ما تأثير غياب ديبي على دول الجوار؟ يعتقد مراقبون أن معركة السيطرة على السلطة في تشاد لن تكون خاطفة أو مخطوفة بل ستكون أقرب للحرب الشاملة

من المتوقع أن تشهد البلاد صراعاً قبلياً يمتد أثره إلى خارج تشاد (أ ف ب)

إسماعيل محمد علي -أندبندنت

أثار مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي أثناء تفقده القوات على جبهة القتال مع المتمردين شمال البلاد، كثيراً من علامات الاستفهام حول حقيقة ما حدث، هل كان موته غدراً أم طبيعياً نتيجة الاشتباكات العسكرية؟ وما الأبعاد الدولية والإقليمية في ما حدث ومستقبلاً؟ وما تأثير الصراع القبلي من ناحية استقرار البلاد؟ وما السيناريوهات المتوقعة بشأن الحكم؟

في هذا السياق، يشير الباحث السوداني في الشؤون العسكرية اللواء مهندس ركن أمين إسماعيل مجذوب، إلى أن “مقتل الرئيس التشادي حدث مفجع وكبير ستكون له آثاره وتداعياته على المنطقة وتشاد وكامل الإقليم، فهو بحكم طول مدة حكمه التي استمرت 30 عاماً خلق علاقات أفقية ورأسية في المنطقة ومع المجتمع الدولي، فدولياً يرتبط بفرنسا ارتباطاً وثيقاً، وجاء إلى الحكم محمولاً على ظهر الميليشيات التي هاجمت العاصمة انجمينا في بداية تسعينات القرن العشرين، لذلك فهو محمي بالقوات الفرنسية الموجودة في تشاد، ما مكّنه من قهر أعدائه وخلق لنفسه كاريزما وسطوة كبيرة جداً، ومعلوم أن ديبي ينتمي لقبيلة الزغاوة التي لها تداخلات مع السودان ومصاهرات في النيجر وليبيا مع قبائل التبو، كما دخل أيضاً في مصاهرات مع القبائل العربية ومنها قبيلة الرزيقات في السودان، ما جعله فاعلاً ومؤثراً في أزمة دارفور خلال السنوات السابقة لنظام الرئيس عمر البشير”.

لكن، ما تأثير غياب ديبي على دول الجوار ومنطقة الساحل الأفريقي؟ يجيب مجذوب، “باعتقادي أن فقد قائد بحجم إدريس ديبي، وما يملكه من إمكانات وعلاقات دولية وإقليمية، بالتأكيد سيكون له تأثير كبير جداً في المحيط المجاور، فمثلاً على صعيد الأحداث في دارفور، أتوقع أن يكون التأثير إيجابياً من ناحية اختفاء تشاد كحاضنة للحركات المسلحة، وما كانت تقدمه من دعم لوجيستي لها في مسرح دارفور التي ما زالت تشهد وضعاً أمنياً هشاً. أما في الجانب الليبي فمتوقع أن يشهد تحسناً كبيراً، بخاصة أن ديبي كان منخرطاً بشكل أو بآخر في الأزمة الليبية، حيث إن قوات المعارضة التشادية التي أدارت المعارك الأيام الماضية وقتل فيها الرئيس ديبي نفسه، انطلقت من ليبيا، فكانت هذه القوات تشارك في القتال داخل ليبيا منقسمة بين مجموعة حفتر، وأخرى مع حكومة الوفاق، ما يجعل هناك أملاً في انحسار الأزمة الليبية قليلاً، أو انتهائها. كذلك الحال في النيجر ومالي، حتى مسألة بوكو حرام في بحيرة تشاد، وما يتبعها من أحداث، حتى السنغال وبوركينا فاسو، كلها كانت تحرك بأياد تشادية، وكان لديبي باع كبير جداً في تلك الأزمات”.

واستطرد، “معلوم أن هذا الصراع قبلي بامتياز ما بين قبائل القرعان والفلاتة، وبعض القبائل العربية التي كانت مهمشة في عهد الرئيس ديبي، فالتأثير القبلي لاغتيال ديبي كبير جداً، باعتبار أنه ينطلق من أساس قبلي للحكم، كون أن قبيلة الزغاوة التي ينتمي لها الرئيس ديبي تمثل واحداً في المئة من سكان تشاد، وعلى الرغم من ذلك حكمت البلاد ثلاثة عقود، وأبعدت بقية القبائل الكبرى من السلطة، لذلك نجد الآن بوضوح أن المعارضة التشادية تتكون من القبائل العربية تحديداً قبيلة القرعان ومجموعة قبائل أخرى، بالتالي فإن هذا الصراع القبلي قد يستمر طويلاً ما بين القبائل العربية وقبيلة الزغاوة، بخاصة أن أسرة ديبي ما زالت تحكم الآن البلاد من خلال المجلس العسكري الانتقالي”.

