سجال مع الفيدراليين اللبنانيين: جمهورية الملل الاتحادية

فادي تويني – كاتب لبناني

لكي نفهم الدافع وراء دعواتالفيدرالية اللبنانيةالتي شهدتها الآونة الأخيرة، فلنستمع إلى الحجج التي ساقها بعض دعاة الفيدرالية

في العشرينات من القرن الماضي، حمل المسلمون في لبنان راية الدعوة إلى الفيدرالية. أما في الآونة الأخيرة، فقد أصبح معظم حَملة لواء الفيدرالية من المسيحيين أو الدروز. فعلاوةً على شعورهم المشروع بانعدام الأمن، الذي يشاركهم فيه معظم اللبنانيين، ساد بين أنصار الفيدرالية اعتقاد راسخ بأن مشروعهم السياسي هو الدواء الشافي للعلل التي يعاني منها لبنان. إن هذه كلها شواغل حقيقية، ولا يجرؤ أحد على التشكيك في حبهم لوطنهم. ولم تكن لدي رغبة في الاعتراض على قناعاتهم لولا العواقب غير المقصودة التي قد تترتب على بعض مطالباتهم. فمن المهم إدراك أن تكرار تقديم اقتراح ما كثيراً، مرة تلو الأخرى، لا يجعله أمراً بدهياً من دون دليل. وإذا كانت الفيدرالية هي الحل في أذهان البعض، فلا يلزم بالضرورة اختبارها على حساب الدستور.

قبل الشروع في مناقشة ما تعنيه الفيدرالية في نسختها اللبنانية الحالية، اسمحوا لي أن أبدأ الحديث حول ما لا أستطيع الخلاف عليه. إن تمكين المناطق والأقضية اللبنانية من الحصول على سلطة أكبر في السيطرة على مواردها، والقدرة على الوصول إلى العائدات المالية، والسعي جاهدةً من أجل تحقيق رفاهها الاقتصادي والثقافي، يُشكِّل سياسة عامة مرغوبة للغاية. وهذا، في الواقع، جزء من اتفاق الطائف (الجزء 1، القسم 3)، الذي يقترح اعتماد “اللامركزية الإدارية الموسعة” على مستوى الأقضية (أو الوحدات الإدارية الصغرى)، بما في ذلك انتخاب المجالس النيابية المحلية لإدارة المحليات. وتحقيقاً لهذا الهدف، يصبح انتقال السلطة من السلطات المركزية إلى السلطات الإقليمية شرطاً أساسياً (على سبيل المثال، سيكون لكل من قضاءي بشَرَّي وزغرتا مجلسه الخاص).

على نحو مماثل، وعموماً، لا يسعنا إلا أن نُقدِّر النماذج المختلفة للحكم التي تقدمها الدول التي تتبع النظام الفيدرالي، مثل سويسرا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة، والديناميات التي تربط بين السلطات الإقليمية والفيدرالية في تنفيذ السياسات العامة. غير أن النماذج الثلاثة جميعها كانت نتاج السعي إلى تحقيق المركزية التي دعت إليها الجهود الحربية. ففي حالة الاتحاد السويسري، تأسس هذا الاتحاد بشكل غير رسمي في أواخر القرن الثالث عشر بين الكانتونات- التقسيمات الإدارية- المستقلة، ثم تحول إلى تحالف رسمي خلال الحروب المتتالية ضد هيمنةِ ملكية هابسبورغ. في حين استكملت الإماراتُ الألمانية المستقلة- التي تضامنت في القرن السابع عشر في عهد الملوك البروسيين المتعاقبين وآلاتهم الحربية الهائلة- وحدتَها في القرن التاسع عشر في ظل الدبلوماسية الحربية الفذة التي انتهجها بسمارك.

 أما المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة فقد توحّدت خلال حرب الاستقلال الأميركية عام 1775 ضد بريطانيا العظمى بسبب اعتراضها على سياسات فرض الضرائب من دون أن يكون للمستعمرات تمثيل في البرلمان البريطاني. غير أن النظام الفيدرالي الأميركي لم يتخذ شكله المركزي مع سيادة الكونغرس الأميركي إلا بعد الحرب الأهلية عام 1865 وإعادة صياغة دستور الولايات المتحدة، وإقرار التعديلات، الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة التي ألغت العبودية والاسترقاق الجبري، وعرفت المواطنة، وضمنت المساواة في المعاملة بموجب القانون، ومنحت المواطنين الأميركيين الأفارقة الحق في التصويت. والأمر الأهم هو أن الدستور الجديد منح الكونغرس سلطة فرض هذه التعديلات على الولايات الجنوبية المتمردة.

