كتب اللواء أحمد عز الدين: مساعدات غذائية لمصر !!!

بقلم اللواء أحمد عز الدين:

في أعقاب ثورة 30 يونيو, قدم الملك عبد الله ملك السعودية تصورا بعقد مؤتمر للمانحين, لمساعدة مصر اقتصاديا, ومع أن الملك عبد الله كان من قماش مختلف كليّا عن سواه, فقد كنت أول من كتب محذرا من مغبّة أن ينحدر القرار الوطني, تحت ضغوط اللحظة إلى القبول بالجلوس على مائدة يصطف حولها المانحون, وتجلس مصر على حافتها منكسرة الفؤاد, محنيّة الهامة, تعرض جراحها وهي تقدم احتياجاتها وتطالب بدعمها من أطراف إقليمية أيا كانت, فقد ظلت هي عبر تاريخها المتضاعف الطويل, صاحبة اليد العليا, وسواها أيا كان صاحب اليد السفلى, وقد قلت باختصار, أنه لا يصح ولا يجوز لمصر أن تقبل بأن تعامل على أنها الصومال, أو كوسوفو, أو حتى اليمن .

لقد رفضت مصر فعليا هذه الصيغة, وقبلت بصيغة المؤتمر الاقتصادي الدولي, والذي تحول إلى منصة ملونة لعروض بعشرات المليارات, تمخضت عن وعود كان أكثرها دعائيا وإعلانيا .

لذلك، إذا كانت مصر لم تقبل مؤتمر المانحين في ظروف أكثر شدة, بكرامة موفورة, وعقل رشيد, فكيف لها أن تقبل بصيغة أكثر هوانا لتقديم مساعدات غذائية لشعبها من اي دولة أو دويلة كانت, خصوصا إذا كنا نتحدث عن شئ وُلد, بينما كان جيش مصر العظيم يزرع الصحارى بالدم والعرق, على بُعد خطوات قصار من حرب أكتوبر المجيدة, عندما كان برميل البترول لا يتجاوز سعره أربعة دولار .

وعلى فرض أن دافع هذه المساعدات أخويا وقوميا, لماذا أختار صيغة المساعدات الغذائية, هل نحن شعب جائع, يأكل من صناديق الفضلات, كما يدعي آخرون, أم أن المطلوب هو تأكيد ذلك, وخلق صورة مضللة عن مصر لمصر ذاتها قبل غيرها ؟ وحتى إذا كانت هذه المساعدات فرضا, قد أختارت لنفسها صيغة المساعدات الغذائية, وأنها خالصة لوجه مصر, فما هو القصد والهدف بعد ذلك, من تعميم نشرها على رؤوس الدنيا كلها, من خلال وسائل الإعلام الرسمية لهذه الدويلة .

هل هذه صورة مصر الطبيعية, التي ينبغي أن توزع على العالم, في أوج مبارزة إستراتيجية كبرى تخوضها مصر, وهي جديرة بكسبها, هل من المقبول أن توزع صورة مصر وشعبها على الإعلام الدولي, في إطار من الفاقة والحاجة, حد القبول المذل ببضعة أطنان من المساعدات الغذائية, لا تتجاوز أن تكون فضلات موائد الشرائح العليا من الطبقة الجديدة في مصر خلال أيام من شهر رمضان .

هذه ليست صورة مصر التي نعرفها, ولا مصر التي نريدها, ولا مصر المرفوعة الهامة, التي تغالب أوضاعها الصعبة بكرامة موفورة, وهي بكل المقاييس والمعاني ليست صورة شعب مصر العظيم, الذي يناطح الصخر, ويتحدى هذا الزمن الوغد بكبرياء نبيل .

ماذا يمكن أن أضيف؟ قولوا سلاما على مصر, وسلاما لمصر, وهي تقف وحدها في الميدان, لا صديق ولا رفيق ولا حليف, تواجه أصعب وأدق أزمة وجودية, في تاريخها, لكن الوجوه من حولها بغير استثناء, هي وجوه زائفة, فكلها مطامع, ومغانم, تريد أن تقتطع من مصر ولو قطعة من كرامتها, ولو خيطا من عزتها, ولو نتفة من لحمها.

مع ذلك, فإن عليكم أن تدركوا أن مصر تكبُر ولكنها لا تشيخ, تتغوّل من حولها التحديات, ولكنها لا تنحني, فمصر هي السيف الذي لا يصدأ, والشمس التي لا تنطفئ, والحروف التي لا تبلى, والضرع الذي لا يجف, والقوة الكبرى التي لا تنكسر .

إن على مصر واجب مقدس ومسئولية لا فكاك منها, أن تريهم آياتها في الآفاق وفي أنفسهم .

ألا ما أشقّ الرحلة, وما أقلّ الزاد .

المصدر: اللواء أحمد عز الدين

Exit mobile version