التنافس الدولي

ويعتقد مجذوب، أن المعارضة التشادية بقيادة محمد مهدي علي، التي تحركت من ليبيا باتجاه انجمينا وأصدرت بياناً، شكلت مجلساً انتقالياً موازياً للمجلس الذي شكله نجل ديبي بدعم من الجيش، تتمتع بمعنويات عالية، باعتبار أن اغتيال ديبي يجعل حظوظها للوصول للسلطة أكبر، لافتاً إلى أن هذا النزاع قد ينتقل إلى القبائل المجاورة مع السودان، فقد تدخل قبائل سودانية لمناصرة قبيلة الزغاوة في تشاد، أو تحتمي (الزغاوة) إذا هزمت بأراض سودانية، لذلك فإن الأمر في منتهى الخطورة ما يستوجب أن يتحسب له السودان بإغلاق حدوده مع تشاد وتأمينها كاملاً، فضلاً عن التنسيق مع السلطة الحاكمة في انجمينا لمنع انتقال الصراع للأراضي السودانية، بخاصة أن إقليم دارفور مفتوح أمام كل السيناريوهات، بالنظر إلى أن وضعه الأمني هش للغاية، لعدم تنفيذ اتفاق السلام على الأرض، إلى جانب الصراعات القبلية التي تعانيها مناطق الإقليم وآخرها أحداث الجنينة.

المعارضة

وحول التنافس الدولي على النفوذ في تشاد، يقول الباحث السوداني في الشؤون العسكرية، “من المعروف أن فرنسا تعتبر تشاد إحدى مستعمراتها السابقة ومدخلها للفرانكفونية في منطقة جنوب الصحراء، لذلك قامت بدعم كل الرؤساء السابقين بمن فيهم ديبي وأنقذته من ثلاث محاولات كانت قد تؤدي إلى انهيار حكمه، لكن هذه المرة ربما تكون الأيادي الفرنسية تريد التغيير، وربما جاء التغيير غصباً عن الخطط والتوجهات الفرنسية، بالتالي لا بد لفرنسا أن تبحث عن حليف لها سواء داخل تشاد أو في أفريقيا الوسطى، أو النيجر، أو مالي، ليغطي فقدها لديبي. لكن في رأيي أن النفوذ الآن يتمحور في دخول الشركات الأميركية إلى تشاد في مجال النفط باعتبار أن واشنطن ترى أن علاقتها المتميزة مع السودان تحفزها للوصول إلى تشاد، وتحكم قبضتها عليها بالسيطرة على مواردها الاقتصادية. كما هناك الجانب الصيني والروسي الذي وصل الأراضي التشادية للاستثمار في النفط، إذ تنتج تشاد 140 ألف برميل يومياً، فضلاً عما تملكه من احتياطات ضخمة، فهذا التنافس ربما يؤدي إلى تغيير الساحة السياسية في كل الدول المجاورة، بخاصة أن المنطقة الآن تقع داخل برميل من البارود قد ينفجر في أي لحظة، ما لم تتم معالجة الأمور لمصالح هذه القوة الدولية والإقليمية”.

وفي ما يتعلق بمجريات الأحداث الداخلية وما ستفضي إليها، يبين مجذوب، “إما أن ينجح ما جرى إعلانه بتشكيل مجلس انتقالي عسكري برئاسة نجل ديبي (محمد). أو في حال لم ينجح سيكون السيناريو الثاني أن تتقوى المعارضة في ظل هذا الغياب وتواصل الضغط لتصل إلى العاصمة انجمينا وتستولى على الحكم”.

إعادة التحالفات

بدوره، أوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعات السودانية الرشيد محمد إبراهيم، أن “المتابع لمجريات الأحداث لا يستغرب ارتباط وعلاقة ما جرى في تشاد بالترتيبات الجارية للبيت الليبي، فالمعلومات المؤكدة أن قوات المعارضة التشادية بقيادة محمد مهدي علي تحركت من داخل ليبيا في اتجاه انجمينا، وهو مؤشر يؤكد أن هناك توجهاً لإعادة التحالفات الاستراتيجية على إثر ترتيب الأوضاع في ليبيا، وهناك أيضاً عوامل أخرى ساعدت على ذلك منها انتشار السلاح في مثلث الصحراء، نتيجة لتواجد الميليشيات والجماعات المسلحة التي شاركت في القتال في ليبيا، إلى جانب التأثير الذي أحدثته محاربة تشاد لجماعة بوكو حرام في النيجر ومالي ومنطقة بحيرة تشاد، ما أفرز صراعات في المنطقة، كما أن التوجهات الاقتصادية الأخيرة لحكومة ديبي وانفتاحها تجاه إسرائيل جعل فرنسا تعيد حساباتها في علاقاتها مع انجمينا”.