في ضوء ذلك، إذا كانت الفيدرالية قد نتجت تاريخياً عن الجهود المبذولة من أجل تأسيس دولة ذات سلطة مركزية، فكيف يتوافق هذا مع هدف دعاة الفيدرالية اللبنانيين الذين يرغبون في الانفصال عن دولة يُفترض أنها مركزية؟ غير أنهم يستشهدون بأحد الأمثلة الحديثة وهو انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، أو بالمثال الأفضل منه وهو سعي أسكتلندا إلى الاستقلال عن المملكة المتحدة. وفي أثناء ذلك، يتجاهلون أن هذه الدول كانت تتمتع بالاستقلال الذاتي في الأساس، ويتناسون التكاليف الاقتصادية الهائلة المترتبة على مثل هذه القرارات (فقد تجاوزت تكاليف البريكست بالنسبة إلى المملكة المتحدة حتى الآن 250 مليار دولار أميركي، في حين قد تصل التكلفة الاقتصادية على أسكتلندا، التي يبلغ عدد سكانها 5.5 مليون نسمة، إذا ما انفصلت، إلى نحو 20 مليار دولار أميركي سنوياً).

ولكي نفهم الدافع وراء دعوات “الفيدرالية اللبنانية” التي شهدتها الآونة الأخيرة، فلنستمع إلى الحجج التي ساقها بعض دعاة الفيدرالية، مثلما يظهر في هذا المقال الذي نُشر أخيراً: “ترى الطائفة المسيحية أن اتفاق الطائف قد جردها من العديد من حقوقها… أما الطائفة السنية فتمرُّ بفترة من الوهن… وفيما يتعلق بالطائفة الشيعية، فإنها ما تزال تُعبِّر عن سخطها، منذ اتفاق الطائف، نظراً إلى أن الدستور استبعدها من السلطة التنفيذية… وانتهى بها الأمر إلى فرض نفوذها بالقوة”. ويمضي المقال ليؤكد أن “دستور الطائف” الذي صدر عام 1990، “أصبح مصدراً للعرقلة وعدم الاستقرار”.

عند قراءة هذه التظلمات، قد تنمو لدينا قناعة أن الدستور يُحدد حقوق كل طائفة والتزاماتها، وقد مُنِي بالفشل الذريع نظراً إلى ما آلت إليه النتائج. بيد أنه لا شيء من ذلك صحيح، في الواقع، لأن الدستور لا يُشير إلى الدين أو الطوائف. وهو يضمن المساواة أمام القانون لجميع اللبنانيين (المادة 22)، ويلتزم بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي وقع عليه لبنان. الاستثناء الوحيد هو المادة 95 التي تشير إلى انتخاب مجلس النواب مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين (وذلك خلال المرحلة الانتقالية).

لذا، مع وجود ادعاء يقوم على مقدمة خاطئة، إليكم الاستنتاج الذي وصل إليه المقال: “تناولوا مسألة الفيدرالية بعقل منفتح… فهي طريقة لتفادي تفكك الدول”. وبينما ينهار لبنان، يجب أن تكون الفيدرالية طريقه للخروج من هذه الأزمة.

ولكن فيدرالية ماذا تحديداً لا يشير هذا الدفاع الوارد بالأعلى إلى كيانات جغرافية (مستقلة). وما يذكره من تظلمات إنما تخص طوائف ومجتمعات دينية. غير أن الجغرافيا والدين، باستثناءات قليلة، مختلفان في لبنان، بسبب الاختلاط الديني في جميع أنحاء البلاد.

لإضفاء مزيد من الوضوح إلى الصورة، إليكم مثال آخر على الاستياء المشروع الذي عبَّر عنه محامٍ يُدعَى نديم بستاني في مقابلة تلفزيونية، ليتحول بعدها إلى دعوة مجتمعية. فقد حثَّ بستاني النائب العام على اتخاذ إجراء قانوني ضد “مؤسسة جمعية القرض الحسن” التابعة لتنظيم “حزب الله”، التي تتلقى إيداعات نقدية وتقدم قروضاً وتطلب من المقترضين ودائع ذهبية كضمانات (ارتهان). من الواضح أن هذا نشاط مالي يستلزم ترخيصاً من مصرف لبنان، لا تمتلكه الجمعية، بينما توسع “أعمالها” في أنحاء البلاد. يمضي بستاني ليستنتج، بحق، أن هذا نشاط غير قانوني يشبه غسيل الأموال. إذاً، ما هي التوصيات التي أشار إليها لمكافحة مثل هذا النشاط غير المشروع؟ الفيدرالية، بالطبع، لحماية إحدى الجماعات الدينية من التأثير غير الضروري من قِبَل جماعة أخرى! من غير الواضح كيف يبرر “المجتمعية” كحل للأفعال غير القانونية، وإذا كان هدفه النأي بجماعته الدينية عن “دولة حزب الله”، فلم الاتحاد معها؟

