استفزازات الصين في تايوان: واجهة لصراع واسع مع الغرب

حاملة طائرات أميركية خلال إبحارها ببحر الصين الجنوبي (كاثرين لاي/فرانس برس)

رفعت تايوان موازنتها الدفاعية بـ10 في المائة أخيراً

بلينكن: سيكون خطأ لكل من يحاول تغيير الأمر الواقع بالقوة

شي: مهمة القيادة الصينية الملزمة هي استعادة تايوان

طيلة العام 2020، ومع تصاعد الانتقادات الأميركية والأوروبية لسياسات الصين، سواء في بحر الصين الجنوبي، أم في مجمل شرق آسيا وتوسيع النفوذ إلى دول في القارة العجوز، لاحت في الأفق نذر مواجهة بين المعسكرين. ومع تولي جو بايدن الرئاسة في الولايات المتحدة، عادت بكين لتستعرض عضلاتها العسكرية، بطريقة أقرب إلى النموذج الروسي في البلطيق ومناطق أوروبية محاذية. وخلال أسبوعين تقريباً، كانت تايوان مسرحاً أو صندوق بريد لرسائل صينية عبر طائرات حربية تخترق المجال الجوي لتايوان، التي تطالب بكين بـ”عودتها إلى الوطن الأم”.

بعيداً عن التهويل وتوقعات “حرب عالمية ثالثة”، ثمة ثوابت لا يمكن إنكارها في تصرفات بكين، التي أرسلت، في 12 إبريل/نيسان الحالي، 24 طائرة حربية لتخترق ما يسمى “حزام الدفاع التايواني”. سلطات تايبيه، وفقاً للموقع الرسمي لوزارة الدفاع، رصدت 18 مقاتلة و4 من القاذفات الاستراتيجية الصينية، ما اضطرها، بحسب بياناتها، إلى إرسال مقاتلاتها وتفعيل نظام دفاعها الصاروخي في كل جزيرة تايوان (تبعد نحو 140 كيلومتراً عن البر الصيني ومساحتها نحو 35 ألف كيلومتر مربع وتضم 23 مليون نسمة). اعتبرت تايوان، الخطوة الصينية “الانتهاك الأخطر والأعنف على مدى 25 سنة ماضية”. وخلال الأشهر الـ12 الماضية، والأيام الأخيرة، تكررت الحوادث التي سجلت فيها جرأة بكين العسكرية.

القراءة الأميركية والأوروبية ترى في التصرفات الصينية “تزايداً في الأعمال الاستفزازية”، وفق قول وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن أخيراً، في تعبيره عن القلق الغربي من التصرفات في بحر الصين وشرق آسيا. في المقابل، لا تنظر بكين بعين الرضا لاندفاع الغرب نحو تعزيز القدرة الدفاعية لتايوان، وتزويد واشنطن الجزيرة بسلاح جديد في صفقة تمت في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وتستفيد بكين من عجز الغرب عن فعل شيء ملموس ضد إجراءاتها في هونغ كونغ، لتندفع نحو زيادة هيمنتها في مناطق نفوذها في بحر الصين الجنوبي والمنطقة.

ليس استعراض قوة فقط

مسألة تايوان بالنسبة للصينيين، باتت أكثر حيوية خلال السنوات الأخيرة. ففي الثقافة اليومية التي يقودها الحزب الشيوعي الحاكم في بكين، فإن أمر استرجاع تايوان “إلى البلد الأم” مفروغ منه، منذ أن فقدتها في الحرب الأهلية الصينية عام 1949، وتحوّلت إلى ملاذ للحكومة التي أسقطها الشيوعيون، وفر إليها معارضو نظام الحزب الواحد. وحتى عام 1991، كانت مطامح تايوان تذهب بعيداً باتجاه إسقاط نظام الحزب الشيوعي واستعادة الصين، بيد أنّ الضغوط الصينية تضع تايبيه في موقع دفاعي الآن. بكين انتهجت تاريخياً دبلوماسية “صين واحدة” (تتلخص في الاعتراف بالموقف الصيني القائل إن هناك صين واحدة فقط في العالم، وإن تايوان جزء لا يتجزأ من هذه الصين)، وهو ما أثّر على عدم توسع الاعتراف الدولي باستقلالية تايوان، خشية الضغوط الصينية. وعلى الرغم من ذلك، تحتل تايوان مكانة تجارية كبيرة في الاقتصادات العالمية، وتقيم علاقات تجارية واسعة حول العالم، وبقيت واشنطن عبر عقود تؤكد التزامها بتعزيز قدرة تايوان على الدفاع عن نفسها.