ويعتقد إبراهيم، أن طريقة اغتيال ديبي كانت مرتبة وليست نتيجة ظروف عادية، انطلاقاً مما تم استخدامه من تقنية عالية في العملية، إضافة إلى سرعة الترتيبات المتعلقة بعملية الحكم بإعلان مجلس عسكري انتقالي برئاسة محمد إدريس ديبي، فهو أقرب وأشبه بالانقلاب، ومؤشر قوي فيه كثير من الشكوك والاتهامات، لأنه حسب الدستور، يجب أن يتولى رئيس البرلمان إدارة شؤون البلاد خلال هذه الفترة الانتقالية.

ولفت أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إلى أن تأثير التداخل القبلي في الشريط الحدودي (ليبيا، والسودان، وتشاد، والنيجر) كبير جداً، ويفتح تساؤلات لتحالفات وتفاهمات جديدة تصاغ في إطار العمق العربي، لذلك من المتوقع أن تتجه الأحداث نحو التصعيد، بخاصة أن اغتيال ديبي أعطى جبهة الوفاق التشادية المعارضة التي تقود القتال حافزاً جديداً يجعلها تتناسى الهزيمة، منوهاً إلى أن عماد قوة المعارضة من قبيلة القرعان المستوطنة جنوب تشاد، وهي لديها تحالفات مع بعض القبائل العربية في شكل جبهة عريضة، حيث يتوقع أن يكون التكتل القبلي المعارض كبيراً، نظراً لما خلقه طول أمد حكم ديبي من عداء مع بقية القبائل، بالتالي فإن المعركة للسيطرة على السلطة في انجمينا لن تكون خاطفة أو مخطوفة، بل ستكون أقرب للحرب الشاملة.

القبائل المؤثرة

تعد القبائل في تشاد بمثابة المكون الرئيس للمجتمع، إذ يبلغ عددها أكثر من 200 قبيلة تتحدث أكثر من 100 لهجة، وعلى الرغم من أن اللغة الرسمية في تشاد هي العربية والفرنسية، لكن نجد أن معظم القبائل تتفاهم باللغة العربية الدارجة في ما بينها.

وتعد قبائل الزغاوة، والقرعان، والسارا، والعرب، والواداي، من القبائل المؤثرة في المشهد السياسي التشادي، بخاصة تلك القبائل التي لها وجود مهم داخل المؤسسة العسكرية، التي تعد أقوى النخبة الفاعلة والمؤثرة في السياسة في تشاد.

وتتمركز قبيلة الزغاوة، البالغ عددها أقل من واحد في المئة من مجموع سكان البلاد الذي يقدر بنحو 14 مليون نسمة، في شمال شرقي تشاد حتى شمال دارفور، وتعد الإبل أهم ثرواتها، واستمدت قوتها من أن رئيس الدولة إدريس ديبي ينحدر منها، فضلاً عن بعض قيادات الجيش في عهد الرئيس الأسبق حسين هبري.

في حين تتواجد قبيلة القرعان، التي يبلغ عددها 7 في المئة من إجمال سكان البلاد، في شمال تشاد مع حدود ليبيا وغرباً حتى حدود النيجر، فضلاً عن وسط وشرق تشاد، واستمدت نفوذها من أن الرئيسين السابقين قوكوني وددي (1980- 1982) وحسين هبري (1982- 1990) من أبنائها.

وتمثل قبائل الواداي (التونجور، والميما، والتأما، وغيرهم) 9 في المئة من مجموع السكان، وتتمركز في شرق البلاد، وتستمد نفوذها من حيث عدد الجنود في الجيش التشادي، وكونها مركزاً للدين الإسلامي في البلاد، أما القبائل العربية فيبلغ عددها 13 في المئة من مجموع السكان، وتتواجد في وسط البلاد، وكذلك في بعض مناطق جنوب وشرق تشاد، ولدى أبنائها حضور دائم في المشهد السياسي، والجيش.

وتعد قبيلة السارا الأكبر تعداداً، وتشكل 30 في المئة من عدد السكان، وتتمركز في جنوب البلاد حتى حدود أفريقيا الوسطى، وغرباً حتى الكاميرون، وتوجد في هذه المنطقة ثروات متنوعة كالبترول والذهب والألماس والثروة الحيوانية، ويتمثل نفوذها في أن أول ثلاثة رؤساء للبلاد ينتمون إليها هم أنغارتا تامبولباي، ونويل أودينغار، وفليكس مالوم.

Exit mobile version