ما يدعو إليه في الحقيقة هو “فيدرالية الطوائف”، وهو عودة إلى نظام المِلَّة العثماني السابق. ففي ظل الحكم العثماني، منذ سقوط القسطنطينية عام 1453 إلى بدايات القرن العشرين، لم يكن هناك أي مفهوم لـ”المواطنة” في حد ذاتها، بل اعتراف بـ”رعايا” الدولة العثمانية تبعاً لأديانهم أو مِلَلهم. كان المسلمون (من المذهب الحنفي السني) هم الطبقة الأولى، مع امتيازات إدارية وعسكرية مرتبطة بهذه المكانة، فيما تم إنزال بقية الرعية (الأرثوذكس أو الروم، والأرمن واليهود) إلى مكانة منفصلة وأقل شأناً. كان يمكن أن يطبق تحديد “الأمَّة” أو “المِلَّة” في مناطق معينة (صربيا أو بلغاريا)، لكن ليس في مناطق أخرى مثل كوسوفو أو الشام، ومنه لبنان، نظراً إلى التكوين متعدد الأديان في هذا البلد.

عموماً، يفتقر أي نظام يقوم على الإقصاء أو التمايز إلى التماسك الاجتماعي اللازم لبناء اقتصاد فعال. ومع الفصل الديني وضعف المركزية، إلى جانب الالتباس في توفر حقوق التملك، وخصوصاً حق تملك الأراضي، عجزت الدولة العثمانية عن التعامل مع متطلبات الابتكار الاقتصادي والتقدم، ما أدى إلى تراجعها المبكر في النصف الثاني من القرن السابع عشر.

من خلال الدعوة إلى نسخة مصغرة من نظام المِلَّة العثماني، الذي جُرِّب وأخفق، يتراجع الفيدراليون اللبنانيون، من دون قصد، عن أفكار المواطنة والمساواة أمام القانون، وهما الشرطان الأساسيان لنظام اجتماعي مستقر ضروري من أجل النجاح الاقتصادي. ولنأخذ هذه الحجج إلى خطوة أبعد. فلنفترض أننا أقمنا “كانتوناً” أحاديَّ المذهب، من خلال دمج قضاءي زغرتا وبشَرَّي، المشار إليهما آنفاً. بغضِّ النظر عن الموقع الجغرافي الضعيف للكانتون، ما الذي يمكن أن يضمن استقراره إذا وصلت إليه مخالب تنظيم “حزب الله” مع الدعم المالي والعسكري الإيراني؟

إذا كان السبب الرئيسي لـ”المسعى الفيدرالي” هو كون اللبنانيين قد سئموا تنظيم “حزب الله” وأنشطته المتغطرسة، خارج إطار القانون، مع العواقب الاقتصادية الكارثية لذلك، فيجب أن يكون تركيزنا على حل تلك المشكلة -لا تحاشيها وتجنّبها- في أبعادها الداخلية والخارجية.

إن السعي إلى “فيدرالية” نصف مكتملة، وعلى أسس طائفية، يتجاهل المسألة المركزية التي تتمثل في الخروج على القانون (وهو الأمر الذي قد يتغلغل عبر حدود الكانتونات إذا أقيمت). يؤدي هذا السعي أيضاً إلى المزيد من الانقسام السياسي ونقص في الحيوية الاقتصادية. فلا معنى لتنحية دستورنا العلماني جانباً من أجل تخفيف الإحباطات الطائفية. إن الممارسة التمييزية منذ عام 1943 -المتناقضة مع الدستور- التي تتمثل في حجز المناصب الحكومية الرئيسية الثلاث لثلاث طوائف، مع استبعاد الآخرين، هي الأمر الذي يجب أن يبدأ فيه الإصلاح.

مع توقيع اتفاق الطائف وتعديلات دستور 1926 (الجمهورية الأولى)، تم نقل الصلاحيات التنفيذية للحكومة من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء. فمنذ ذلك الاتفاق، صار للرئاسة إشراف دستوري لا صلاحيات تنفيذية حقيقية (على رغم العوائق الحالية). يجب ألا يكون هذا المنصب مرغوباً بعد اليوم لصلاحياته وامتيازاته التنفيذية القوية، إن اتبعنا الدستور؛ ففي مجلس الوزراء والبرلمان تُتخذ القرارات الاقتصادية والسياسية. من المفارقات أن اتفاق الطائف، من خلال نقل الصلاحيات إلى مجلس الوزراء والبرلمان، قد سهَّل الانتقال إلى نظام أكثر مرونة لتقاسم السلطة بين الطوائف مع عدم إقصاء أحد.

Exit mobile version