التوترات المتزايدة أخيراً، وبالأخص مع تسجيل انتهاك بكين للمجال الجوي التايواني بنحو 380 مرة خلال العام 2020 وحده، ليست بمعزل عن توتر أعمق في علاقة واشنطن ببكين على مستويات مختلفة، خصوصاً في منطقة بحر الصين وآسيا والعلاقات التجارية التي تأزمت أكثر في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

ويكرر الرئيس الصيني، شي جينبينغ، تصريحاته عن أن مهمة القيادة الصينية الملزمة هي “استعادة تايوان، ولا يجري الحديث عن أن ننتظر 20 و30 أو 40 سنة”. بكين لديها طموح واضح بأن تايوان ستعود إليها خلال 10 سنوات. ولم تستبعد بكين ولا مرة واحدة خلال سنوات التوتر حول وضع تايوان، مسألة الغزو العسكري للجزيرة، وضمها إلى البر الصيني، على طريقة ما أقدم عليه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في شبه جزيرة القرم عام 2014، والتي لا تزال قضيتها توتر أجواء العلاقة بين أوروبا وموسكو.

ومنذ عام 2018، والاندفاع الصيني نحو نزع الاعتراف بتايوان يقلق حلفاء الأخيرة، إذ بات ضغط بكين يثمر في بعض المواضع باستقطاب بعض الدول إلى صفها، كما حدث على سبيل المثال، من خلال سياسات الاستثمار المالي الصينية في بوركينا فاسو، غرب أفريقيا، التي كانت شريكاً تجارياً هاماً لتايبيه، وكذلك بنما التي اختارت العلاقة مع بكين. وعلى الرغم من بيانات التحذيرات التايوانية من أن الصين، بممارسة ضغوط على شركاء تايوان، تضر بمصالحها، لم تأبه بكين لذلك، ولم يبقَ في الواقع لتايوان سوى علاقات دبلوماسية بـ18 دولة، بحسب الموقع الرسمي لوزارة خارجية تايوان.

مصالح اقتصادية

تزويد واشنطن لتايوان بصواريخ “هاربون”، ضمن صفقة أوسع تجاوزت 4 مليارات دولار، للدفاع عن نفسها بوجه التهديدات الصينية، وكذلك رفع تايوان موازنتها الدفاعية بـ10 في المائة أخيراً، وتوسيع المناورات العسكرية شبه اليومية، يزيد توتير العلاقة بين الطرفين الأميركي والصيني.

بكين من ناحيتها، لا تتردد في إرسال إشارات على أنها قادرة على اجتياح جزيرة تايوان متى أرادت ذلك. وهي رسالة للأميركيين عن أنهم ليسوا في المكان الصحيح، أي في الحديقة الخلفية للصين، في آسيا وبحر الصين، وهو أمر تجلى في سجال أمام عدسات الصحافة بين وزيري خارجية الصين وانغ يي وأميركا أنتوني بلينكن، في اللقاء الأول الذي جمعهما في ألاسكا في مارس/آذار الماضي، والذي وجّه بعده بلينكن نداءً إلى الحلفاء في حلف شمال الأطلسي لمواجهة مخططات الصين، على ما نقلت عنه شبكة “دويتشه فيله” الألمانية. ومن المثير أيضاً، أنّ صوت واشنطن، الذي ظلّ منخفضاً حتى أواخر حكم ترامب، في ما خصّ مسألة المسلمين “الإيغور” في الصين، استعادها بلينكن، وعبّر عن تأييده لتصريحات سلفه، مايك بومبيو، بأن الصين ترتكب “إبادة بحق الإيغور”.

