس، حيث خسر حزب “الليكود” أكثر من 20 في المائة من مقاعده مقارنة بالجولات السابقة.

واستمرت الحسابات الخاطئة لنتنياهو خلال الانتخابات وبعدها. وكانت حملته قد ركزت على مساعدة حزب صغير من اليمين المتطرف على اجتياز العتبة الضرورية لدخول البرلمان كي لا تضيع أي أصوات يمينية “هباءً”. لكن فصيل “الصهيونية الدينية” بقيادة بتسلإئيل سموتريش انقلب ضده بعد تجاوزه العتبة الانتخابية، فرفض طلب رئيس الوزراء باستخدام “القائمة العربية الموحدة” (برئاسة منصور عبّاس) كشبكة أمان ضد تصويت الكنيست على حجب الثقة. وعندما ضغط نتنياهو على بينيت للانضمام إلى ائتلافه، أخبره زعيم “يمينا” أنه يحتاج أولاً إلى تأمين تفاهم بين سموتريش وعباس من أجل ضمان أغلبية برلمانية تضم واحد وستين مقعداً. وحاول نتنياهو خداع حزب “الصهيونية الدينية” من خلال استمالة الحاخامات المتعاطفين معه، لكن معظمهم وقفوا إلى جانب سموتريش. وبالمثل، فإن افتراضه بأن بينيت سوف ينصاع لضغط اليمين ويعلن الولاء له ثبت خطأه، كما أن وعوده بتناوب رئاسة الوزراء لفترة قصيرة (دون أن تكون له سلطة على الأجهزة الأمنية أو العلاقات مع واشنطن وموسكو وفقاً لبعض التقارير) كانت قليلة جداً ومتأخرة جداً.

وإحدى الخطوات التي كان من الممكن أن تُحدث فرقاً لنتنياهو هي السماح بتولي شخصية أخرى من حزب “الليكود” منصب رئيس الوزراء. فبالإضافة إلى إظهار التزامه تجاه الحزب على حساب مصالحه الشخصية، كان من الممكن أن يمكّنه ذلك من مواصلة السيطرة على معظم عمليات صنع القرار في الحكومة من وراء الكواليس وسط سعيه إلى الحصول على الحصانة من الملاحقة القضائية. ومع ذلك، فمن شأن هذه المقاربة أن تطلق أيضاً صراعاً على تعاقب الرئاسة داخل حزب “الليكود”، ومن الواضح أن نتنياهو ليس مستعداً للنظر في حقبة ما بعد نتنياهو – وفي الواقع، من المتوقع أن يعلن قريباً أنه سيبقى في منصب زعيم الحزب.

وسيحيّي الكثيرون التأثير المجتمعي طويل المدى لإحدى قرارات نتنياهو، وهي – فتح الباب جزئياً أمام “القائمة العربية الموحدة” – لكن هذه الخطوة جاءت بتكلفة سياسية قصيرة المدى. فمن خلال قيامه بذلك، ربما يكون قد ساعد عن غير قصد كل من لبيد وبينيت في إضفاء الشرعية على الأحزاب العربية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من النظام السياسي الإسرائيلي، وبالتالي تعزيز الائتلاف المصطف ضده.

هل يمكن لـ “ائتلاف التغيير” أن ينجح؟

إن نقاط الضعف المحتملة للحكومة التي قد يشكلها لبيد وبينيت واضحة. وحيث يُعتبر “ائتلاف التغيير” هجيناً سياسياً تشوبه خلافات جوهرية حول قضايا مثل حقوق الفلسطينيين والفعالية القضائية، فسيكون عرضةً للتفكك أمام تطورات محلية وإقليمية مختلفة، لا سيما في أوقات الأزمات. وقد أعلن أحد أعضاء الكنيست السبعة التابعين لقائمة بينيت بالفعل أنه لن ينضم إلى الائتلاف، لذلك ستحتاج القيادة إلى ضم المزيد من الأعضاء العرب لضمان الدعم البرلماني الكافي. وهذا هو السبب في عدم إمكان تجاهل تهديد المعارضة من قبل نتنياهو، لأنه سيحاول جذب المزيد من المنشقين ومفاقمة قضايا الإسفين من أجل كسر الائتلاف.

 

ومع ذلك، سيكون لحكومة لبيد – بينيت نقاط قوة عديدة أيضاً. أولاً، قد يؤدي وجود نتنياهو في صفوف المعارضة إلى تحريك أعضاء الائتلاف، لأنه السبب وراء جمعهم معاً. ومع ذلك، سيظلون بحاجة إلى إظهار حوكمة كفؤة إذا كانوا يأملون في التخلي عن روايته القائلة بأنه لا غنى عنه لإسرائيل.

