المخرج الدولي وذخيرة الاعتذار

 

وليد شقير-نداء الوطن

الأيام الصعبة التي تنتظراللبنانيين في الأسابيع والأشهر المقبلة نتيجة التدهور المتوقع في أوضاعهم المعيشية لن تغيّر في تشبث الأكثرية الحاكمة بتعطيل الحكومة.

وإذا كان إبلاغ وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الرؤساء الثلاثة وخصوصاً الرئيس ميشال عون نفض يد بلاده من أي مساعٍ جديدة لإنهاء الفراغ الحكومي، لم يحفز التحالف الحاكم على تجديد المبادرات الداخلية، حسبما دل استمرار “التيار الوطني الحر” في سجاله مع الرئيس المكلف سعد الحريري، فإن بدء إجراءات رفع الدعم من الآن حتى نهاية الشهر، والهاوية التي يتجه نحوها البلد وما يمكن أن تسببه أمنياً، لا يبدو أنها ستحول دون استمرار الفريق الرئاسي في تصوير حملته ضد الحريري على أنها معركة وجود على طريقة إيهام سائر المعنيين بأن الرئيس المكلف يعتدي على صلاحية الموقع المسيحي الأول. فالرئيس عون لم يخرج عن الأدبيات التي مل لودريان سماعها، بقوله إنه “مسؤول عن المحافظة على التوازن السياسي والطائفي في تشكيل الحكومة”، في وقت يمعن في الإخلال بالتوازن، الذي كان تسبب في فشل الحكومتين الأوليين لعهده، وباستقالة الحريري في تشرين الأول 2019، ويستمر فيها في ظل حكومة تصريف الأعمال فيستغل غياب الشريك في الحكم بسبب الفراغ الحكومي ليخرج عن أصول النظام السياسي ويحوّل الحكم بالممارسة إلى رئاسي.

سيغرق تشكيل الحكومة في سبات عميق، حتى لو ظهرت تسريبات عن مبادرات محتملة، الهدف منها تهدئة النفوس، من دون أن تثمر نتائج جوهرية. سيحل مكانها التجاذب حول رفع الدعم والعتمة…

حتى الضجة الإعلامية التي أثيرت الأسبوع الماضي حول احتمال اعتذار الحريري، والتي لم يقتنع معظم الوسط السياسي بإمكان حصولها، لم تكن لتنتج حتى لو حصل أي تغيير في معادلة التعطيل، بل كانت ستقود إلى تعقيد أكبر للأزمة جراء العجز عن إيجاد بديل سني للحريري. وإذا وجد بديل فإنه كان سيكون مشابهاً لحكومة تصريف الأعمال قبل أن تولد، وسيكون قاصراً عن أن يقلب الوضع المأسوي نحو صنع الحلول وتهدئة الصراع على السلطة.

وفضلاً عن أن أعضاء كتلة “المستقبل” النيابية وقفوا ضد خيار الاعتذار، وكذلك رؤساء الحكومات السابقون، وأبلغوا الحريري بذلك، فإنه كان موضوع اعتراض عارم ضمن جمهور تيار “المستقبل” في كافة مناطق تواجده. كما أن أوساطاً مسيحية عدة حيادية استهجنت ذلك ونصحت بشدة بعدم الإقدام عليه. لقيت الفكرة اعتراضاً حاسماً من قبل رئيس البرلمان نبيه بري الذي دعا الحريري إلى “الصمود” وعدم الانجرار إلى موقف “سلبي” والتمسك بالصيغة المتفق عليها في شأن حكومة اختصاصيين غير حزبيين، برئاسته، لا ثلث معطلاً فيها لأي فريق. بل إن نواب “كتلة التنمية والتحرير” اعتبروا أن خطوة من هذا النوع تعني أنه استدرج إليها من قبل عون وباسيل، ومن غير المنطقي أن يخذل الحليف الأساسي له في هذه الظروف.

وحده الفريق العوني اغتبط للتسريبات عن اعتذار الحريري فبشر بعض نوابه بقرب التخلص منه، مغتبطين بأن لودريان عامله كسائر الفرقاء بأنه مسؤول عن تعطيل الحكومة وبأنه التقاه في قصر الصنوبر ولم يزره. أما “حزب الله” فاكتفى بالاستماع والصمت وعدم الاكتراث، على رغم أن مصادر “الثنائي الشيعي” تؤكد استمراره في دعم رئاسته للحكومة.

لكن خيار اعتذار الحريري الذي تراجع، يبقى ذخيرة احتياطية، ليس مستبعداً استخدامها، مقرونة بإمكانية استقالة كتلته من البرلمان إذا ثبت أن هناك اتجاهاً لتأجيل الانتخابات النيابية، التي باتت أولوية المجتمع الدولي.

لكن الانحدار إلى الهاوية سيسبق هذا الاستحقاق. وانتشال لبنان منها قد يحتاج قراراً دولياً يجمع الفرقاء المحليين، لفرض الحلول. وخريطة الطريق الفرنسية لم يلغها انكفاء باريس. وهناك من يعتقد أن الفكرة قيد التداول، انطلاقاً من مطلب البطريرك الماروني بشارة الراعي.

Exit mobile version