لكن التصرفات الصينية تلك لا تقلق واشنطن وحدها، وبالأخص أنّ الصينيين لا يخفون مناوراتهم التي تحاكي عملية غزو تايوان وانتشار عسكري واسع، ليس فقط في أجواء بحر الصين، وإبراز البوارج والقطع الحربية التي يظهرها الإعلام الصيني. بالنسبة لبكين، فإن عجز الغرب عن فعل شيء ملموس ضد إجراءاتها في هونغ كونغ يجعلها أكثر حماسة لفرض هيمنتها في مناطق نفوذها في بحر الصين الجنوبي، الذي تطالب بالسيادة على 90 في المائة منه. ويواجه المطلب الصيني معارضة وتوتراً مع دول الجوار، خصوصاً مع نشر القطع العسكرية البحرية، التي وصلت إلى مناطق غرب الفيليبين أخيراً، وحين احتجت مانيلا راحت بكين تؤكد أنها “سفن صيد ليس أكثر”، خشية من تزايد عدد الدول الآسيوية التي تواجه مشاريع بكين.

الانتشار العسكري الضخم، بأكثر من 200 سفينة حربية صينية، في بحر الصين الجنوبي، تستغله واشنطن بشكل غير مسبوق لإعادة تحشيد قوى تنازع الصين على مطلبها بالهيمنة في المنطقة. والاستنفار ليس متروكاً لبكين، ففيتنام والفيلييبين وماليزيا وبروناي، إلى جانب تايوان، باتت تنشر أيضاً قطعها العسكرية. وعلى الرغم من أن تايوان هي العنوان، إلا أن أرخبيل جزر سبراتلي (على اسم القبطان الإنكليزي هنري سبراتلي 1791) هو الحلقة الخفية في تعقيدات الصراع المتصاعد في الشرق الآسيوي. فهذا الأرخبيل، المعروف أيضاً بالصينية باسم جزر “نانشا كونداو Nansha Qundao” هو محط نزاعات لأهميته الاستراتيجية، ليس فقط لناحية الرغبة الأميركية في نشر المزيد من القوات العسكرية هناك، بل لأنه أرخبيل يضم مصايد أسماك هائلة، وأشارت المسوحات خلال الفترات الماضية، إلى أنه يحتوي على كميات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي. إذاً، المسألة ليست فقط مرتبطة بمسائل “حرية وديمقراطية” تايوان وغيرها، بل أبعد من ذلك بكثير بالنسبة للغرب. فعدا عن أن بكين تشعر بقوة متعاظمة، وهو ما جعلها على سبيل المثال تدخل في تحالفات مع دول جارة ودعم الانقلاب العسكري في ميانمار، وفقاً لتقارير محلية وغربية، فهي تطالب بالسيطرة على بحر جنوب الصين لثرواته التي تحتاجها في خططها الطموحة للتحول إلى قوة عالمية رائدة، وبلا منافس أميركي في المنطقة الآسيوية وبأحقيتها في جزر سبراتلي. وكل ذلك يدفعها إلى استعراض قوة غير مسبوق، مستدعية التاريخ بأن الأرخبيل يتبع الإمبراطورية الصينية منذ القرن الثالث عشر.

خطوط حمراء

في السياق، قالت مديرة مشروع الطاقة الصينية في “مركز الدراسات الاستراتيجية الدولي” في واشنطن، بوني غلاسر، الخبيرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان والصين، “إننا نشهد معياراً جديداً من التصرفات الصينية”، بحسب ما نقلت عنها مجلة “فورين بوليسي” الأميركية وصحيفة “بيرلنغسكا” الدنماركية. ورأت غلاسر أنّ “تزايداً ملحوظاً في التصريحات التي باتت تصدر عن جوقة محددة في الولايات المتحدة وتحذّر من أن الصين على وشك غزو تايوان، وهذا يخاطر بجر أميركا إلى حرب شرسة مع القوة الآسيوية العظمى”. وأشارت بذلك إلى تصريحات ما أسمتهم “صقور أعلى هرم الجيش الأميركي”، مثل الأدميرال فيليب دافيدسون، المسؤول عن بعض القوات الأميركية في آسيا والمحيط الهادئ، أمام جلسة استماع في الكونغرس الأميركي قبل أيام. فقد اعتبر دافيدسون، أن “مؤشرات عديدة تفيد بمخاطر اندلاع صراع في المنطقة، على الأقل في السنوات الست المقبلة”. وهو بالطبع ما انتشر في وسائل الإعلام الغربية كالنار في الهشيم للدلالة على أن شيئاً ما قد يقع بين الصين وواشنطن وحلفائها.