ثانياً، يبدو أن لبيد وبينيت يثقان ببعضهما البعض، على الأقل في الوقت الحالي. فعندما كانا سوياً عضوان في حكومة نتنياهو في الفترة 2013-2015، سعى كلاهما إلى الحد من سلطة المتدينين، وشعرا بأنه ضحية لقرار رئيس الوزراء بإسقاط تلك الحكومة من أجل مصالحه الشخصية.

ثالثاً، بعد أن تجاوزت الشخصيتان اليمينيتان بينيت وساعر التَخْم السياسي، من المرجح أن يدركا أنهما قد لا يكونا قادرين على العودة إلى الوراء. أي، إذا فشلا في تحقيق نتائج ولم تحرك حكومة “التغيير” ساكناً، فقد يواجهان غضب ناخبين يمينيين في جولة خامسة من الانتخابات. ومَثلهما مثل أعضاء ائتلاف الآخرين، فهما حريصان بالتالي على التمسك بقضايا الإجماع مثل تسهيل الانتعاش الاقتصادي بعد الوباء، وإجراء تحسينات على البنية التحتية، واعتماد الميزانية لأول مرة منذ عام 2018.

رابعاً، من المرجح أن يتعزز الائتلاف بسبب النفور الشعبي المتزايد من واقع قدرة بعض الأفراد من المتدينين المتشددين على الاستخفاف بالقيود الصحية المفروضة خلال الجائحة. ووصل هذا الشعور إلى ذروته بعد أن مُنعت سلطات الدولة من الإشراف على مهرجان ديني جماعي في “جبل ميرون” في نهاية الشهر الماضي، والذي انتهى بمأساة قُتل فيها 45 مشاركاً. إن احتمال استبعاد الأحزاب الدينية المتشددة من الحكومة المقبلة قد يشير إلى أعضاء مجتمع المتدينين أنهم لم يعودوا قادرين على رفض القواعد.

التداعيات على السياسة الأمريكية

على الرغم من حذرها من الخوض في المياه العكرة للسياسة الإسرائيلية، فقد ترحب إدارة بايدن في الجلسات الخاصة بقيادة أكثر تنوعاً أيديولوجياً بعد ست سنوات من الحكومات اليمينية البحتة، لا سيما بالنظر إلى التزام “ائتلاف التغيير” باستقلال القضاء. وبالمثل، فإن النفوذ المنخفض للمتدينين المتشددين سيكون موضع ترحيب من قبل الجالية اليهودية الأمريكية غير المتشددة دينياً إلى حد كبير، والتي تميل إلى التصويت للديمقراطيين بأعداد كبيرة.

ومع ذلك، ليس لدى واشنطن أوهام بشأن وجهات النظر السياسية المحتملة لحكومة برئاسة بينيت. فبإمكان القضية الفلسطينية على وجه الخصوص أن تفكك ائتلافه، لذا فإن أي تقدم على هذا الصعيد يجب أن يكون متواضعاً في أفضل الأحوال. على سبيل المثال، من غير المرجح أن يدعم بينيت منح “السلطة الفلسطينية” سلطة قضائية على أي جزء من المنطقة (“ج”)، وهو القسم من الضفة الغربية الذي يقع خارج المناطق الحضرية الفلسطينية والمناطق المحيطة بها.

ويمكن أن تؤدي «خطة العمل الشاملة المشتركة» إلى تعقيد العلاقات الأمريكية أيضاً. فوفقاً لاستطلاعات الرأي، لا يزال العديد من الإسرائيليين يشككون بشروط الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران، لذا فإن جهود الولايات المتحدة للعودة إلى تلك الشروط لا بد أن تؤدي إلى حدوث خلاف. ولطالما أبدى نتنياهو معارضة شديدة لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، وعلى الرغم من أنه كان بلا ريب أقل مواجهة بشأن هذه القضية خلال إدارة بايدن، إلّا أن موقفه قد يتغير إذا لم يعد رئيساً للوزراء. يتعين على “ائتلاف التغيير” النظر في تجديد الاتفاق من خلال نفس العدسة المتشككة وأن يشارك وجهات النظر هذه مع واشنطن، خاصة إذا لم يلتزم المفاوضون بالسعي إلى إبرام اتفاقات متابعة تعالج الثغرات الموجودة في “خطة العمل الشاملة المشتركة”. وقد لا يلجأ الائتلاف إلى نفس تكتيكات المواجهة التي استخدمها نتنياهو في عام 2015، لكن من المحتمل أن يكون أعضاؤه متحدون في رغبتهم في الحفاظ على خيارات إسرائيل للعمل المستقل إذا استدعت الظروف ذلك.

 

ديفيد ماكوفسكي هو زميل “زيغلر” المميز في معهد واشنطن، ومنتج برنامج البث الصوتي “نقاط القرار”، وهو المؤلف المشارك مع دينيس روس للكتاب “كن قوياً وذو شجاعة جيدة: كيف عمل قادة إسرائيل الأكثر أهمية على تحديد مصيرها”.

Exit mobile version