التوترات المتزايدة دفعت “مجلس العلاقات الخارجية”، وهو مركز أبحاث أميركي، إلى إصدار تقرير أخيراً، عن تجنب الصدام العسكري بين الولايات المتحدة وتايوان من جهة والصين من جهة أخرى. واعتبر التقرير أنّ تايوان “هي مجرد واحدة من الساحات التي يحدث فيها تنافس شديد، لكنها الأكثر خطورة إلى حد بعيد”. وأشار مركز الأبحاث، إلى أنّ “ما وتّر العلاقة أكثر، هو كسر الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، لبروتوكول دبلوماسي مستمر منذ 40 سنة، حين تلقى مكالمة هاتفية لتهنئته من رئيسة تايوان تساي إنغ ون”.

وبالطبع، لم يتغيّر، في سياق الصراع على المصالح، شيء في السياسة الأميركية، بعد ثلاثة أشهر من قدوم الديمقراطي جو بايدن. فقد استمرت إدارة الأخير بانتهاج سياسة متشددة مع بكين، على الرغم من الاتصال الهاتفي بين بايدن وجيبينغ في فبراير/شباط الماضي. ومنذ أسابيع وواشنطن، بدعم من الحلفاء الأطلسيين، وإلى حد ما اليابان وأستراليا وغيرها في آسيا والهادئ، ترفع من نبرة تحدي مشاريع بكين. كما يلاحظ المراقبون تنامي حرارة التصريحات النقدية لسياسات بكين، سواء في ما يتعلق بالإيغور أو دعم انقلاب ميانمار، أو في ما يخصّ الاستعراض العسكري الصيني بوجه تايوان وفي بحر الصين الجنوبي عموماً. وخلف ذلك، إلى جانب المصالح الاستراتيجية في أرخبيل جزر سبراتلي، الغنية بالطاقة، تحضر الخلافات التجارية التي أبرزت قوة الصين خلال فترة جائحة كورونا، وبالأخص في ما يخص الإنتاج الأميركي والغربي على الأراضي الصينية، والذي جعل الغرب يبدو مخنوقاً بدون الصناعات الصينية.

في المجمل، فإنّ التوتر القائم حول تايوان، وفقاً لما ذهبت إليه صحيفة “نيويورك تايمز”، أخيراً، هو مجرد واجهة لقضايا أعمق وأكثر تشعباً، في تنافس القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مع تنامي الهيمنة والنفوذ الصيني، وتحديات تمدد بكين باستثماراتها وأموالها إلى مناطق نفوذ أوروبية وأميركية (سواء في القارة العجوز أو في أفريقيا وأميركا اللاتينية وحتى المنطقة القطبية الشمالية)، مع الخشية من أن يبدو الموقف الغربي أكثر تراخياً مع روسيا، ما يشجع الصين على اتخاذ خطوات شبيهة، قد تخرج الصراع عن دائرة التحكم به. والأمر الأخير حذر منه بلينكن، في 11 إبريل الحالي، في حديث لقناة “سي أن بي سي” الأميركية، بقوله “سيكون خطأ خطيراً لكل من يحاول تغيير الأمر الواقع بالقوة. والولايات المتحدة ملتزمة بأن تستطيع تايوان الدفاع عن نفسها”. وكان قد قال سابقاً أيضاً إنّ على التايوانيين “أن يجعلوا أي محاولة غزو صيني مكلفة لهم (للصينيين)”. بكين أيضاً تخشى من أنّ واشنطن بدأت تبتعد عن سياستها المعهودة القائمة على “صين واحدة”، وفقاً للخبيرة بوني غلاسر، والتي رأت أنّ بكين “بتحركاتها الأخيرة تحاول رسم خطوط حمراء لواشنطن وتايوان”.

Exit mobile version